أحدث الأخبار

شالوم عليخم من القدس / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

سرقوا منا تراثنا فأصبحنا بلا تراث
سرقوا من حضارتنا وأصبحنا نبتا شيطانيا بلا جذور ولا تاريخ
نهبوا منا الأرض وأمسينا شعوبا بلا هوية ولا جواز سفر
حتى الماء والهواء استولوا عليهما فمتنا عطشا واختناقا
ولكن لم يكفهم ذلك فسرقوا القدس واعتبروها يهودية إسرائيلية وليس للعرب فيها ناقة ولا بعير.

اعتادوا السرقة واعتدنا الصمت والخنوع ووجدوا في ذلك فرصة سانحة لاقتناص ما تمكنوا من مكاسب سياسية واقتصادية وإنسانية وحضارية فلم يبقوا لنا سوى النزر اليسير من الكرامة التي يبدو أنها بدأت تنساب من بين أيدينا إلى المجهول.

لم تكن فلسطين يوما أرضا بلا شعب ولا القدس مدينة بلا تاريخ، كانت القدس دوما مدينة السلام التي لم تذق السلام أبدا منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. ولكن التاريخ هو الآخر لم يعد له قيمة مثل الكثير من ثوابتنا التي تخلينا عنها بلمح البصر، فهو لم يخل من التزوير كما جرت العادة وخاصة أن التاريخ يكتبه المنتصرون. حتى تاريخنا الحاضر قد سرقوه وزوروه وانظر لما قاله هنري كيسنجر (وزير خارجية أمريكا السابق) وأحد جهابذة ودهاة السياسيين الصهاينة في العالم وذلك في كتابه الصادر حديثا “النظام العالمي- تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ” حيث قال (إن تصدي العرب لمشروع الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية قد أفضى إلى أربع حروب في 1948، 1956، 1967، 1973، وفي كل منها كان السلاح الإسرائيلي هو الغالب).

لقد أنكر علينا كيسنجر نصرا كنا نعلمه لأولادنا في المدارس من أجل أن نزرع فيهم حب الأوطان وقيمة الدفاع عنها، ولذلك فإنهم يصرون على سحب البساط من تحت أقدامنا فحولوا حرب 1956 و 1973 إلى هزيمتين للعرب وتناسوا متعمدين معركة الكرامة أيضا التي هزموا فيها شر هزيمة.

يسالني ابني قائلا: إنهم يملكون أمريكا والمال والقوة والإعلام والأسلحة النووية والترسانة العسكرية الحديثة فماذا لدينا نحن؟ وكيف لنا أن نسترد الأرض والأقصى من براثنهم؟

لم يكن السؤال يسيرا ولكن الإجابة عليه ليست مستحيلة، فما طار طير إلا كما طار وقع، ولا بد لكل أمر من نهاية، وما بني على باطل فهو باطل ولا بد أن يزول. هم يدركون هذه الحقيقة ونحن نؤمن بها وشتان ما بين من يقاتل عن عقيدة راسخة في دينه وبين من يقاتل وهو يعلم علم اليقين أن الأرض لا تعرفه والسماء لا تميزه والريح لم تكن يوما صديقة له.

اسألوا الهواء والماء والأرض والطير والشجر، اسألو السماء والنجوم والقمر والشمس، اسألوا أطفال فلسطين ونساء الأقصى ورجال بيت المقدس.. سيؤكدون لكم أن الأرض لنا والقدس لنا والتاريخ والحضارة والنصر لنا لا محالة، وأما ذلك الذي منحهم القدس مجانا اليوم قد فعل مثل من منحهم بوعده المشؤوم جل فلسطين أرض نهايتهم… وما أشبه اليوم بالبارحة.

شالوم عليخم… من القدس مدينة الأقصى
شالوم عليخم من أرض الإسراء والمعراج
شالوم عليخم من أولى القبلتين وثالث الحرمين
أي مصير أسود ينتظرنا..! وكيف لنا أن نقنع أبناءنا بأننا لم نفرط في القدس وأقصاه وأننا شعوبا وحكام قد فعلنا كل ما أمكن لتحرير الأقصى من السجان الصهيوني.

كيف سيكتب التاريخ هذه اللحظات…؟ كم تمنيت ألا أعيش هذه الهاوية الأخلاقية ولكني في النهاية أستفيق من هذا الكابوس وأتذكر وعد الله لرجاله الصالحين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

إنه الوعد الإلهي الذين يحمل في طياته الأمل والنصر والتمكين… وقد لخص الشاعر محمود درويش في قصيدته الشهيرة “عابرون في كلام عابر” معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال قائلا:

أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة
وخذوا ما شئتم من صور كي تعرفوا أنكم لن تعرفوا
فاخرجوا من أرضنا من برنا… من بحرنا
من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا
من كل شيء واخرجوا من مفردات الذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة

وشكرا لمن أيقظ بعض ضمائرنا الميتة وأحيا القضية الفلسطينية بعد أن كاد يطويها النسيان وأعاد لنا الأمل بوحدة المصير المشترك… والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. زياد الوهر

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°