أحدث الأخبار

مـا هـكــذا تـورد الإبـل…!!/ الدكتور عبد القادر حسين ياسين

+ = -

الدكتور عبد القادر حسين ياسينGetAttachment

أصدرت “دار المنتدى” “طبعـة جـديدة” من كتاب ” مختـارات من الشعر اليوناني الحـديث” نقلها إلى العربية المطران الياس معـوض .

ويضم الكتاب خمسا وتسعين قصيدة لاثني عشر شاعر يوناني جميعهم ولدوا في القرن التاسع عشر ، واغلبهم توفي في النصف الاول من القرن العشرين . واعترف انني ـ كقارئ ـ خـُدعت بالكتاب كعنوان ، ذلك انني لا أستطيع أن أتصور “مختارات من الشعر اليوناني الحديث” تقفز عن أشعار كفافي و نيكوس كازاتزاكيس ويانيس ريتسوس مثلا ، لكن نيافة المطران الياس معـوض تجاهل ، كما أرجح ، كل شعر يوناني لا ينسجم مع قـناعـاتـه الإيديولوجية .

فالمطران أوقف الشعر اليوناني أمام شواهد قبور شعرائه المختارين ، وهم غير معروفين في العالم العـربي (حتى ولا خارج اليونان! ) رغم أن أحدهم ، بالماس ، فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1934 ، وقد اختار المترجم من نصوص الشعراء تلك ما انحصرت مراجعتها بالميثولوجيا الاغريقية ، والميتافيزيقيا المسيحية…

فمعـظـم الشخصيات الواردة في النصوص تاريخية ، أو دينية ، أو أسطورية… وكأن الزمن الشعري في هذه النصوص هـو زمن الاسـاطير الاغـريقية ، أ و الاسـاطير المسيحية… إذ يـبـدو لنيـافـة المطران أنـه بعـد كل مـا رواه “الكتاب المقـدس” ، ليس ثمـة جديد تحت الشمس .

وإذا كان نيافة المطران يرى أن اعـتماد هذا الشعر لـ “الميثولوجيا الاغريقية” كتراث وطني ، ولـ “الكتاب المقـدس” كتراث ديني ، يجمع أشلاء الشخصية الوطنيـة للشعب اليوناني ، ويشحـذ روحه الوطنية التي هزمـها الاحتلال العثماني الأجنبي قوميا (الأتراك) ودينيا (الإسلام) ، وهذا صحيح ، فكيف يجيز لنفسـه القول أن “ليلا طويلا من العبودية” قد أسدل ستاره فوقهـا ؟

وبصرف النظر عن سـخافـة الفكرة القـائلـة بأن النظريـة الشيوعية مـرادفـة للعبودية ، كمفهوم ومصطلح على الأقل ، يبـدو أن نيـافـة المطران لا يعرف أن الشاعر كالفوس توفي في عام 1869 … وفي حـدود معرفتي المتواضـعـة فـان أول نظام شيوعي في العالم قام في روسيا القيصريـة عـام 1917 لا في اليونان ، أم أن العثمانيين كانوا شيوعيين ونحن لا ندري؟ أم أن المترجم موبوء بـ “مكارثيـة” موتورة خـوَّلت له أن يـُقـوِّل الأموات ما لم يقولوه؟!

ليس ثمة شك في أن الدافع أثر بشكل سلبي على المستوى الفني للترجمة ، فجاءت النصوص وكأنها من أناجيل مترجمة ، وبعضها مجرد أدعـيـة وابتهالات ، ومعظمها يقول بالوعظ ، ويفصح عن الحكمة الدينية ، والعديد منها يمجد “الموت” و”السلام الأبدي” ، فالحياة “عبء ثقيل لا يحتمل …”

فإذا كان الشاعر يسعى إلى الخوف من الموت ( نداء الوطن عند الملتقي) فهل يُعقل أن يحاول النظر إلى الحياة نظرة عدمية عابثة ؟

إن معظم النصوص التي اخـتـارهـا نيافـة المطران تصدر عن رؤية ميتافيزيقية دينية للواقع لصالح وَهـْم ما بعد القبر ، رؤية لاهـوتية صيغـت بأسلوب رومانسي مُفعـم بمجاز تجريدي واضـح على نحو : ” نغـمي المعجون يزيد الجمال ” ، و” خيالي الطائر نحو فجرك الدائم ” .

وهذا الأسلوب التعبيري عاجز ، لأنه يحاول “تجسيد” ما هو غيبي أصلاً ، غير موجود ، كمن يحاول تجسيد ” العبث ” كمفهوم عبثي ، لا بمعادل فني يوحي بمفهوم العبث . إن المختارات لها نبض الواقع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، ولا نشتم منها رائحة الزمان والمكان .

وعلى الرغم من أن “الموج المتكسر على صخور الشاطىء” هي الصورة الكبرى في استعارات جل القصـائد المختارة ، فان الطبيعة ـ كمستعار منه ـ كانت سائدة في النصوص على هيئة ثابتة ذات دلالات اصطلاحية جامدة ، ولا تحتمل انفتاحاً على غير طقوس دينية إيمانية .

فالكلام تهويم يسدل على الواقع ستاراً لصالح فقاقيع الرومانسية . ان الشعراء ، كما يمكن لقارىء متمرس أن يلاحظ ، رومانسيو النزعة . لكن مهما استدعت رومانسيتهم من الأجواء الحزينة ، ومحاكاة الطبيعة ، ووصف الآلام وتهويلها ، فإنهم في مراحل التحرر الوطني ـ عادة ـ تكون لهجتهم حماسية غاضبة . وهذا ما افتقدناه، باستثناء نصـَّين في بقية النصوص المترجمة، مما يطرح احتمال أن الترجمة غير الأمينة حولت التلقائية المفترضة في الأصل إلى إنشاء مصطنع تشوبه الرتابة الباردة، كأن المترجم يتعامل مع النص كفكرة يعـيد صياغتها وفق قالب لا يملك غيره ( أو لا يريد الخروج عنه) .

لذا جاءت نصوص الشعراء جميعا كأنها واحدة لولا قوة الفكرة أو الرؤية الشعرية التي تفرض نفسها على مترجم رديء كذهب منثور في غبار يلمع .

تخللت الكتاب العديد من النصوص الشعرية الغزلية التي اشاعت ـ في رأيي ـ جواً عاطفياً حزيناً ، بحكم رومانسية الشعراء ، وإذا كان المترجم رأى في بعضها “مناخياً صوفياً” ما ، فإن أهمها ، قصائد الشاعر زالاكوستا ، جاءت مفعمة بمعالجة شعرية معاصرة بنبرة غنائية تارة وبتوتر درامي غالبا ً .

في تعقيبـه على قصـيدة “المجـدلية ” ينـوَّه المطران الى جوِّها “الإنجيلي” … لا بأس أن يختارالمترجم نصوصاً تخرج عن إطار ديمومة الأيديولوجيا ، لكن بعـد أن يقدم الشاعـر “عربوناً ” أو يمتلك جواز مرور أو ، بعبارة أوضح ، نصاً شعرياً مرجعـه إنجيلي !

وأود أن أشير هنـا الى أهمية قصـيدة زالاكوستا “رثاء الجميلة” التي توحي بموهـبة شعرية عظيمة ، وتحيلنا إلى التساؤل: هل قرأ فريـدريكوغارسيا لوركا ، الشاعر الأسباني ، هذه القصيدة مراراً لدرجة أنه استلهم أجواءها في العـديد من مراثيـه ، وخاصة في قصـيدته الرائعـة ” موت انطونيو الكتامبوربو” ومرثية ” أخناثيوسانشيز ميخياس” ؟

إن دراسة مقارنة قد تمكن الباحث من الوصول إلى نتائج هامة ، لكن الحيز الصحفي الضيق كثيراً ما يلجم طموحاتنا .

كما أن أجواء “المختارات” ، رغم أنف الترجمة ، تشي بعلاقة مع التقنية الملحمية والشعر القصصي الأسطوري ، وأحـيانا ، وبفعل الترجمة ، نقرأ قصصاً قصيرة مستوفاة لكل شروط كتابة القصة القصيرة الحديثة . لكن الرمية هنا من غير رام أو بفعل الصدفة . كما أن كريازيس ، مثلا ، كان واضحاً في اعتماد تقنية هوميروس .

كل هذا يمكن ملاحظـتـه رغم أن الترجمة لم تترك لنا من جمالية النص غير الرائحة ، وانعاكسها الخاص في ذهن المتلقي .

إن قراءة هذه “المختارات” تستوجب معرفة مسبقة بالشعر اليوناني ، وتشترط خيالا جـامحـا عـند القارىء يستعيد خلق النص ، على رتابة الصياغة وبلادتها ، وأن لا يؤخذ الشاعر بجـريرة المترجم … والا تسرب بقوة انطباع عند القارىء بأن هذا الشعـر بخور وشعـوذة .

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°