أحدث الأخبار

هذه الاستحقاقات الفلسطينية الضائعة / ماجد الشّيخ

+ = -

هذه الاستحقاقات الفلسطينية الضائعة

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

ليس الفرد دالة شرعية لأي نظام سياسي، بل إن الكل الوطني هو الذي يمنح المؤسسات شرعيتها بانتخابات ديمقراطية نزيهة، وبالتالي التأسيس لشرعية الفرد، وعكس ذلك تعيش الشرعية فراغا مهولا، لا يستطيع كائنا من كان أن يمنحها لنفسه أو لغيره، وطالما أن الفرد دالة سلطة، كذلك هو النظام السياسي دالة سلطة، بل أكثر سلطوية، حين يعزل نفسه عن المؤسسات، فلا يعود يمثل ما ينبغي أن يمثله من واقع سياسي منتخب، أو ما يجري توافق الكل الوطني على اعتباره الشرعية، التي تعكس مصالح وتطلعات سياسية شعبية ممثلة للأغلبية الغالبة من الشعب.

من هنا فإن الدعوة “المتعجلة” لانعقاد دورة جديدة – قديمة للمجلس الوطني الفلسطيني، برغم ثغرات النصاب وعدم توافق الكل الفلسطيني، وبقاء الانقسام السياسي والجغرافي أمرا واقعا؛ يتعاكس ومسألة الوحدة الوطنية، ويبعد الشرعيات عن تحقيق لحمتها الوطنية وتوافقاتها واتفاقاتها على طبيعة العمل السياسي والتنظيمي، وكل هذا لن يكون خليقا بإنجاح وتثمير انعقاد مثل هذه الدورة “المتعجلة” غير التوحيدية، ومهما تكن قراراتها، فهي لن تستطيع تحقيق أهداف الكل الوطني استجابة لطموحات استعادة وحدة القوى والبرنامج السياسي الموحد أو شبه الموحد، وصولا إلى ما يوحد وطنيا، لا إلى ما يكرس الفرقة والانقسام.

فهل هذا ما تسعى إليه قيادة السلطة ومن يواليها من فصائل، لتجديد شرعية المجلس الوطني الفلسطيني كمؤسسة وطنية من المفروض أنها تشرّع لبرنامج سياسي وحدوي، ينضوي الكل الفلسطيني تحت رايته، ويتفق الجميع على ضرورته في هذه المرحلة الدقيقة التي افتقد الكفاح الوطني الفلسطيني بوصلته الموجهة، وفقدت الشرعيات كل الشرعيات في سياقها أدوارها الكفاحية، مستبدلة إياها بنوازع ونزعات سلطوية أو تسلطية، شخصية وفئوية وفصائلية، شرشت كما الاستبداد في تربة خصبتها التراجعات والانحرافات والسياسات الزبائنية والوظائفية العقيمة، منذ غيوم أوسلو التي أضافت سوادا إلى سواد النكبة.

بالتوازي أو بالمقابل، كان هناك مساع حثيثة لعقد مؤتمر وطني في بيروت (جرى استبعاده لأسباب عديدة)، وآخر في غزة، بمشاركة قوى وفصائل وهيئات وأعضاء المجلس الوطني (100 على الأقل) الذين أعلنوا مقاطعتهم لخطوة انعقاد المجلس في رام الله، تأكيدا واحتجاجا على عدم مشروعيته، وتفرد (فتح) وفصائل أخرى بالدعوة لانعقاده، وذلك كله بعيدا من الحرص على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية وقواها وفصائلها بما تمثل من بيت ووطن معنوي لجميع الفلسطينيين، أو بما كانت تمثله من وحدة كفاحية، أفقدها الانقسام السياسي والجغرافي نصابها الوطني، ما أضعف المواقف الفلسطينية جميعها وأفقدها وحدة الهدف والبرنامج، وبالتالي بات الجميع غير قادر على قيادة العمل الكفاحي والوطني الفلسطيني، فكان البديل، أو إحدى البدائل الملحة، تلك المسيرة الكفاحية الراهنة: مسيرة العودة إلى الأرض عنوانا لمواصلة مسار المقاومة الشعبية التي تشق طريقا كفاحيا تحرريا، تجاوزت فيه جماهير الشعب الفلسطيني، أوضاعا قيادية لم تعد تستطيع أن تعكس آمال وطموحات شعب بغالبيته، ليس مغرما بسياسات الاستبداد والتفرد السلطوية، على اختلاف تلوناتها واتجاهاتها الفئوية.

كلنا يعرف أن تجديد الشرعية أو الشرعيات الفلسطينية بعامة، وصيانتها من التبديد أو الضياع، يتطلب أولا تحقيق انسجام وطني جبهوي ونبذ الفرقة والانقسام، والوصول إلى وفاق وطني يجمع الكل الوطني، على أسس وقواعد ديمقراطية الانتخابات التمثيلية التي تؤمن للجميع حقه التمثيلي الصحيح، بدلا من “كوتات الهيمنة” واستبداد سياسات “التحكم المالي” التي أغرقت الجميع في مستنقعات الركود والتسلط والانفراد والتفرد بالقرار، وأبعدت الوضع الوطني كله عن مضامين الوفاق السياسي، الضامن الوحيد لاستعادة وحدة قوى المشروع الوطني، وبالتالي وحدة التوافقات على استعادة تجديد الشرعيات، وبدون ذلك لا يمكن لشرعية بمفردها أن تقرر خطوات الشرعيات الأخرى، أو تتجاوزها في اتجاهات أحادية أو انفرادية.

على أن فقدان “النصاب السياسي” لعقد دورة غير عادية للمجلس الوطني، لا يمنح دورته “المتعجلة” الآن الشرعية المطلوبة، استنادا إلى نصاب عددي جرى “طبخه” وتدبيره” على عجل كذلك، وكأن من يسعون إلى تجاوز عقبات عقد دورة قانونية صحيحة وطبيعية للمجلس الوطني، يسابقون الزمن قبل حدوث إكراه ما أو تداعيات إكراهية منتظرة، لا يعود بعدها للسلطة قدرة الهيمنة على اتخاذ القرارات، لا سيما تلك المنسجمة مع محددات واشتراطات اتفاق أوسلو بضماناته الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وهكذا وقبل الوقوع في الفراغ الكبير والفوضى المدمرة، هناك من يسعى إلى ترتيب البيت الفلسطيني، بعيدا من روح الكفاح التحرري وإبداعات المقاومة الشعبية واستبسال المواطن الفلسطيني في الدفاع عن قضية الأرض وحق العودة، وكامل حقوق اللاجئين في وطنهم وفي مخيمات اللجوء والشتات؛ وهذه طامة كبرى والجريمة الأكبر التي ترتكب بحق شعب بدأت مأساته قبل سبعين عاما، وها هي معالم نكبة أخرى يراد لها أن تستمر وتتواصل، في بداية العقد الثامن لنكبة أو نكبات لا يواصلها كيان العدو الاستعماري فقط، بل هناك من يشترك في مواصلتها عونا ودعما ومساعدة من أجل مصالحه أيضا، بمواقفه كما بقراراته الخاطئة، وبأخطائه التاريخية التي قامت منذ البداية على قاعدة الخطيئة التوراتية كخطيئة بدء خرافية، حين وجدت من يصدقها ويصادق عليها كأكذوبة “مقدسة”، ضيّعت فلسطين ومعها شعبها في شتات داخلي وخارجي، مكشوفا بلا أي غطاء قيادي.

وبذا يكون الانقسام السياسي والجغرافي، وقد بات يفرخ العديد من ظواهر انقسامية، جميعها يذهب في اتجاهات تعظيم المأزق الوطني الفلسطيني بدلا من معالجته، بما يكفل إيجاد حلول تصب في مصلحة الكل الوطني؛ وكما نرى فإن الإصرار على سياسات التفرد الأحادية، تقود اليوم إلى انتعاش سياسات الفئويات الفصائلية واستنهاض عصبياتها؛ في تجاهل متعمد لحال المقاومة الشعبية الناهضة كمسلك استراتيجي يحاول الانتفاض مجددا في وجه الاحتلال الكولونيالي الإسرائيلي، ومن يتشارك معه تنسيقا وتطبيعا، ويغزل معه “ناعما”، أملا في العودة إلى مفاوضات فات أوانها، لا سيما بوجود إدارة أميركية هوجاء، تزايد في يمينيتها وعنصريتها على يمين إسرائيلي متطرف، يسعيان لعرض وتنفيذ صفقة “تاريخية” ليست للتفاوض، بل للقبول بها رزمة واحدة مفروضة كما هي، وإلا فلا، وهذا ما لن يقبل به أشد الاستسلاميين خنوعا من بين الفلسطينيين.

أخيرا وليس آخرا، ما الذي أبقته السلطة والفصائل التي تدور في فلكها، أو التي تعاديها، من منظمة التحرير الفلسطينية، لترثه أو تورثه للأجيال القادمة، كي تواصل مسيرتها على درب التحرير والعودة الذي كان هو الطريق الوحيد لآمال الذين آمنوا ويؤمنون بالمشروع الوطني الفلسطيني، الهدف والغاية لأجيال الشعب الفلسطيني، لرفع الراية خفاقة من دون تنكيسها في منتصف الطريق، بدون تحقيق أي من الأهداف الوطنية؟.

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°