“قانون جذبي أنا” بين المتخيل والواقع للكاتبة خولة حسين/ بقلم: زياد جيوسي 

+ = -

بقلم: زياد جيوسي 

    ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط مع لوحة غلاف معبرة عن محتوى الكتاب الذي اعتبرته الكاتبة قانونها الخاص ومنح للكتاب إسمه “قانون جذبي أنا” للكاتبة خولة حسين وصنف الكتاب في المكتبة الوطنية تحت تصنيف الرواية، ومن العنوان يشير لأفكار تخص الكاتبة وقناعاتها اسقطتها على لسان الراوية للكتاب من الصفحة الأولى حتى الأخيرة، وقدمت الإهداء: “إلى كل من يرغب في خوض تجارب تشبه تجربتي”، وهذه اشارة أن الكاتبة خاضت بعض من التجارب في حياتها أوصلتها لقناعات اعتبرتها قوانين، فالراوية للتجربة والأحداث تقول ومنذ البداية وفي مقدمة لم تنفصل عن الرواية: “كلنا يمتلك واقع إما انه يحاول تطويره واستحداث الجديد فيه والارتقاء بنفسه وواقعه، وآخرون يسعون لتغيير الواقع جذريا.. وآخرون يصلون إلى مرحلة الانفصال النفسي التام عن هذا الواقع” وتقول الكاتبة على لسان الراوية “بت أرسم واقعا آخر، هناك في عقلي الباطن ومخيلتي وأعيش هذا الخيال”، وتؤكد “أن أغلب قوانين الجذب تتم بالمخيلة”، وهذا يعطينا فكرة مسبقة للشخصية التي ستروي الرواية والتي ابتكرتها الكاتبة من خيال الكاتب. 

   من خلال الإهداء ومن خلال قول الراوية ص 14: “أنا بطلة قصتي وأنا من يرسم تفاصيلها” ، نجد أنفسنا أمام سرد لفكرة وتجارب عبر سرد قصصي صيغت على شكل قصة طويلة من فصل واحد وعلى لسان راوية للأحداث فيها، والراوية من مزايا العمل الروائي فالروائي يخلق شخصية تروي الأحداث في روايته وبناء عالمها المتخيل مبقيا نفسه خارج الرواية، رغم أن بعض الاشارات تشير أن الراوي يحمل بعضا من شخصية المؤلف، فالكاتب لا يمكنه أن يكون محايدا تماما بين نفسه والشخصية الراوية، فالكاتب يكتب الرواية أو القصة ولكنه يحاول أن يوهم القارئ بأن لا علاقة له بها فليجأ لشخصية الراوي لتنوب عنه وتخلق هذا الوهم، فأي عمل ابداعي شاء الكاتب أم لم يشأ يعكس بعضا من شخصية الكاتب. 

  ومن مزايا الرواية أنها تتألف من راو يمثل الشخصية الرئيسة وشخصيات ثانوية تختلف بحجم حضورها وتأثيرها وسردها للأحداث إضافة للزمان والمكان، والرواية تقع في فصول عدة يتنقل الكاتب بينها وبين شخوص الرواية سواء كانت شخصيات رئيسة أو ثانوية لتحافظ على منهج البناء للرواية والعلاقات بين عناصر الرواية فهذه العلاقات تخضع لقوانين التركيب والبناء التي شكلت الأنموذج للبناء الروائي، لكن هنا نجد الكاتبة خرجت عن طبيعة الرواية التقليدية والمألوفة وانتقلت إلى الأدب السردي الممكن عبر قصة طويلة بدون اهتمام بقوانين الشكل الروائي، فكانت الكتاب كله سرد متصل لشخصية راوية الأحداث والتجارب، بدون فصول للرواية وبدون التنقل بين شخصية رئيسة وشخصيات ثانوية، إلا اذا اعتبرت الكاتبة أن كتابها تحت إطار ما صار يطلق عليه اسم الحداثية وما بعد الحداثية. 

 والكاتبة من خلال الراوية تطرح فكرة أعتبرتها قانونا وهي قانون الجذب الذاتي الذي يبدأ بالفكرة في المخيلة، ويكتمل بالعمل من أجل تحقيق الهدف الذي لا يتحقق بدون العمل والاستقلال المادي، وبدون خجل من العثرات والكبوات، علما بأن القوانين ثابتة بعكس النظريات التي تحتمل أن تتحول الى قوانين ثابتة أو تفشل، فنجدها تعمل في قرية بعيدة عن أهلها في مشروع ميداني سنوات عدة وهي تسعى لتحقيق أهدافها وأفكارها رغم العثرات والمواقف التي تعرضت لها. 

   تسجل الراوية أفكارها على جدار لتنظم ما تريد وتبغي للوصول اليه بين المتخيل والواقع وما تستنبطه من رحلات تأملها، وتعطي للقارئ قواعد وصلت اليها كما في ص 42/43 والصفحات 74/75 وفي صفحات لاحقة من نهاية الكتاب، وهذا يخرج الكتاب عن نسق السرد الروائي ويحيل الحديث إلى شبه دروس، بينما اوردت قواعد أخرى لم تخرج الكلام عن السرد القصصي كما في ص 54، وتعمل على كسر الروتين اليومي وقواعد العمل والأفكار المعتادة، فتعمل جاهدة على توجيه من تلتقيهم إلى فكرة قانون الجذب المقتنعة به، وهنا نجدها تختار نماذج انسانية من البشر تستخدمها في فكرة قانون الجذب الخاص بها والذي يكون سببا أن زميلاتها المدركات طبيعة المجتمع كسبن الوظيفة وهي عملت في قرية بعيدة بعمل مرهق وميداني، وهذا القانون يسبب مشكلات لصديقتها فاتن مع زوجها، وتسعى جاهدة مع سارة لتحقيق فكرتها عن قانون الجذب والاستحقاق، وتحاول حل مشكلات جارتها مع زوجها التي سببها دوما استعادة الماضي، وتفرح الجارة العجوز بزيارتها ولكنها تقع بمشكلة بالكاد خرجت منها بسبب فضولها وبحثها فيما وراء تلك المسنة، حتى أن قانون الجذب لديها يخذلها مرة أخرى مع ذلك الشاب الوسيم الذي ظنته عاشق فوجدته يهددها بالقتل إن باحت بما اكتشفته عند العجوز المسنة، وللإساءة من زميلتها التي دربتها ومنحتها كل خبرتها فتنكرت لها وأساءت لها. 

   وتتعرض للاستغلال من العجوز الذي أركبته سيارتها لتوصله بطريقها فيتظاهر بالألم ويطلب منها نقله الى مركز صحي ويتصل بأسرته التي تحترف النصب مثله،  ويدعي انها دهسته ويبتز وابنه منها المال مقابل الصمت، فكيف تخضع الراوية والمتعلمة وصاحبة التجربة لهذا الابتزاز وهي مع العجوز النصاب في المركز الصحي، ومع وجود أطباء يثبتون أنه لم يتعرض للدهس؟ وتتعرض لمشكلات مع المدمن وتاجر المخدرات الذي كادت أن تقع بالسجن بسببه، وأيضا تتعرض للتأنيب من والد الطفل المشرد، وحتى والدها الذي شجعها أن تعمل بهذه البلدة البعيدة استغل غيابها ليتزوج بدون أن يعلمها تحت بند أنه لا يقدر أن يعيش وحيدا، وفي مواقع أخرى تحلق في الخيال من خلال الحديث عن الغجرية التي تقرأ الطالع وتمنحها قدرات فوق الطبيعية، والتي لو امتلكها انسان لكان الأجدر أن تستفيد من قدراته أجهزة مكافحة الاجرام وأجهزة الأمن، ونجد أن قراءة البخت والطالع لدى تلك الغجرية ترك أثره على كل من كانوا بالرحلة وطلبوا منها كشف طالعهم، وهذه دلالة أن المجتمع ما زال قسم منه رغم العلم والدراسة يعيش هذه الأوهام واللجوء لأولئك المشعوذين والمشعوذات.  

   وهكذا نجد أن الكاتبة تتجه من خلال شخصية الراوية للبحث من خلال مشكلات الآخرين وشخصياتهم ومن خلال أفكارها عن قوانين تنظمها بالكتاب؛ باعتبارها قوانين الجذب التي تستنبطها من خلال هذه التجارب، مما يجعل القارئ يشعر أنه أمام كتاب في علم النفس ولكنه صيغ بأسلوب سرد أدبي وهذا ما أشارت اليه الكاتبة في ص 15/16 بتعداد بعض الكتب التي اهتمت بها الراوية منذ البداية، والملفت للنظر أن معظم الشخوص التي تحدثت عنها كانت في داخلها شريرة ونادرا ان تجد شخصية وردت بالكتاب كانت تقدر التأثير الإيجابي والمساعدة أو قانون الخير، وهذا القانون الذي تصل اليه هو أصلا موجود في المجتمع وتراثنا وديننا وهو فعل الخير، ولهذا جرى التأكيد على فعل الخير والصدقات فهن من المنجيات وهذا ما نراه بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والتراث الموروث، ولكن فعل الخير في مكانه الصحيح وليس في مواقع لا تؤدي إلا كما يقول المثل الشعبي “خير تفعل، شر تلقى”، أو كما قال الشاعر: “ومن يصنع المعروف في غير أهله/ يلاقِ كما لاقى مجير أم عامر”، فتتجه بعد تجاربها الفاشلة لدار المسنين وتتعرض للتأنيب من الكهل فيها، فتتجه بعدها للمرضى فتوجه جهدها تجاه لينا المصابة بالسرطان والتي تتأثر بأفكار الراوية وقوانينها والكتب التي تقرأها فتترك أدويتها مما يؤدي لوفاتها وتتعرض للتأنيب من والدة المتوفاة. 

  نجد الراوية اينما توجهت لفعل الخير اصطدمت بشخصيات غريبة أو شريرة وهذا ناتج عن عدم ادراكها المحيط من حولها وطبيعته وانسلاخها عنه بخيالها وقوانينها، ولكنها وصلت لهذه النتيجة متأخرة بعد مراحل من جلد الذات، وأقرت بها في نهاية الكتاب بعد حدث كان سيودي بحياتها، وأدركت في ص170 “إن كتب الجذب المترامية هنا وهناك وبث السموم والخرافات من خلالها قضت على الآخرين” وحسمت أمرها وقررت عدم خوض تجارب جديدة وتساءلت في ص 175: “وما كان شأني أنا بكل هذه القوانين وجذبها”، ووصلت الى القناعة التي هدفت منها في صياغة هذا الكتاب وهي على لسان الراوية: “أن التقرب من الله أقوى من كل قوانين جذبي”. 

   كتاب جيد وجميل بأسلوب سردي ممتع وإن ابتعد عن أسس فن الرواية التقليدية، ولكنه يوصل فكرة جميلة وهي أن قانون الخير وهو قانون موجه من الخالق هو الأجدى للحياة الجيدة، وأن اللجوء لله سبحانه هو الأساس لكل البشر، وتبقى ملاحظة عابرة انه كان من المفترض اعادة تدقيق الكتاب جيدا للتخلص من عدد من الأخطاء في الطباعة، وكان من الضرورة  توافر العناصر التي تجعل الأحداث السردية تشكل السرد الروائي ضمن أسس ومفهوم الرواية، من خلال التدرج في الرواية من العرض الى التأزم وعقدة الرواية وصولا للنهاية، فتأخذ فضائها من التناوب والتداخل والتتابع والتمدد مع مراعاة الواقع الاجتماعي وهو المسرح لأحداث الرواية والابتعاد عن لغة الخطاب. 

 

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً