ذكرى صبرا وشاتيلا.. بإيجاز عن ضلوع إسرائيل في المجزرة /  أنطوان شلحت

+ = -

حتى بعد مرور أربعين عامًا على مجزرة صبرا وشاتيلا (التي اقترفت في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت يوم 16 أيلول/ سبتمبر 1982 واستمرت لمدة ثلاثة أيام) ما زالت إسرائيل تنفضُ عن كاهلها أي مسؤولية مباشرة أو حتى أخلاقيـة عن اقترافها، بالرغم من حرص زعمائها على إبداء “قدر كبير من الاشمئزاز منها”، من دون أن تجد أدنى غضاضة في هذه الانشطاريـة. وقد استعانت لهذا الغرض أيضًا بالاستنتاجات التي توصلت إليها لجنة تحقيق إسرائيلية رسمية لتقصّي وقائع تلك المجزرة التي وقعت مباشرة بعد يومين من مقتل الرئيس اللبناني بشير الجميّل، ومن قيام الجيش الإسرائيلي بالانتشار في بيروت الغربية وفرض حصار على المخيمين، في 14 أيلول/ سبتمبر 1982. وتشكّلت هذه اللجنة بموجب أوامر صادرة عن مناحيم بيغن، الذي كان في أثناء الحرب على لبنان عام 1982 يشغل ولايته الثانية في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وذلك إثر ضغوط شعبية مورست عليه، وبلغت ذروتها في تظاهرة الاحتجاج العامة التي جرت في وسط مدينة تل أبيب يوم 25 أيلول/ سبتمبر 1982 بمبادرة من حركة “السلام الآن” وأحزاب المعارضة في الكنيست (البرلمان)، واشترك فيها عشرات الألوف من الإسرائيليين.

واستمر عمل هذه اللجنة، التي أسميت “لجنة التحقيق لتقصّي وقائع الأحداث في مخيمات اللاجئين في بيروت”، خلال الفترة بين تشرين الثاني/ نوفمبر 1982 وشباط/ فبراير 1983، وترأسها الرئيس الأسبق للمحكمة الإسرائيلية العليا يتسحاق كاهان (ولذا عُرفت أيضًا باسم “لجنة كاهان”)، وضمت في عضويتها كلًا من قاضي المحكمة العليا في ذلك الوقت أهارون باراك (الذي شغل في السابق منصب المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، وأصبح لاحقًا رئيسًا لهذه المحكمة)، واللواء في الاحتياط يونا إفـرات.

وكان من أبرز استنتاجات “لجنة كاهان” أنه “لم يتم العثور على أدلة قاطعة تثبت ضلوع الجيش الإسرائيلي بصورة مباشرة في اقتراف المجزرة”، ولكن اللجنة نوّهت بأن “أمر اقتراف المجزرة نمـا في مرحلة معينة إلى علم ضباط كبار من هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، ولم يتصرفوا على نحوٍ حازمٍ لوقفها”. وقالت اللجنة إن وزير الدفاع الإسرائيلي في أثناء الحرب، أريئيل شارون، يتحمّل المسؤولية الأكبر عن التغاضي عن خطر إقدام ميليشيات الكتائب على تنفيذ أعمال ثأر في المخيمين انتقامًا لمقتل الرئيس بشير الجميّل، وأوصت بأن يقدم استقالته، لكن شارون رفض الاستقالة، واكتفت الحكومة بنقله من منصبه وتوليته منصب وزير من دون حقيبة. كما وجهت اللجنة نقدًا صارمًا إلى أداء كل من رئيس هيئة الأركان العامة في إبان الحرب، الجنرال رفائيل إيتان، إلا إنها قررت عدم التوصية بإطاحته بسبب قرب انتهاء ولايته، وقائد المنطقة العسكرية الشمالية اللواء أمير دروري، وقائد جبهة بيروت العميد عاموس يارون. وأوصت اللجنة بعدم إسناد أي منصب عسكري قيادي إلى يارون لمدة ثلاثة أعوام. وبالنسبة إلى دروري فقد بقي في منصبه حتى نهاية عام 1983، ثم خرج إلى بعثة دراسية في الولايات المتحدة، وفي شباط/ فبراير 1985 عُيّن قائدًا لسلاح البرّ، وفي أيلول/ سبتمبر 1986 عُيّن نائبًا لرئيس هيئة الأركان العامة.

وأشارت اللجنة إلى أن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (“أمـان”)، اللواء يهوشواع ساغي، كان الوحيد من بين القيادة العسكرية الذي قدّر على نحوٍ صحيحٍ ما يمكن أن يترتب على سماح الجيش الإسرائيلي للكتائب باقتحام المخيمين من نتائج مأساوية، بل إنه حذّر من احتمال اقتراف مجزرة بحق السكان المدنيين، ولكنّه تجنّب نقل هذه التقديرات إلى أصحاب القرار، وأوصت اللجنة بإطاحته، غير أنه سارع إلى استباق ذلك بتقديم استقالته من منصبه.

بيغن (الأول من اليسار) يرفع يده مصوتًا على إطاحة شارون من منصب وزير الدفاع (Getty Images 14/2/1983)

وقالت اللجنة إن رئيس الحكومة بيغن أخفق في تقدير النتائج المتوقعة لعملية السماح للكتائب باقتحام المخيمين، وإن وزير الخارجية يتسحاق شامير تجاهل معلومات تلقاها بشأن اقتراف المجزرة ولم يحرّك ساكنًا لوقفها. كما أشارت اللجنة إلى أن رئيس جهاز الموساد، ناحوم أدمـوني، لم يزوّد الحكومة بأي إنذار يتعلق بـ”الخطر المرهون باقتحام الكتائب للمخيمين”، لكنها لم توص باتخاذ أي إجراءات بحقّـه، واستمر في أداء مهمات منصبه حتى انتهاء ولايته.

وقبل مناسبة الذكرى السنوية الأربعين للمجزرة، التي حلّت في أيلول/ سبتمبر الفائت، تراكم مزيد من الوقائع التي تؤكد مسؤولية إسرائيل عن المجزرة.

وفي هذا المقال سنعيد إلى الأذهان أبرز الوقائع السابقة على أن نتوقف عند ما استجدّ من وقائع في مناسبة الذكرى الأربعين في مقال آخر.

 يمكننا من بين أبرز الوقائع السابقة أن نوجز ما يلي:

(*) أولًا، ادّعى جهاز الموساد الإسرائيلي في سياق جلسة استماع عُقدت لبحث طلب التماس قدّم إلى المحكمة العليا في إسرائيل من طرف نشطاء مدافعين عن حقوق الإنسان في نيسان/ أبريل 2022، أنه من الصعب العثور على وثائق تاريخية في أرشيفه توثّق العلاقة التي كانت قائمة في السبعينيات والثمانينيات، بين الموساد وبين ما وصف بأنه “ميليشيات مسيحية” في لبنان شاركت في اقتراف مذبحة صبرا وشاتيلا خلال حرب لبنان 1982. واعتبرت رئيسة المحكمة الإسرائيلية العليا التي ترأست جلسة الاستماع هذه، القاضية إستير حيوت، هذه الحجة “غريبة”. ورأت أن على الموساد المحافظة على الوثائق، تحضيرًا لنشرها علنًا بعد مرور فترة المحافظة على سرّيتها، وهي 90 عامًا، بحسب القانون الإسرائيلي الجديد (قبل هذا القانون الجديد الذي اعتمد عام 2018 كانت فترة المحافظة على سريّة الوثائق الأمنية محدّدة بـ70 عامًا)؛ وخلال تلك المدة، يتعين على الموساد المحافظة على هذه الوثائق وحفظها.

أما المحامي إيتاي ماك، ممثل مقدّمي طلب الالتماس، فكتب في الطلب المُقدّم إلى المحكمة العليا عام 2020: “مرّ نحو 40 عامًا منذ أن كان الموساد مسؤولًا عن دعم إسرائيل للميليشيات في لبنان، والتي ارتكبت فظائع في الحرب الأهلية اللبنانية، وعلى الرغم من ذلك، فإن الموساد يعتقد أن من حقه مواصلة إخفاء الحقيقة عن الناس في هذا الشأن”. وأضاف أن مجزرة صبرا وشاتيلا كانت حادثة من سلسلة حوادث قتل وخطف واختفاء قامت بها “الميليشيات المسيحية”. وفي رأيه، فإن هذه القضية يجب أن تظهر على الملأ من أجل مناقشتها واستخلاص الدروس التي من شأنها أن تمنع دعم الموساد ودولة إسرائيل لقوى أمنية وميليشيات في أنحاء العالم ترتكب فظائع!

(*) ثانيًا، سمح الأرشيف الرسمي لدولة إسرائيل، يوم 28 شباط/ فبراير 2013، بنشر بعض المقاطع التي حظرت الرقابة العسكرية نشرها من محاضر الاجتماعات التي عقدتها الحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحيم بيغن في شباط/ فبراير 1983، وتداولت خلالها بشأن تقرير “لجنة كاهان”، والذي كان قد صدر في ذلك الشهر وأوصت فيه، ضمن أشياء أُخرى، بإطاحة وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت، أريئيل شارون، بسبب “عدم قيامه باتخاذ ما يلزم لمنع ارتكاب المجزرة”.

وتشمل هذه المقاطع، على نحو خاص، الأقوال التي أدلى بها كبار المسؤولين في قيادة الجيش الإسرائيلي، كما أنها تلقي الضوء على الخلافات التي نشبت في ذلك الوقت بين جهاز الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية (“أمان”)، وعلى مشاعر الغضب والإحباط التي سادت لدى شعبة “أمان” بسبب إرغامها لوحدها على دفع الثمن إثر المجزرة وإعفاء جهاز الموساد من دفع أي ثمن.

ووفقًا لهذا المحضر الذي كان سرّيًا للغاية، فإن شارون حضر إلى الاجتماع المذكور متأخرًا ساعة ونصف ساعة، وأشار إلى أن سبب تأخيره يعود إلى تظاهرة الاحتجاج التي جرت قبالة منزله، وقال خلال الاجتماع إنه قرأ تقرير لجنة التحقيق بتمعن شديد، وخلص إلى الاستنتاج أن التقرير يحتوي على أجزاء يمكن للحكومة قبولها، وعلى أجزاء أُخرى لا يجوز القبول بها على الإطلاق. وأضاف شارون أن الأجزاء التي لا يجوز قبولها هي تلك التي أكدت اللجنة فيها أن زعماء إسرائيل وقادة المؤسسة الأمنية تغاضوا عمدًا عن خطر ارتكاب المجزرة في مخيمَي اللاجئين الفلسطينيين، وشدّد على أن هذا التأكيد يحمّل الجميع مسؤولية ارتكاب المجزرة، وعلى رأسهم رئيس الحكومة بيغن، وعلى أنه في حال قبول الحكومة هذا التأكيد، فإنها ستكون عرضة لأن تُدان بارتكاب جريمة إبادة شعب، ولأن تُطالَب بدفع تعويضات كبيرة. ولفت إلى أن جرائم إبادة الشعب تُعتبر “أبشع الجرائم” في سجل القوانين الإسرائيلية، وذلك بموجب قانون خاص سنّه الكنيست عام 1950 في هذا الشأن. وقال إن كل مَن سمح (بارتكاب المجزرة)، وقدّم المساعدة، وكان حاضرًا بنفسه كي يمنع أي مقاومة، أو كي يضمن تنفيذ العملية التي كانت قوات الكتائب تزمع القيام بها في المخيمَين، سيكون شريكًا، أو ربما يبدو كما لو أنه شريك في ارتكاب جريمة إبادة شعب. وعند هذا الحدّ قام شارون بتقديم شرح مفصل عمّا يقصده بمساهمة “المشتركين” في هذه المجزرة، قائلًا: “معروف أننا من قام بالتوجه إليها (أي إلى ميليشيات الكتائب) كي تدخل (إلى المخيمَين)، وقمنا بتقديم المساعدة، ووفرنا الإضاءة، وساعدنا في إجلاء الجرحى، وكنا موجودين في المكان”. وأضاف: “معروف أيضًا أننا كنا في ذلك المكان، وفي المنطقة المحيطة به، كي نردع المقاومة. أفلم نعزل المنطقة عن مناطق أُخرى؟ لقد فعلنا ذلك بالتأكيد. وقد قامت قوات تابعة لنا بالمرابطة في المكان، بينما رابطت قوات أُخرى بالقرب منه كي نضمن التنفيذ، وخشية أن تُمنى القوات التي تم جلبها بالفشل وتكون هناك حاجة إلى تخليصها”.

 

رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي رفائيل إيتان (يمين) يصافح بشير الجميل (1982)، رئيس حزب الكتائب في ذلك الوقت (ويكيبيديا)



وتطرّق شارون إلى الجزء المتعلق به في التقرير، فقال إن الحديث لا يدور حول مسألة شخصية، وأكّد أنه لا يشعر بأنه ارتكب أي خطأ عندما وافق على دخول قوات الكتائب إلى المخيمَين للحؤول دون تعريض حياة الجنود الإسرائيليين إلى الخطر، وشدّد على أن أخذ مثل هذه الحجة في الاعتبار لا يشكل خطأ. كما أعلن رفضه تنفيذ التوصية الواردة في التقرير، والتي تنص على ضرورة أن يقدّم استقالته من منصب وزير الدفاع. وخاطب شارون الوزراء قائلًا: “إذا كنتم راغبين في قطع رأسي، فافعلوا ذلك بالطريقة التي ترونها ملائمة، لكن من جانبي لن أبادر إلى تقديم الاستقالة بنفسي”. كما شدّد على أن خطوة كهذه (تقديم الاستقالة) تعني “الإقدام على الانتحار (السياسي)”.

ومعروف أنه في نهاية الأمر وافقت الحكومة الإسرائيلية على تبنّي تقرير “لجنة كاهان”، واتخذت قرارًا قضى بإطاحة شارون من منصب وزير الدفاع.

وكانت هذه اللجنة أوصت أيضًا بعدم تعيين شارون في منصب وزير الدفاع في المستقبل، لكن بعد مرور أقل من 20 عامًا (في عام 2001) عاد إلى سدّة الحكم في إسرائيل رئيسًا للحكومة.

كما تبيّن من المقاطع الجديدة التي سُمح بنشرها أن رئيس شعبة “أمان” في ذلك الحين، اللواء يهوشواع ساغي، الذي اضطرته الحكومة إلى الاستقالة من منصبه إثر توصيات “لجنة كاهان”، تكلم في اجتماع الحكومة يوم 10 شباط/ فبراير 1983 فأشار إلى أن توصيات هذه اللجنة تلحق ظلمًا كبيرًا بمسؤولي الشعبة، خصوصًا وأن تقديراتهم فيما يتعلق بالخطورة التي يمكن أن تترتب على السماح لقوات الكتائب اللبنانية بالدخول إلى مخيمي صبرا وشاتيلا كانت صحيحة، بينما لم يلحق أي ضرر بجهاز الموساد على الرغم من أنه كان المسؤول من الجانب الإسرائيلي عن العلاقات مع الكتائب، ولديه منظومة خاصة للأبحاث والتقويمات موازية للمنظومة الموجودة لدى الشعبة.

وتكلم شارون بهذا الشأن في الاجتماع، وتطرّق في سياق كلامه إلى مسؤولية جهاز الموساد عما حدث في المخيمين، وبدأ أقواله بتأكيد أن رئيس الموساد في حينه، ناحوم أدموني، لا يتحمل أي مسؤولية شخصية عن المجزرة نظرًا إلى أنه بدأ بمزاولة مهمات منصبه قبل فترة وجيزة من وقوعها. لكنه في الوقت نفسه أضاف: “إننا لا نختبر هنا الأشخاص فحسب، وإنما نختبر أيضًا الأجهزة برمتها. فهل يعتقد أحد أنه لدى معالجتنا للأوضاع في لبنان، أو أنه خلال الزيارة التي قام بها رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي (الجنرال رفائيل إيتان) إلى مقر قيادة الكتائب، في 15 من ذلك الشهر (أيلول/ سبتمبر 1982) في الساعة 3:30 فجرًا، لم يكن هناك مندوب من المستويات الرفيعة جدًا لدى الموساد، والذي يتعامل مع موضوع لبنان منذ أعوام طويلة؟ إننا جميعا نقدّر هذا الرجل (يقصد مندوب الموساد في لبنان والذي لم تسمح الرقابة بكشف هويته) وأنا مسرور لأن اللجنة (“لجنة كاهان”) لم تضبطه، ولكن هذا كان من قبيل المصادفة فقط”.

وأشار شارون إلى أنه “لو كان عمل هذه اللجنة ألحق ضررًا بأحد ما من الموساد لكان هذه الجهاز برمته سيتعرّض إلى هزّة عنيفة، شأنه شأن شعبة ’أمان’”. وأضاف: “أنا أعرف ذلك المندوب من الموساد، وأعمل معه باتصال وثيق منذ وقت طويل. أفلم يكن معي في مقر قيادة الكتائب، صباح الخامس عشر من ذلك الشهر (أيلول/ سبتمبر 1982)، عندما تكلمنا عن الموضوع (السماح لقوات الكتائب بالدخول إلى صبرا وشاتيلا)، وأمرته بأن ينسق الأمر مع قائد المنطقة العسكرية الشمالية (للجيش الإسرائيلي)؟، أفلم يكن برفقتي في بِكفيا، عندما بلغت بيار الجميّل وأمين الجميّل بما ننوي أن نقوم به؟. أفلم يقم بترجمة أقوالي، مثلما قام بترجمة أقوال رئيس هيئة الأركان العامة في 15 من ذلك الشهر؟”.

وقال شارون في ختام كلامه: “لا شك في أن الموساد كان ضالعًا في هذا الموضوع (السماح لقوات الكتائب بالدخول إلى المخيمين)، ولا توجد لدي أي ادعاءات ضد الموساد، فهو أيضا لم يقدّر ما الذي يمكن أن يحدث (وقوع المجزرة)، ولم يقدّر أي أحد منّا أن هذا هو ما سيحدث. وقد أدلى جميع الخبراء في شعبة ’أمان’ والموساد، فضلًا عن جميع رؤساء المؤسسة السياسية وقادة الجيش، بشهادات مشفوعة بالقسم أكدوا فيها أن أيًا منهم لم يتوقع مثل هذا الخطر”.

تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الإسرائيلية أرغمت رئيس شعبة “أمان” ساغي على الاستقالة من منصبه، بعدما أكدت “لجنة كاهان” أنه “كان غير مبال تمامًا… ولم يبد أي اهتمام بالموضوعات التي كان يتعيّن عليه بحكم وظيفته أن يبدي اهتمامًا بها. كما أن الصورة التي تظهر من شهادة اللواء ساغي نفسه تدلّ على لامبالاة وانعدام اهتمام بارز، وعلى غضّ الطرف وعدم الإصغاء”.

في المقابل، فإن رئيس الموساد، أدموني، بقي في منصبه سبعة أعوام أخرى. مع ذلك، أكدت اللجنة في تقريرها أنه “لم يزوّد الحكومة بتحذير واضح فيما يتعلق بالخطر الكامن في السماح لقوات الكتائب بالدخول إلى المخيمين، ولم يُبد أي ملاحظة إزاء هذا الأمر خلال تقييمه للوضع أمام الحكومة”. وأضافت اللجنة أن أدموني “لم يعرب عن أي تحفظ إزاء دخول قوات الكتائب إلى المخيمين… وأنه بالذات في ضوء العلاقات الخاصة بين الموساد والكتائب، كان يتعيّن عليه أن يتطرّق إلى احتمال حدوث أعمال انتقامية من خلال تحليل كل العوامل المتعلقة بهذه العملية”.

يُشار إلى أنه لدى نشر هذه المقاطع من محاضر اجتماعات الحكومة الإسرائيلية عام 1983، في عام 2013، اعتبرت تحليلات أمنية إسرائيلية متطابقة أن الوثائق المتعلقة بمجزرة صبرا وشاتيلا من جلسة الحكومة الإسرائيلية هذه التي كشف عنها تُعدّ إضافة مهمة إلى المعلومات العامة عن حرب لبنان في عام 1982، وعن أداء حكومة مناحيم بيغن، ولكنها في الوقت عينه أكدت أنها لا تلقي ضوءًا جديدًا على المجزرة، لأن هناك فقرات طويلة ما زالت تخضع للرقابة، وخصوصًا شهادات ضباط الجيش الإسرائيلي، “الأمر الذي يُبقي على الشك في أن إسرائيل تواصل إخفاء ما يثبت تورطها في المجزرة”، بموجب ما أكد محلل الشؤون الأمنية في صحيفة “هآرتس”، أمير أورن.

ووفقًا لمعظم المحللين، فإن ما كشفته هذه الوثائق له علاقة بالحكومة أكثر ممّا له علاقة بالحرب والمجزرة، وهي تصوّر كيف انهارت حكومة بيغن الثانية، والنضال الشرس الذي خاضه أريئيل شارون من أجل التمسك بمنصبه بعد أن أوصت لجنة التحقيق في مجزرة صبرا وشاتيلا برئاسة رئيس المحكمة العليا يتسحاق كاهان، بتنحيته عن وزارة الدفاع. وسعت اللجنة لصوغ قرارها بحيث يمكن إبعاد شارون عن منصب وزير الدفاع مع استمرار بقائه في الحكومة. وهذا ما حدث، فقد أُجبر شارون على التخلي عن حقيبة الدفاع، لكنه بقي في الحكومة. وفي الواقع فإن صراع شارون ضد “لجنة كاهان” جرف معه حكومة بيغن الثانية، حيث انصب اهتمام شارون على التلميح بأن صدقية بيغن الشخصية ستتضرر في العالم، وستظهر مسؤوليته المباشرة عن غضّ الجيش الإسرائيلي نظره عن دخول الكتائب إلى مخيمي اللاجئين في بيروت، وذلك إذا ما تبنّت الحكومة توصيات “لجنة كاهان”. وبهدف تهديد الحكومة ومنعها من الموافقة على التوصيات، ضخّم شارون تداعيات قرارات اللجنة مدّعيًا أنها يمكن أن تُستخدم من أجل توجيه التهمة إلى إسرائيل، أي إلى حكومة بيغن، بـ”التورط في عملية قتل جماعي”.

تسيبوري “كان الشخص الوحيد في حكومة بيغن الثانية الذي أدرك أن وزير الدفاع شارون ضلّل الحكومة، وجرّهـا عن طريق الخداع إلى قاع المستنقع اللبناني”! 

(*) ثالثًا، قبل أكثر من عام ونصف عام من نشر محاضر الاجتماعات التي عقدتها الحكومة الإسرائيلية وتداولت خلالها بشأن تقرير “لجنة كاهان”، أدلى وزير الاتصال في حكومة بيغن الثانية التي شنّت الحرب على لبنان، مردخاي تسيبوري، وهو ضابط عسكري سابق رفيع المستوى تولى هذه الوزارة بعد أن شغل منصب نائب وزير الدفاع، بمقابلة مطوّلـة إلى صحيفة “معاريف” (8/6/2011) تركزت في قراءة وقائع تلك الحرب وما دار وراء كواليسها. ولفتت الصحيفة إلى أن العميد احتياط عزرائيل نفـو، الذي شغل منصب السكرتير العسكري لبيغن في إبان تلك الحرب، قال في مقابلة سابقة أجرتها معه إن تسيبوري “كان الشخص الوحيد في حكومة بيغن الثانية الذي أدرك أن وزير الدفاع شارون ضلّل الحكومة، وجرّهـا عن طريق الخداع إلى قاع المستنقع اللبناني”! وأضاف أن تسيبوري “لم يكف عن التحذير، وملأ الدُنيـا صراخًا وزعيقًا، لكن تم إسكاتـه وتهميشه”. وفيما يتعلق بمجزرة صبرا وشاتيـلا، كرّر تسيبوري في هذه المقابلة ما كان قد قاله لدى إدلائه بشهادته أمام “لجنة كاهان”، وفحواه أنه في صبيحة اليوم الذي ارتكبت فيه المجزرة تلقى من المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس” زئيف شيف (والذي اشترك لاحقًا مع محلل الشؤون العربية إيهود يعاري في تأليف كتاب حول الحرب على لبنان بعنوان “حرب التضليل”) معلومات مفادها أن “ثمة مجزرة تُقترف في صبرا وشاتيلا بعد أن سمحت إسرائيل للكتائب بالدخول إلى هذين المخيمين”، وقد سارع لنقلها إلى وزير الخارجية يتسحاق شامير، الذي كان من المقرّر أن يلتقي في ظهيرة ذلك اليوم نائب وزير الدفاع الأميركي موريس درايبر. ولدى سؤال شامير من جانب “لجنة كاهان” عما فعله إزاء هذا الموقف، ادعى أنه نقل تلك المعلومات إلى الجهات المختصة، لكن تبيّن للجنة أنه لم ينقلها، وقال تسيبوري إن شامير تحاشى نقلها بسبب خشيته من أن يتدخـل في شؤون العسكـر.

وبرأي تسيبوري لم يكن شامير الوحيد من بين زعماء إسرائيل في ذلك الوقت الذين تملكتهم الخشية من التدخّل في شؤون العسكـر، بمن في ذلك بيغن نفسه، الذي كان العسكر ولا سيما شارون “يتعاملون معه كما لو أنه مجرّد خرقـة”، على حدّ تعبيره، خلافًا للصورة المرسومة له في أذهان الإسرائيليين عمومًا، وبالتالي كان العسكر أشبه بالسيف المُصلـت على الساسة. وروى تسيبوري أيضًا أنه عرف قبل شنّ الحرب على لبنان بكثير أن لدى العسكـر مخططات ترمي إلى تغيير النظام السياسي في لبنان، وإلى القضاء على وجود منظمة التحرير الفلسطينية، وأنه حذّر بيغن من احتمال إقدام أصحاب تلك الخطط على تنفيذهـا من خلال الالتفاف على الحكومة، وأن هذا الأخير استدعى كلًا من رئيس هيئة الأركان العامة للجيش رفائيل إيتان، وقائد الفرقة 446 التابعة للمنطقة العسكرية الشمالية اللواء أفيغدور بن غال (يانوش)، لاستيضاح الأمر معهما، وقد نفى بن غال ذلك جملة وتفصيلًا، وعندما أصرّ تسيبوري على أن المعلومات التي في حيازتـه تستند إلى حقائق لا إلى مجرّد تكهنات، بادر بيغن إلى إخراسه قائلًا: “إن جنرالات إسرائيل لا يكذبـون”! وخلص تسيبوري إلى القول إنه بنظرة ثانية كانت الحرب على لبنان بمثابة أكبر إثبات على أن الجنرالات الإسرائيليين يكذبـون، وعلى أنه في حال عدم وقوف المؤسسة السياسية لهم بالمرصاد “يمكن أن يودوا بالجيش إلى التهلكـة”!

عن الضفة الثالثة-العربي الجديد

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً