حدّث عيّاد قال / نورة عبيد

+ = -
نورة عبيد
أقسم عيّاد لجمع من أصدقائه أنّ جدّه هو الذي حدّث باسمه للأحياء.
كان ذلك ذات مساء شتائيّ، عرفت فيه البلاد سيل الماء والرّمل في الوهاد الجافّة، سيل النّور والغسق على الرّبى القاحلة، حيث تعانقت الأشجار والرّياح. فدوّى بين فجوج الأغصان وحفيف تشابك منابتها صفير كالأنين ينبئ بالشّجن الرّهيب.
احتفل الكون بمولده. قلب والدته وسجف والده. أفاق جدّه معاوية من غفوته. ونادى في قلق ولده. وحدّثه بما رأى. إنّه يرى زوجته تنجب ولدا كامل الطّلعة محمود الختام. روى ذلك في صفاء صارم الجزم، صادق الرّؤيا، لم يتصبّب سهوا أو أملا. كان متأكّدا أنّه حين يحلم يعلم.
تطابق الحدث والحديث. وشبّ عيّاد على سيرة الأوّلين نبيّا وحيدا يشارك الجبال ترحالها الوضّاء. يهيم بين الفيافي وئيدا لا يتلف الخطى. عاريا كالتّراب من كلّ زيف، قاسيا كالرّعد يزمجر بلا انتهاء. مهلّلا كالعيد يصنع الفرح دون ضغناء.
وحيدا شبّ. فقد عائلته في إحدى غزوات رؤوس الحوب على ديارهم بمنابت غرستان. غربستان جرابه ومحرابه، منبته وفرقته.
ها قد منع عن غربستان رؤوس الحوب. فنعم أهلها برخاء الأمن. صدّ عنهم سهام الصّيّادين الرّاميّة أغنامهم وإبلهم. فطوّق منتجعهم بصفوف من الأشجار المثمرة والأزهار. ورمى ريحهم بعطر الورود والنّوّار. فجرت الحياة فيهم على مجاري وادي الأبابيل.
 أخلاط البراكين الغاضبة وساقيّة الدّم المتجلّط، أخمدها عيّاد. وهمى بها على المارقين والعاشقين.
شهد وادي الأبابيل نواح الثّكالى واليتامى واللاّمنتمين إذ يأتون في صحوة الفجر، لمّا وهن الحرّاس، وغفت عيونهم عن التّنقيب، يتستّرون بندى الأرض. فلا تسمع لأقدامهم من مجيء. فيتكوّرون على ضفّتي النّهر يرثون الفقد. ويهجون الغدر. ويناجون السّبيل.
كان عيّاد آنذاك غارقا في تمجيد عشقيّ لسيرته. غريب أدار من الطّين اللاّزب منحوتات لصورته تصدّرت المتاجر والمنابر وباب غربستان الوحيد.
جمّع الورّاقين والمغنّين والشّعراء والعلماء ليذكروا اسمه على درب الخلود الأثيل.
وزّع السّقاؤون الماء باسمه على السّائل والمجيب .ورتّل المؤيّدون حمده بغبن لا بدّ له من بديل.
وادي الأبابيل يفيض لعنة بجثث من سُفِكت دماؤهم وقُطِعت رقابهم تسيل على العماء. تسري في الأرض. فتحفر مغاور تخرج منها رؤوس حليقة بها أعين جاحظة دون رداء.
جيوش الهلع تسابق الخبر لعيّاد ودواعيه. فينظر في موج الدّمّ المتلاحق. فلا يقرّ له رأي سديد. يتمهّل فما من مجيب. يرسل ابتهالاته ليوم مولده العتيد. فلا حلم ولا عيد. منايا وادي الأبابيل تنتظر المزيد…
أطبق الهلع. فأهلك كلّ من في غربستان. تلطّخت الصّور بشظايا الحمم وغيم العيد. تبخّر الحمل بالوادي. ومرّت شمس حارقة أحرقت بقايا السّخط. فعمّ الخوف المديد.
أذاع شروق الشّمس خبر عيّاد على الأمصار. فبكت غربستان. وغرّدت. ونسجت ما جرى عبرة لمن يخشى انقلاب يوم العيد.
نورة عبيد/ كاتبة تونسيّة

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً