“نوار الشمس” لا يغيب… / شميسة غربي

+ = -

شميسة غربي 

 

تتعالى حناجر البراءة في الفناء الكبير، تُردِّدُ النشيد الجميل… تلْتهِبُ الحوَاسّ… النشيد بِلحْنِهِ المُمَيّز؛ يُحلّقُ بالصِّغار فوْق موْجِ التّحدّي الشديد لاِنْكِساراتِ الفِرَاق المؤقّت…

مدرستي حان الرّحيلُ وآن أنْ نفترقا

هيّا نُردّد يا زميل: إلى اللقا… إلى اللقا

يا معْهَداً أحببتُه على المدى، يا معهدي

وموْرِداً وردْتُهُ دُمْتَ لنا من موْرِدِ

إلى اللقا… إلى اللقا….

يُكرِّرُ الأطفال المقاطع؛ فتهْتزُّ السّاحَة، ويتجاوزُ الصّدى الأسْوار؛ مُعْلِناً طقْسَ الوَداع…

بعْضُ موَاسِمِ العُمْر تُغافِلُ سرْداب الذاكِرة، تتسلّلُ إلى الوجدان وقدْ وَشّحَتْها أناملُ الزّمن بشموع الحنين المتراقص على أهداب اللحظة الموعودة…

يُغَنّي الأطفالُ في تلاحُمٍ عجيب… منهمْ مَنْ تنْفلتُ دموعُه؛ فتنْسابُ على الخُدود وتنْحَتُ طريقها نحو مُسْتَقَرٍّ؛ دَثَّرَتْهُ المآزِرُ بِلوْنيْها؛ الورْدي للإناث والأزْرَق لِلذُّكور. منْهُمْ مَنْ يُغَنّي ويشدُّ على يد صديقه في الصّفّ؛ وكأنَّ اليدَ الصَّغيرة تزْرَعُ قوّة جديدة في القلب؛ فإذا بالدّموعِ تجفّ، وإذا بالوجْه الصغير يتلألأ…وإذا بالأحْلام السّعيدة البَعيدة؛ تحُوم فوق النّواصي البرِيئة، تتوهّجُ توهُّجَ النُّجُوم في الليالي الصّافية….

عند الِانتهاء من أداء النّشِيد؛ يتحلّقُ الأطفالُ حول مُعَلِّمَتِهِمْ، يُسارعون إلى احتضانها بقاماتهم الصغيرة، يُطوّقون خاصرتها الضامرة… تتكاثف الحَلقة والمُعلّمَة في الوَسَط؛ تنْحَنِي تارَة لِالتِقاط مَنْ كادَ يسْقط بفِعْلِ التزاحُم حوْلها…وتارة؛ تُمَرِّرُ أناملها على رأس مَنْ أجْهَشَ بالبكاء وهو يُطوّقُ بِذرَاعيْه الصّغيرتيْنِ خاصِرة المُعلّمة؛ لا يريدُ أن يتركَ مجالا للآخرين حتى يُعانِقوا مُعلّمَتهُمْ…. يتدافعون، يتسابقون، يتنافسون…. أصبح الجميعُ يُطوّقُ الجميعَ؛ في مشْهدٍ يَعْقِدُ اللسَان…!

“زُبَيْدة”؛ المُعَلّمة الودود، تقترحُ على البراعم التّوَجُّهَ إلى القاعة الكبيرة المُحَاذِية لمكتب المُدير. تتحرّرُ خاصرتها من الأذرع الصغيرة…. يدْخلُ الجَميع القاعة المَعْنِية؛ حيْثُ أعدَّ الطاقمُ الإداري حفلا بهيجاً على شرف أطفال المدرسة…. الفرح يغمر القلوب، المُهرّج يُضْفي على المكان لمساته السحرية، المُنَشِّطة تستعرض بقية برنامج الحفل… مسرحية ترفيهية، أناشيد جديدة، َمعْرِضٌ صغير في أحد أرْكان القاعة الفسيحة؛ للرسومات الطفولية،

ترحيبٌ ختامي بالدعوة إلى الالتفاف حول طاولة عريضة؛ زرْكَشَتْها أصْنافٌ منَ الحلوِيات والمُكَسّراتِ والمشروبات… مُصوِّرُ الحفل؛ يُلاحِقُ البراعم في تحرّكاتهم السّريعة، في ضحكاتهم البريئة، في نشوتهمْ وهم يتناولون الحلويات، ومنْهُم مَنْ يمْلأ جُيوبَهُ بِالمُكسّرات؛ ظنّاً منه أن أخاه الذي لم يدخل المدرسة بعْدُ؛ سينْتظرُ نصِيبَهُ منْ هذا الحفْل. المشاهد كثيرة عفوية؛ يلتقطها المُصوّر…. لا يفوته مشهد طفلة؛ تجري نحو معلّمتها الجالسة ضِمن منصة الطاقم التربوي… ترتمي في حضنها، تخنق العَبَراتُ صوْتَها، يَنْتَبهُ بقية الصِّغار إلى الطفلة، يهمّون بالصُّعود إلى المنصّة؛ غير أن المُنشّطة تتدخل؛ وتُعيدُهُم إلى حيث كانوا حول الطاولة العريضة وهم يُحدِّقون في اندهاش…. تقوم “زبيدة”؛ تأخذ الطفلة بِرِفْق إلى حيث بقية الأطفال، تجلس بجانبها وهيَ تُمْسِكُ بِيَدِها، ثمّ تُقدّمُ لها المشروب… تعود الطفلة إلى هدوئها، ترْبُتُ المُعلِّمة على كتِفِها، وتهمس في أذنها: ” أنا أيضا لا أقوى على فراقِكم… ولكنها العطلة… الفراقُ مُؤقّت يا “حكيمة”…”

شقوق تُناوِشُ سفينَة الحَياة….

تابعتْ “حكيمة” تصَفُّحَ مُلْصَقات الألبوم… استوْقفتْها صُوَرٌ بتواريخَ تعْني لها الكثير…. أشواطٌ من العمْر؛ انْسحبتْ في رَمْشة عيْن….! ستسْتحْضِرُها، ستعيشُها رُفْقة ليْل الشِّتاء الطوِيل… ها هي المعلّمة “زُبيدة” في إحدى الصُّوَر تُكرّم الأطفال الفائزين في مسابقة بين مدارس المدينة… وكانتْ الطفلة “حكيمة” من المُكرّمين في هذا الحَفْل… ها هي “زبيدة” تُقبِّلُ رَأسَ طفلٍ فلسطيني أبْدع في رَسْمِ لوْحة؛ تعْرِضُ أسلاك السُّجون وَقدْ أرِيقتْ عليها الألوان القانية، وعندما سألته المعَلمة عن التوضيح؛ اكتفى بالقول: “فقدتُ أعْمامِي في السُّجون هُناك….” صفّق الجميع، بكى الطفل…. مِنْ يوْمِها حرصتِ المُعلّمة على تجْهِيز مجموعة من الأعلام الفلسطينية؛ طوتْها بعناية ووضعتْها مع الأعْلامِ الوَطنية ومع بقية أغراضها في خزانتها الخاصة بقاعة الدّرس؛ استعداداً للمُسابَقات المُقبِلة…

تتجمّدُ يدُ “حكيمة” فجأة عند آخِرِ صُورَة للمعلّمة…. يرْتسِمُ المشْهد في ذاكِرَتها… يوْمَها؛ تحوّلَ هدوءُ غرْفتِها إلى عويلٍ لم تنجح الجُدران في تطويقه….تسْتحْضِرُ “حكيمة” حالات الهلع الشديد بين صفوف التلاميذ وهم يتلقّوْنَ فجأة؛ خبر وفاة مُعَلّمَتِهِم. لم يكنْ من السّهْلِ؛ تصْديق ما سمعوا…. لم يكنْ من السّهل دخول قاعة الدّرس دون “زُبَيْدَة”…. ظلّ طيْفها ماثِلا بين الصّفوف، ظل صوْتُها الرقيق يتسلّلُ بين الآذان، وَقْعُ خطواتها فوْق المصطبة، حركاتها، ابتساماتُها، لا شيء يُمْحى…. لقدْ تمَّ الفِرَاق… ولكن استعصى القَبول….! إنها في كل مكان…. حتى عند باب المدرسة وهي قادمة، كانوا يُسارعون إلى مُبادرتها بالتحية؛ فترُدُّ بإيماءة من رأسها وآياتُ الشكر تكسو وجهَها البشوش….

رِفْقاً بهؤلاء الصّغار؛ فكّر المدير في تغيير قاعة الدّرس بقاعة بديلة؛ تُساعد التلاميذ على تخطّي هذه النكسة… لكن هيهات لِمنْ حُفِرَ مكانُهُ في القلب؛ أن يتوارى عن القلب…!

شعُرَتْ “حكيمة” بِغُصّة؛ ضاق معها تنفُّسُها، وضعت الألبوم على صدرها ويدها المرتعشة تشُدُّه بصعوبة… استلقتْ على ظهرها وراحتْ تتأمّلُ السّقْفَ العالي وقد تدلّى منهُ مِصباحٌ جميلٌ في شكل ورَقةِ شجَرٍ كبيرة؛ تُحِيط بالورقة كُريات بِلّوْرِية متزاحمة؛ أضفتْ على مُحِيطِ السّقف لمْسَة خاصّة… حاوَلتْ أنْ تنْشغِلَ بِعَدِّ الكُرَيات…. فَلتَ الألبوم من يدها، سقط فوق السجاد الرمادي الصغير المفروش على جانب السرير، انحنتْ تأخذه ثمَّ وَضعتْهُ داخل دُرْج الطاولة الخشبية الصغيرة عند رأسها ريثما تنزل إلى المطبخ لتشرب كوب ماء… وهي تنتعل شبشبها؛ سمعتْ ضجيجا بالخارج، أزاحت قليلا الستائر إلى الجانب الأيسر من النافذة، سقطتْ عيناها على شابّيْن يجُرّانِ عربة كبيرة بجُهْدٍ جهيد… أحدهما أعرج؛ يمشي بصعوبة.. فجأة توقّفا عن الجرّ، العربة أصابها عُطلٌ… تحت فوانيس المكان حاول الشابان إصلاح العطب دون جدوى.

جلسا على الرصيف؛ ينظران إلى العربة ويتحدّثان، بينما زخات من المطر تتأهّب لِتُصبح وابلا؛ سيجعلهما يُغادران الرّصيف ويحْتميان تحْت جِدار مسْكن عائلة “حكيمة”. أمّا العربة فظلّتْ في مكانها بحمولتها الثقيلة، تتجمّع فوقها قطرات تتسارع وتكبر شيئا فشيئا؛ حتى تُشكّل لُجّة وسط الغطاء الخشن الذي يُغطّي الغلّة المُكدّسة داخل العربة… رقّ قلبُها وهي تُتابع المشهد من النافذة، المطر ينْهَمِر بِغَزَارَة ومن الممكن ألّا يتوقّف حتى حلول الصباح… قرّرتْ أن تخرج من غرْفتها وتُعَرّج على غرفة أخيها المُجاوِرَة؛ علّهُ يُقدِّمُ المُساعدة للشّابّيْن المُحْتَمِيَيْن بالجدار.

“مُعاذ”؛ شابٌّ يكبر أخته بأربع سنوات، مضى على تخرُّجِهِ من مدرسة الشرطة سِتِّ سنوَات. أحَبّ مِهْنتَهُ ومضى مُتفانياً في تأدية واجبه، فكان مضرب الأمثال بيْن زُملائه. أخلاق عالية: تقديسُه لرسالته الأمْنِية، صِدْقُهُ في تعامُلاتِه، ذكاؤه، بَديهتُه، مُرُونتُه، مَنطقهُ في الحياة… كلّهَا وفّرتْ له الاحترامَ الكبير في مُحيطه.

نزَلَ “مُعاذ” عند رَغْبة أختِه؛ بعْد أنْ عَاينَ الوَضْعَ من النَّافِذة ونصَحَها بأن تمْكث في الدّاخل. على صوتِ فتْح الباب الحديدي؛ ينْتفضُ الشّابّان؛ يبْتعِدان قليلاً وهما يتأسّفان… وَجَّهَ “معاذ” المصباح المحمول إلى وجْه الرّجُليْن ليرى بوُضوح…حدّق فيهما، سألهما عن اسميْهما، عن سبب تواجدهما في المكان في هذا الوقت المتأخر من الليْل… نظر إلى العربة، استفسر عن محتواها، وهو يُحقّق معهما؛ انْتابَهُ شعورٌ بأنّهُ يعْرِف الرّجُليْن… وهو يُدقّقُ النظر إليهما؛ فاجأهُ أحدُهُما مُنْدهِشا: “لا أُصدّقُ عيني… يا إلهي..!” وصَمَت…. تأكّد “مُعاذ” من شعوره….حدسهُ في محلّه… تطلّع إلى الوجه الثّاني؛ وما كاد يُمْعِنُ النّظر؛ حتى ارتمى عليْه الشاب الثاني وراح يُعانِقُه ويهمس في أذنه: ” مُعاذ”.. صديق طفولتي… “مُعاذ” مُنْقِذ أخي…!” بُهِتَ مُعاذ… هلْ توجد مثلُ هذه الصُّدف…! لِقاءٌ بِألفِ معْنى وَمَعْنى…

أطياف الأمس تعود….

حول المِدْفأة، قهْوة ساخنة، حديثٌ طويل، رَائحة الأمْس؛ تغْمُر المَكان… ذكرياتُ الصِّبا في الحيّ القديم، ذكريات الكَتاتيب، دخول المدرسة لأوّلِ مرّة، حَكايَا عنِ المُعلّماتِ والمُعَلِّمين، عنْ آخر رِحْلة مدْرَسية؛ تبرّعَتْ بها المؤسّسة لِصالح البراعم… كانَ اليومُ مُمْتِعا في تلك الغابة المُحيطة بالبلْدة؛ لوْلا الحادث الذي تعرّضَ له “رشيد”… رآه “مُعاذ” وهو يجْري وراء أرْنب جميل، بينما كان بعضُ الأطفالِ مُنْشغِلين بمُلاحَقة الفرَاشات وقد أغْرَتْهُمْ بألوانِها الزّاهِية؛ تبِعَهُ “مُعاذ” وهو ينْصحُهُ بالعودة، لكنّ المُشاكسَ الصّغير استمرّ في الرّكض حتى لمح الأرنب وهو يدخل في جُحْر… قفزَ لِيُمْسِكَهُ، فكانتِ السّقْطة التي تسبّبتْ له في عاهة مُسْتديمة؛ لمْ ينفعْ معها العلاج في مُسْتشفى البلْدة.

حاول “مُعاذ” أن يجُرّهُ وقد علقتْ رجله بين الأحجار؛ وما إنْ تمّ لهُ ما أرَاد؛ حتَّى أبْصرَ أفعى تقترِبُ من الجسَد الصّغير… تغلّبَ على خوفه؛ نزع معْطفه، رَماهُ فوق الأفْعَى، ثمّ التقط حجراً وهو يُراقبُ تحرّكاتِ الأفْعَى تحْت المِعْطف حتّى حدّدَ مَكانَها؛ فضربها بالحجرة الكبيرة ضربة أوْقفتْ تحرّكها… هرْول إلى “رشيد” المُغْمى عليه؛ يجرّهُ بيديْه الصغيرتيْن الباردتيْنِ إلى أنْ تمكّن مِنْ إبْعَادِهِ عنِ المَكان.

لمْ يلبثْ أحد المسؤولين عن تنْظيم الرّحلة؛ أن تفطّنَ إلى غياب الطفْليْن… سارع إلى إخبار البقية، فانْتشرُوا للبحْث…. في نِصْفِ ساعة؛ تمَّ العُثورُ عليْهِمَا فوق أرْضٍ مُجوّفَة؛ تضاريسُها مُعَقّدة.. حينَ عوتِبَ الصّغير “مُعَاذ”: ” لمَاذا لمْ تُسْرِعْ لتُخْبِرنا بسُقوط زَمِيلك رَشيد ؟” اكتفى الصبيُّ بالرّدّ: ” لوْ تركتُهُ، وأتيْتُ لإخْبَارِكُمْ؛ لَكانتِ الأفْعَى قدْ قتلتْه..!”

صمْتٌ قصير؛ قطعه هدير صوت القطار وهو يخْترِقُ البلدة… كانتْ “حكيمة” تُراقبُ العربة من نافذتها بين الفينة والأخرى، ثم تعود لتجلس على الأريكة البنفسجية وبين يديْها الدّفتر العزيز؛ الذي ملأتْهُ بجواهر الكلام…. نقلتْ على صفحاته الرّوائع ممّا قرأتْ، وعلّقتْ على الكثير من هذه الرّوَائع؛ تارة بالحروف، وتارة برسْمِ زهْرةٍ واحدةٍ تكرّرتْ تحْت كلِّ التعليقات؛ هي زهْرة “نوّار الشَّمْس”…

وِمنَ المَخْبوءِ ما صدَم….!

عندما دخلتْ كلية الزراعة تلبية لرغبة والدها؛ لم تكن تعتقد أنَّها ستنْجذِبُ نحْوَ هذا التّخصُّص… الجميعُ كان يعلمُ مدى عِشقِها الكبير للأدب وإدْمانها على حِفْظِ لَطائِفهِ؛ لكنّها فاجَأتْهُمْ وهي تتحصّلُ على أعلى الدّرجات في امتحاناتها عبر سنوات الدراسة التحضيرية التي تسْبقُ كتابة الأطرُوحة. استهواها البحث في عالم الأتربة والنباتات؛ وقرّرتْ أن تكون أطروحة تخرّجها: “زهرة نوار الشمس”. قضتْ أياما ولياليَ طويلة وهي تبْحَث وتدْرُسُ عوالمَ هذه الزَّهْرة؛ بلْ وجرّبتْ زِرَاعتَها في قِطعَةٍ أرْضِيةٍ صَغيرةٍ مُهْمَلة؛ بالقُرْبِ مِنْ بيْتِ العائلة. شيئاً فشيْئا؛ وبيْنمَا البحْثُ يتعمّق، وَالتُّرْبة تنْتعِش، تكتشف “حكيمة” أكياساً بلاستيكية كبيرة تحت الأرض؛ تحاول نبْشها، تُزيلُ المزيد من التراب، وتكتشف المزيد من

الأكياس….! تدعو أخاها “مُعاذ” للمُعايَنة…. الصّدْمة كبيرة أمام هذا الكمِّ الخيالي من المُخدّرَات ! تُباشِرُ الجِهَة المعْنِية تحْقيقاتِها؛ مع الأمْر بتسْييج الأرْض ومَنْعِ “حكيمة” من متابعة نشاطها مع نوار الشمس. مرِضَتِ الفتاة بسبب هذا المنْع…. ما ذنْبُ “نوّار الشمس” بلْ ما ذنْبُها هيَ في كلِّ هذا….؟! في النهاية أثبت التّحْقيق؛ أن المنزل والأرض تعود مِلكيتُهُما في الأصل؛ إلى أحد المُهاجرين، وأنّ هذا الأخير باعه لأحد أفراد عائلته؛ ثم ِبيعَ لِوَالدِ “حكيمة”. الأكيد في الأمر؛ أنّ البائع الأخير والمتواجد في السّجن منذ زمن؛ بِشُبْهَة المتاجرة في المخدّرات هو المُتّهَم الرّئيسي في هذه القضية، وذلك ما ستثْبِتُهُ المحكمة لاحقاً. تنهّدتْ “حكيمة” بِحُرْقة؛ وهي تتصفّحُ دفترها العزيز…. تتأمّل ما رَسَمتْهُ وما نَقلتْه وما كتبتْه بشأن زهرة “نوار الشمس” المحفورة في وجدانها، تقع عيناها على ما يُناسب اللحظة؛ فتقرأ: أرى آثارهمْ؛ فأذوب شوْقاً ***** وأسكب مِنْ تذكُّرِهِمْ دُموعي.

تُغْلق الدّفتر؛ وتقوم….

وهي تُطلُّ من النافذة؛ لفتَ انْتباهَها تواجُد شاحنة كبيرة الحجْم، نزل سائقُها وهو ينْظرُ يميناً وشِمالا… يبدو أنّ العربة قدْ سدّتْ عليه الطريق… أسرعتْ “حكيمة” تنادي أخاها… خرج “معاذ” والشابان؛ “أحمد” و”رشيد” ثلاثتهم؛ يتعاونون على إزاحة العربة، انضمّ إليْهِم السائق… بعد جُهْدٍ كبير؛ نجحوا في إخلاء الطريق.

كان المطرُ قدْ توقّف؛ ورغم ذلك رفض “مُعاذ” السّماح لِلأخويْنِ بالمُغادرة. أخبراهُ بأنّ عليْهِما الوُصول إلى سوق البلْدة قبل بُزوغ الفجْر؛ حتى يتمكّنا من حجْزِ مكانٍ يسمحُ لهما بعرْض الغَلّة عند مدْخَلِ السّوق. تفهّمَ “مُعاذ” الحال؛ واقترح عليْهما أنْ يعودا إليْه بعد الانتهاء من عملية البيع ومهما كان الوقت؛ لأنه في إجازة قصيرة.

خرائط الوَجَع تتّسِع….

عاش الشابان طفولة ممزّقة؛ في بيت زوج عمّةٍ؛ أنْهَكها المرَض وأقضّ مضجعها سلوك زوجها تّجاهها وتُّجاه الطفليْن اللذيْن فقدا وَالديْهِمَا في محنة زلزالٍ ضرب البلدة… كان الوالدُ إسكافياً يعمل طوال السنة تحت مظلة كبيرة؛ مربوطة إلى جذع شجرة؛ تَقِيهِ مطرَ الشتاء في موسم البرد، وتحْميه من حرارة شمْس الصّيْف… كفاحٌ مع الحياة، وسعادة حقيقية في بيْت بسيط؛ لمْ يلبثْ أن أصبح رُكاماً. غابتِ السّعادة بغياب الواَلديْن… انقطع الولدان عن الدراسة في مرحلة مُبكّرة، عمِلا منذ حداثة سِنَّيْهِمَا في شتّى المرَافِقِ والدّكاكين والمقاهي وتوْصِيل حاجيات سُكان الأحْياء المُجاوِرَة لمنزل زوْج العمّة…. وكان بيت العمّة بالنسبة إليْهما مُجرّدَ مأوى ليْلي؛ يحْتميان تحْت سقْفه، حتّى إذا طلع النّهار؛ خرَجا للبحْث عن ِرزْق يضمن قوت يوْمِهِما ذاك.

تطاولَ زوْجُ العمّة “صفية”؛ فرمى بأحدهما إلى السّجن بتُهْمة سرِقة مبْلغٍ مالي مُعتبر من البيت… بكى “أحمد”…. أقْسَمَ…. اسْتغاث بأصحاب الدّكاكين والمقاهي؛ ليشهدوا له بالأمانة؛ شهد الجميعُ بصدقه وحُسْن سيرته، ماعدا ذلك الصّهْر البائس… فقط؛ اسْتكْثر على الطّفْلَيْن نِعْمة الدِّفء بين أرْبعة جُدْران….! سنة كاملة في السّجْن يقضيها “أحمد” مع أصنافٍ من البشر؛ لمْ يُفْلِحْ خلالها في التّأقلم إلا مع القليل منهم…. بينما ظلّ “رشيد” وَحيداً؛ يجرُّ رجله ذات العاهة المُسْتديمة من شارع إلى آخر؛ بحْثا عن القوت…. اعتادَ على رُؤيته أصحاب الدّكاكين وغيرهم منَ البَاعةِ المُتجوّلين؛ الذين يعْرِضون سِلَعَهُمْ بِالطوَاف بيْن الأحْياء… علموا بقصة أخيه المرْمي في السّجن؛ حاوَلوا مُساعَدتَه؛ كُلٌّ بطريقته…

احتقن وجه “معاذ” وهو يتصوّرُ بُهْتانَ زوْج العمّة “صفية”… كان الوقتُ عصراً عندما عادا من السوق والعربة خفيفة فارغة، باعا كل الغلّة، عادا والبِشْرُ يُداعبُ وجْهَيْهما… استلطفا الجلسة مع رفيق الصّبا، وراحا يسْتحْضِرانِ بقية المشوار؛ ورائحة قهوة “حكيمة” تُنْعِش الرّوح وتغمر المكان…. سيَقْضِيَانِ الليلة في بيت “مُعاذ” تلبيةً لدعوته للعشاء واحتفاء باللقاء بعْد عديدِ السّنوات.

عندما خرج “أحمد” من السِّجْن؛ عاد إلى العمل لدى أصحاب الدّكاكين والمقاهي، سيكبر هو وأخوه مع الأيام… سينْضجان والسِّنين تتقدّمُ بهِمَا شيْئا فشيْئا…. في أحد المواسم؛ يُصادف “أحمد” فلاحاً قادِماً من إحدى القُرى القريبة؛ يُروِّجُ لِفوَاكِهِهِ عند صاحب دُكانِ خضْرَاوَات ويسألُ عنْ يدٍ عاملة، تشتغل معه في الحقل. يفهم “أحمد” من خلال حديث الفلاح عمّي “بشير”؛ أنّ أولادَه هاجروا إلى كندا منذ سنوات، بينما ظلّ هو وزوْجتُهُ؛ ُمنْشغِليْنِ بالحقل الصّغير، يَخْدُمانِهِ، ويعيشان ِمنْ خيْراته…. يتوسّط صاحبُ الدّكان لأحمدَ وأخيه ويُثْني على أمانةِ الشّابيْنِ ونقاوَة مَعْدنِهِما. قبِل الرّجل الطيّب بتشغيل الأخويْن، خاصة وأنّه بدأ يشعر بثقل السنين؛ يزْحفُ إلى صدْرِه ويسْتلُّ ما تبقّى من صِحتّه….

أخذهما إلى القرية، وأفرغ لهما ما يُشْبه الغُرْفة بجوار بيْته، كان المكان مليئاً بأغراض بالية؛ وآلات قديمة غطّاها الصّدأ، وخردوات سكنتها الحشرات والجرذان وتشكّلتْ فوقها طبقات من الغبارِ؛ طَمَسَ أنْواعَهَا وَألْوَانَهَا القِدَم…. نظّفا الشّبْه غُرْفة، رَمّمَا ما أمْكن ترْميمه، جلب لهُما عمّي “بشير” الأفرشة والأغْطية الصوفية – وما أكثرها عنده – فقد ترك أولاده كل شيء وراحوا بجوازات سفرهم فقط. أسعَفهمْ ببعض الأواني القديمة، أحْضَرَ مُتَخَصِّصاً يوصِلُ الكهرباء إلى المكان… دخل النّورُ القلوبَ والجدران….! وبدأ المشوار الجديد…. سيتعلّمان شيئا فشيئا، سينالان رِضَا عمّي “بشير” وستنْبتُ الأحْلامُ لتنْمُو مِثلمَا ينْمُو النّبَات…

سنوات التّراب…..

لأوّلِ مرّة؛ سيكْتشِفانِ عبقَ التّراب…. سيُحِبّان الأرْض، سيسْهَرَان على خِدْمَتِها، يتقدّم العمر بعمّي “بشير”… تتوالى نكساته الصّحية، لم يعد يخرج من البيت؛ إلا ساعات قليلة من النهار ثمّ لا يلبث أن يعود إلى فراشه، معتمداً عكازته؛ تُسْرع زوْجتُهُ الحاجّة “فاطمة” إلى مُساعدتِه؛ يغفو لبعض الوقت؛ ثمّ يصحو سائلا عن الشّابّيْن…. هل عادا من الحقل؟ هل عادا من البلدة؟ هلْ باعا المحصول؟ هلْ تمّ تقديم الطعام لهما؟ تولّى أحدُهما اصْطِحاب عمِّي “بشير” إلى الفحوصات الطبية المتكرّرة. أحسّ الرّجل الطيّب باقتراب ساعة الرّحيل…. لمْ يسْتَشِرْ سوى زوجته؛ ولمّا وَافقتْه الرّأي، نقل مِلكية الحقْل الصَّغير بِاسْمِ الشابّيْن، وظلّ الأمر طيّ الكتمان… لولا تحرّكات أحد أقارب زوجة العمّ “بشير”…. فبعد وفاة العمّ “بشير” مباشرة؛ بدأ هذا القريبُ يتدخّل في كل كبيرة وصغيرة… تارة يسْتفزُّ الشابّيْن بالتّعليق الجارح… تارة يُطالِبُهُما بالكشف عن عوائد المحصول؛ وكانا يتحاشيانه؛ نُزُولا عنْد رَغبة الحاجة “فاطمة”. هي تعرف َمكْرَ ابنِ أخيها؛ فقد طلب منها كذا مرّة؛ أن تمنحه وكالة التّصرف في الأرض وشؤونها؛ مُعَلِّلا طلبَهُ بكِبَرِ سِنِّها، وحاجَتِها إلى مَنْ يحْمِيها مِنَ الغُرباء…! مع مرور الأيام؛ اشتدّ إلحاحه على المرأة الأرملة، وتضاعفتْ مُضايقاتهُ للِشّابّيْن؛ بلْ وهجم ذات مرّة على “رشيد” الأعرج في غياب أخيه “أحمد”؛ فصرخت المرأة مُستغيثة بجيرانها… أسرعوا إليْها؛ تدخّلوا، أنقذوا “رشيد” من قبضة مُتوحِّش؛ يتطاير الشرر من عيْنيْه؛ وهو يتوعّد ويصيح: ” هؤلاء لصوص… سأكشفهمْ….” لحظات وحضر “أحمد” بعد أنْ جرى أحد سكان القرية وأخبره بالواقعة. بمُجرَّدِ أنْ رأتْهُ الحاجة “فاطمة”؛ هرَعتْ إليْهِ، أمْسكتْ بذراعِه وطلبتْ أنْ يصْبرَ حتى تعود… دخلتْ غرفتها، وبعد بُرْهة عادتْ وبين يديْها حافظة أوراق بلاستيكية علاها الغُبار. كان المرحوم قدْ حفر مربّعاً على الجدار وراء الخزانة العتيقة للملابس؛ وأخفى الحافظة في ذلك المُرَبّع؛ فظلّتْ مُعَلّقة، آمِنة بيْن الجِدار وظهْرِ الخِزانة….

سَلّمَتِ الحاجّة “فاطمة” الحافظة لأحمد وطلبتْ منْهُ أنْ يسْتخرِجَ ما بداخلها، ثمّ أمرَتْهُ أنْ يقرأ الأوْراق أمامَ الملأ…. صُعِقَ الجميع؛ وهمْ يسمعون ما مُلَخّصُهُ: وَثيقةُ بيْع الأرْض من طرف “بشير خلدون الزّناتي” إلى الأخويْن: “أحمد الهاشمي” و” رشيد الهاشمي”… ارتبك “أحمد” وهو يقرأ… غرق “رشيد” في سهْوِه… لا أحد منهما كان يعلم بهذا الأمر، كيف…؟ تفرّق المُتجمْهِرُون وتبَعْثرَتْ خطواتُ “بوعلام” وهو يُشكِّكُ في صِحّة الوَثائِق وسِهامُ الحِقد ترشُقُ الحاجّة “فاطمة” رَشْقاً …. !

صَنيعَةُ العمّ “بشير” باتتْ دَيْناً في رقبتيْ الأخويْن…. فكّرا في إعطاء أرباح المحاصيل كلّها للحاجّة “فاطمة”؛ غيْرَ أنّها رفضتْ واعتبرتْ ذلك مساساً برغبة المرحوم… كانتْ تُرَدِّدُ دائما: “يكفيني ما عندي ويكفيني أن أعيش مع رائحة التراب…” حاولا جُهْدَهُما السّهر على راحة هذه المرأة الطيّبة، كانا بارّيْنِ بها إلى أقصى حدّ… كانا يستشيرانها في كل صغيرة وكبيرة، أصبحا يُنادِيانِها “الأمُّ فاطمة”…. يتنافسان على رعايتها ويمْلآن فرَاغ الفقْدِ فيما تبقّى لها مِنْ رِحْلةِ الحياة….

عملٌ دؤوب، جهود كبيرة، أرْباحٌ مُعْتبَرَة؛ جعلتْهما يشتريانِ قطعة أرْضٍ إضافيةٍ بثمنٍ زهيد من سيّدة؛ ورثتْها عن أهلها، السيدة مستقرّة بالمدينة حيث وظيفتها؛ ولا شأن لها بعالَم الغرس والزّرع…. يُخصّصانِ القطعة الجديدة هذه المرّة؛ لنوعٍ من الأزْهار المطلوبة في المنطقة؛ باركت الأمّ “فاطمة” هذا المشروع ووقع الاختيار على زهْرة “نوّار الشّمْس”….

قاطع “مُعاذ” رفيقه “أحمد” وهو يسمع نوع الزهرة التي تُحبّها أخْته “حكيمة”؛ ” يا للمصادفة…! عندنا في البيت من هو شغوف بهذا النّوع…. في المرّة المُقْبلة؛ سَأجَهِّزُ أصيصاً وأمُرُّ عليْكما في المزْرعة؛ لنقْلِ هذهِ النّبْتة إلى جُنيْنة البيْت….” يبْتهِجُ الأخَوَانِ ويطلبان منه اصطحاب عائلته من أجل التّعرّف على الأمّ “فاطمة”، تلك السيدة الفاضلة….

الأمّ “فاطمة”؛ تستعدّ لِاسْتقبال ضيوفها…. تُجهِّز ما لذّ وطاب من الأكلات التقليدية، تهتمُّ بتنْظيِم المكان؛ أفرشة جديدة، ستائر جديدة، أواني جديدة، جلبتْها لها إحدى الجارات من السوق الأسبوعي؛ هي لم تُرِدْ أن ينشغل الأخوان بهذه التفاصيل؛ التي لا يُفْلحُ في فهْمِها سِوى النّساء. كان اليومُ مَاتِعاً…. الأمُّ “فاطمة”؛ بِوَجْهِها البَشوش، بسَخائِها الطبيعي، بِلِسانِها العذْب، احتلّتِ القلوب وأبْهَجتِ النّفوس… بعد الغذاء؛ توجّه الجميع صوبَ الطبيعة الفاتنة… العيون ترتوي، المشاعر تسْمو، السِّحْر الخالدُ للمكان؛ يعْقدُ اللسان….تكْتمِلُ الطّقوس بِتوَهُّجِ زهر “نوّار الشمس” على وَقْعِ نسيمٍ خفيف؛ حرَّك النّوار فبدا وكأنّه يُحَيّي الوافدين…

أشرق وجه “حكيمة” وهي تتأمل زهرتها الحبيبة… اقتربتْ، مَرّرَتْ أنامِلها على الأوْرَاق ورَقة ورَقة…. قبّلَتْ قلبَ الزّهرة…. همَستْ بِامْتنانٍ كبير: “نوّارُ الشمْس لا يغيب…”

في طريق العوْدة إلى البيْت؛ كانت الأحْلامُ تتسابقُ مع الهَواء، وكانت الأفئدة مُنْتَشِية بروعة الطبيعة وهي تغسل هموم النفوس؛ و”حكيمة” بِعَيْنيْها الجميلتيْن تتأمّلُ منظرَ قطرات المطر المُترَاقِصَة فوق زجاج نافذة السيارة. يُخيَّلُ إليْها أنّها تقرأ القطرات: الزّمنُ الجميلُ سيعودُ لا محالة….! شغّلَ أخُوها “مُعاذ” مِذياع سيارته؛ وإذا بِصوْت المُنْشِد ينْبعِث؛ فيهُزّ القلوب؛ ويسْري اللحن في الوجدان؛ وكلمات “أبو راتب” تُلْهِبُ الحماس…

للأحباب أغني… أغنية الأمجاد

للأحباب أغني… أبطالا أفذاذ

من هناك أتيْتُ إليْكم….

أحمل بين ضلوعي إليكم….

أشواقاً تزْداد….أشواقا تزْداد….

من عبق اليرْموك ومُؤتة

منْ أحفادِ صلاحِ الدّين….

من جيلٍ قدْ عشق الموتَ

لِيُطهِّر تُرْبَ فلسطين….

من شعبٍ ؛ لِلهِ انتفض

وجِراحُ النّكبَة تكْوِيه…

من قلبٍ؛ لِلأقْصى نبَض

حُبّاً ودِماءً ترْويه…

مِنْ طفلٍ؛ حمَلَ القرْآنَ

يُقاوِمُ جيْشاً بالحَجَر…

لا يخشى الموتَ… فَقَدْ آنَ؛

أنْ تنْهزِم جُموعُ التّتر….

مِنْ ثكْلى؛ تدْعو مَوْلاهَا

وتُنادِي وَامُعْتصِماه…!

وفتاةٍ؛ رَفعتْ يُمْناهَا

شارةَ نصْرٍ تتمنّــــــاه

مِنْ هُناكَ أتيْتُ إليْكم….

أحْملُ بيْن ضلوعي إليْكم….

أشوَاقا تزْداد… أشوَاقاً تزْداد….

للأحباب أغنّي… أغْنية الأمجاد….

يتوقّفُ النّشيد…. يتدخّلُ المُذيع؛ لِيُعْلِنَ عَنْ وقْتِ رَفْعِ أذانِ صَلاةِ المَغْرب؛ في العاصمة وما جاورها….

سيدي بلعباس/ الجزائر

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً