المقاومة الناعمة (ثورة الملح) / د. سامي محمد الأخرس

+ = -

د. سامي محمد الأخرسمناقشات وحوارات خضتها في الفترة الأخيرة مع مختلف المشارب الفكرية، والتي من خلالها يتم استطلاع آليات الوعي، وبرمجة التفكير التي تعتبر منطلقات أيديولوجية، يتبناها المؤمن بها والمحاور المؤطر والمؤدلج، فتكبر معه، ويكبر معها، ولا يحاول إيجاد مساحة وهامش في حيز الوعي الذي يمكن من خلاله تحرير جزء ولو بسيط لإفساح الحرية للإنطلاق في فكرة اللا أدلجة، ليجيب على العديد من التساؤلات التي يمكن من خلالها التأسيس على قاعدة صلبة ينطلق منها نحو المسوغات المتحررة من قيود الإنتماء.نحن في الحالة الفلسطينية يمكن اسقاط الكثير من المفاهيم العلمية التي تتناسب مع وجوديتنا، وفق التفكير العلمي لنظرية تطور الإنسان التي فسرت ماهية النوع، وماهية السلالة، وأن الإنسان نوع واحد ولكنه يتكون من سلالات متعددة،  واستطاعت التزاوج والتلاقح في مسيرة التطور، وعليه نحن بمكوننا الفلسطيني كنوعٍ واحد ( فلسطيني)، ولكن بسلالات ايديولوجية متنوعة(علماني، ماركسي، ديني) هذه السلالات التي لم تتلاقح بعد لإنتاج سلالة أيديولوجية واحدة، بل لا زالت تتفرع بسلالات أيديولوجية وعلى سبيل المثال الأيديولوجيا الماركسية التي تؤمن بالعنف الثوري أو ما يطلق عليه الكفاح المسلح أو المقاومة الشعبية ونقطة الإلتقاء (المقاومة)، والاختلاف مسلحة عنفية أم شعبية، وما ينطبق على الماركسيين ينطبق على الآخرين علمانيين ودينيين.من الأمثلة الحوارية الجدلية هي إيمانيات الرفاق وبعض العلمانيين في فكرة (المقاومة) أو تحديد مفهوم المقاومة وماهيتها، وأكثر سبلها نجاعة، وكل طرف يُسوّق لمعتقداته وتركيباته الإيمانية التي تأدلج عليها، لا يغير ولا يبدل، ويبدأ معركة الدفاع عنها، وفي كثير من الأحيان يقاتل ويدافع دون توافق مع جينياته الفلسطينية.وقبل الحديث عن جدلية المقاومة، وجدلية التجارب العالمية(الثورية) التي تعتبر الشاخص أو السد المتمترس خلفه كل طرف، وعلى وجه التحديد أنصار(ثورة الملح)، علينا أن نسأل أنفسنا هل طبيعة الاستعمار البريطاني الذي كان في أواخر عهدة الإمبراطورية يمكن اسقطاها على طبيعة الاحتلال الإحلالي الصهيوني؟ وهل يوجد شعب يخوض ثورة دون تضحيات؟ وهل المقاومة المسلحة هي القاذف الذي يفجر الذرائع للاحتلال؟ وهل جرائم الاحتلال يمكن التصدي لها بشكل واحد من أشكال المقاومة؟ وهل شعبنا يمكن أن يقتنع بشعار المقاومة الشعبية؟في البدء لا يمكن التنكر للتجارب الثورية العالمية، مهما كان شكل المقاومة التي انتهجتها لتحرير موطنها، ولا يمكن الحجر على إيمانيات وقناعات البعض لأنها نتاج أدلجة، وقناعات محددة وفق متجهات الوعي (من شاب على شيء يشيب عليه)، ولكن يمكن مناقشة هذه القناعات.نحن كفلسطينيين لا يمكن لنا دراسة احتلالنا بنفس الآلية والمنهجية التي تدرس بها الشعوب الأخرى تجاربها الثورية، فطبيعة ونوعية محتلنا لا تتطابق أو تتماثل مع الاستعمار البريطاني للهند أو نظام الأبرتهايد العنصري في جنوب أفريقيا، أو حتى الاستعمار الفرنسي للجزائر، أو الأمريكي لفيتنام، فنحن أمام نموذج خاص وفريد، شعب اقتلع من أرضه وشتت في اصقاع العالم وأحل شعب جديد تجمع من كل أصقاع العالم، وعليه فالمعركة هنا معركة لا تقبل أي شعار إلا شعار (أما نحن أما هم(  فمعركتنا وجودية مع ترك مساحة وهامش لمن توصل لقناعة بامكانيات الشراكة في الأرض، والإيمان بمرحلية التحرير، أو شكل الحلول سواء بما يتداول الدولة الديمقراطية أو الدولتين، ولكن كيف السبيل لذلك؟بعض الشيوعيين، وبعض العلمانيين يؤمنوا بأن العنف الثوري والعنف المسلح غير مجدِ في عملية النضال والتحرير، ولا زالوا بعد 74 عام من المذابح يؤمنوا أن النضال الشعبي هو السبيل، ولتأكيد هذه النظرية أو القناعة يستشهدوا ببعض التجارب النضالية ويحاولوا إسقاط بعض المسلكيات والإنحرافات على العملية النضالية برمتها، وكأنهم يريدوا المدينة الفاضلة النضالية، ويريدوا الوصول لخط النهاية عملًا بالمثل القائل(جودة السوق ولا جودة البضاعة)، وهذا ما دفعنا ثمنه أخر 29 عامًا بعد عام 1993.اطلاق فتوى المشاركة بالإنتخابات الصهيونية لفلسطينيو الداخل الفلسطيني كان أحد هذه الأشكال النضالية التي دعا لها البعض، والمشاركة بالحكومات الصهيونية (مقاومة شعبية)، وهي ضربة للوعي الفلسطيني المؤمن بفلسطين التاريخية، بل واعتراف ضمني وعلني بأحقيتهم في الأرض والشعب، وتحويل شعبنا هناك لأقلية أثنية تناضل من أجل حقوقها المجتمعية في كيان مقيم، وتخلي عن مفهوم فلسطين التاريخية، وعليه أصبحت نسب التجنيد بين صفوف شبابنا الفلسطيني بالداخل بأعداد كبيرة جدًا، وانكسر حاجز الرفض الفطري الذي كان قائم واستباحت الكثير من المحرمات الفلسطينية بالداخل الفلسطيني، والتبرير بخصوصية أهلنا في الداخل، جحا أدرى بلحم ثوره، ولكن ورغم ذلك فالكثير من أمثالنا التقليديين الذين لم يتماشوا مع التطورات العالمية والفكرية والسياسية فوق الأرض لا زلنا نقاتل ونحارب باستماته المؤمن بفلسطين التاريخية من أجل دحض مفهوم المقاومة الشعبية كأسلوب أوحد على مفهوم التحرير العام، رغم أن أقدم حزب فلسطيني الحزب الشيوعي الفلسطيني قد بلغ حوالي 98 عامًا منذ تأسيسه عام 1924 وهو ينادي بالمقاومة الشعبية، ولكنه على الأرض انحصر جماهيريًا وشعبيًا حتى في الرأي العام الداخلي لشعبنا في فلسطين التاريخية.في المناظرات الكلامية، والأيديولوجيا التنظيرية نملأ كتب ومجلدات من المنجزات السياسية والمجتمعية والنقابية …إلخ التي حققتها المقاومة الشعبية، ولكن على أرض الواقع نجد مجلدات من الهزائم والخذلان والأزمات والإنكسارات، وارتفاع نسبة تغول العدو أكثر فأكثر في الدم الفلسطيني، وفي التاريخ والجغرافيا الفلسطينية.إذن فالفكرة هي في إنتاج الوعي الفلسطيني الذي أصبح أكثر تقييدًا للمعركة، وتحجيمًا لأساليب المقاومة ونوعيتها، وحصر الأدوات والمفاهيم، وحسابات الربح والخسارة، رغم أننا لم نحقق منذ عام 1948 أي أرباح، بل نخسر نحن وتزيد أرباح عدونا، وندفع بالدماء لتجديد دورة حياة العدو.كلما نضجت أداة من أدوات المقاومة وأصبحت أكثر إيلامًا للعدو تظهر على سطح الوعي مقولة (لا يناسب المرحلة) وعدم جدوى هذه الأشكال، ولا بد من مواكبة التطور العالمي، ومفهوم الخطاب العالمي، فحقق العدو كل الأرباح، وحققنا نحن كل الخذلان، وبدأت تغزونا أفكار التسامح ورومانسية المقاتلين، فخطف الطائرات والعمليات الخارجية تزيد فهم العالم إننا إرهابيون، فتوقفت فهل غفر لنا العالم فلسطينيتنا؟ وأوقفنا قواعد العمل الاستشهادي لأنه لا يناسب مفاهيم التطور، فهل غفر لنا العالم تسامحنا ورومانسيتنا؟ ثم أوقفنا قواعد الإشتباك المباشر وتحولنا لأشبه بجيوش تقليدية تعتمد على المقذوفات العمياء، فهل غفر لنا العالم رومنسيتنا الناعمة؟مع استعراض كل هذه المفاصل والمراحل يتبقى لنا أن نسأل أنفسنا ماذا حققنا؟ وماذا علينا أن نفعل؟د. سامي محمد الأخرس

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً