الفنانة الفلسطينية ميرا صيداوي: فيلمي المقبل عن والدي وفلسطين إلهامي

+ = -

 تتميز الفنانة الفلسطينية ميرا صيداوي بتخزينها لنبع من الأفكار تستدعيها تباعاً، فتصنع منها فيلماً أو مسرحية معبّرة وبسيطة. أن تصوّر ميرا فيلما في المخيم وعنه، فهو ليس فناً لأجل المتعة البصرية فقط. إنه توصيف للحالة الفلسطينية الفريدة في مخيمات اللاجئين في لبنان، حيث يعيش الآلاف وبكاد يصلهم نور الشمس. وبالكاد يتاح لأحدهم الحصول على فيزا لزيارة بلد عربي شقيق.

«الجدار» جديدها السينمائي يخبر المتلقين كم هو مغلق هذا المخيم، ولا حقوق إنسانية أو فنية أو ثقافية له. ولو تمكنوا لمنعوا الحُلم عن ناسه. لكنّ الحلُم حطّم القيود وانطلق ليحطّ لدى شباب مخيم برج البراجنة. تحقق بدعوة الفنان البريطاني روودجرز ووتر وفريقه لإحياء حفل في المخيم، وقد لبى الدعوة وأفرح القلوب، وكُسرت الصورة النمطية عن المخيم.
مع ميرا صيداوي التي ترى في فلسطينيتها «نعمة» هذا الحوار:
○ما هي الأصداء التي تركها فيلم «الجدار» بعد عرضه في لبنان وفلسطين؟
•في لبنان اقتصر عرض الفيلم على مهرجان نادي لكل الناس، لكنه شارك في مهرجانات دولية. ونظمنا عرضاً خاصاً لممثلي الفيلم في مخيم شاتيلا. المستغرب أن الفيلم ومنذ بدايات عرضه يطرح سؤالاً وخاصة في الخارج، مفاده أنك كلاجئ ليس بالضرورة أن تعرف بينك فلويد؟ وهل يُعقل أن يعرف شباب المخيمات فريق بينك فلويد وروودجرز ووتر؟
○هذا ما لمسته كمخرجة خلال عرض الفيلم في المهرجانات؟
•نعم، استغراب وتساؤل محسوس بوضوح بدون أن نسمعه.
○ولماذا برأيك حصد الفيلم إعجاباً رغم وجود الأسئلة غير المشروعة؟
•إنها الفكرة. الفكرة التي تقول بأن هؤلاء الشباب يحبون بينك فلويد، وهم يرغبون بتصوير فيلم وإرساله إلى روودجرز ووتر. الفكرة إيجابية، فهؤلاء الناس مؤمنون بأن الاستمرار في الحياة يعني المقاومة والعمل المتواصل. وفعل المقاومة التي يؤمن بها هؤلاء الشباب بسيط ولا يضرّ بأحد. إنه فعل حقيقي.
○كيف خطر لك هذا «الجدار»؟
•همّي الدائم إيجاد الفكرة القوية والجديدة، والتي من شأنها أن تحمل الفيلم على منكبيها. الفكرة القوية هي التي تُسمع، والتي تحقق نجاحاً، ويهتم بها الآخر ويتواصل معها. احساسي دائم بأن لا وقت كثيرا ليضيع على جبهات الفن، ومسؤوليتنا كبيرة. وإن لم يحمل الفن الذي ننتجه فكرة قوية فلن يصل. الفكرة إذاً أن هؤلاء الشباب يرغبون بقدوم فرقة بينك فلويد لإحياء حفل «في مخيمنا». وهكذا «ولعت» تلك الفكرة في داخلي، وضربت على وتري الحساس المتأهّب لتكسير الجدران. وقد تساءلت ما الذي يمنع روودجرز ووتر من زيارة المخيم؟ أن يسمع شباب المخيم بينك فلويد فهذا يعني أنهم يتواصلون مع آخرين ربما في إيطاليا، أو ألمانيا أو غيرها من بلدان العالم؟ أن يسمع هؤلاء الشباب أينما كانوا الموسيقى نفسها فهذا يعني أنّ همومهم مشتركة. من هنا جاءت الفكرة، خاصة وأن لرروودجرز ووتر فيلم «الجدار» أو «The Wool». والجدار الذي حكت عنه فرقة بينك فلويد يشبه الجدار الذي تناولته في فيلمي، إنما المقاربة مختلفة. جدار فرقة بينك فلويد يحكي كيف تحول ناس هذا العصر إلى مجتمع صناعي، ومُدُني. وبات مجتمع عبيد لأنه فقد علاقته مع ذاته. لقد استبعدنا الاستهلاك. في فيلم الجدار سعى رووجرز ووتر لنسف هذا الجدار الذي حوّل الإنسان إلى مستهلك.
○هل تحددين الاختلاف بين جدار المخيم وذاك الذي تعنيه فرقة بينك فلويد؟
•إنه النظام أينما كان. ومن أوجد الجدار أوجد المخيم. إنه النظام الذي يمنع الفلسطيني من السفر كونه يحمل وثيقة وليس جواز سفر. الصراع كبير والبقاء برأي هو لمن يملك فكرة أقوى. وهذا ما يؤسس لنتيجة تراكمية مستقبلاً. حاول الشباب في المخيم إنجاز فيلم بقدرات بسيطة للغاية، والهدف أن تصل للعالم رسالة مفادها: نعم نحن في المخيم. أنتم من أراد لنا ذلك. أنتم من أردتمونا لاجئين، إنما لدينا ما نقوله. نحن لدينا انتماء كبير لإنسانيتنا وذاتنا. لسنا نفهم لماذا نُمنع من السفر؟ لماذا نُمنع حتى من الحلم؟ لماذا نُمنع من تحقيق ظروف حياة نريدها؟ هذه الأسئلة تترد دائماً لدى الشباب في المخيمات. وكنت بدوري أسألها وما زلت. فهل نحن محكومون للاحتلال الذي سلبنا وطننا، ومحكومون أيضاً للأنظمة ونحن لاجئين خارج هذا الوطن؟ الحق الطبيعي من هواء وشمس ممنوع على الفلسطيني في المخيم. هل يمكن أن يتخيل إنسان أن المخيم خال من الشجر؟ وأن عصفوراً صغيراً لم يسبق له أن زقزق فوقه؟ هذا عدا عن فرص العمل غير المتاحة للفلسطيني. كل هذا بنى في داخل هؤلاء الناس جدراناً لا تُعد ولا تُحصى. والجدار يُشعر بالعجز. وفي هذا الفيلم قرر الشباب كسره.
○هل يعبّر الجدار فعلاً عن واقع اللاجئ الفلسطيني؟
•في الجدار كانت لدي رغبة بتحطيم العديد من الجدران منها جدار التصنيف المحيط باللاجئ الفلسطيني. أسعدني أن شباب المخيم عبّروا عن أنفسهم بحرية. جرّبوا الحُلُم، ومن خلاله ايصال رسالة لجميع الناس بأننا بشر مثلكم. وإننا ندين الأنظمة التي تحاصرنا وتحد من حريتنا وخاصة العربية منها. نحن الشعب الوحيد على هذه الأرض ممنوع من السفر سواء للدراسة، أو السياحة أو حتى الاستشفاء. إسقاط جدار التصنيف من الأولويات بالنسبة للاجئ الفلسطيني.
○تكتبين وتخرجين أفلاماً وفلسطين هي البوصلة التي تحركك. كم بت أقوى في طرح قضية وطنك المحتل؟
•كلما كبرت سنة تترسخ عندي المشاعر التي تقول بإني فلسطين ولا فرق بيننا. ماذا تعني فلسطين؟ الجواب أنها أمر جميل دون حدود. مسألة ما ورائية أو غيبية. مسألة لها صلة بالعدالة والحرية والحق. وفي هذا النظام العالمي الكبير الذي يحكمنا كبشر نحن جميعنا فلسطينيون. ففلسطين تقاوم أكبر نظام رأسمالي امبريالي موجود على الكرة الأرضية حتى الآن، وهو مجسّد بإسرائيل والصهيونية الاحلالية. أحاول خلق شبابيك من خلال الفن الذي أقدمه. فالفن جمال، وللجمال قدرة على التغيير. ومن شأنه أن يخلق مقاومة داخلية لدينا. وتالياً البحث عن الحلول والشفاء. مع هؤلاء الشباب في فيلم الجدار، وكذلك في المسرح الذي قدمته كنت دائمة البحث عن نبض. وان أشعر بأني احكي حكايات الآخر والتي هي حكايتي. قوة الحكاية تجعلها تنتصر، وتشكّل نوعاً من شفاء. فلسطين هي إلهامي ودافعي للسير في درب الشفاء الطويل.
○رغم كل الأجواء المحيطة والمحبِطة ألا تتعبين؟
•كما كل الناس ربنا يمدني بالطاقة. أعمل في الفن واُشعر نفسي بأني أتسلّى وأحب وأقدر ما أقوم به. هذه المشاعر تُبعد عن عملي طيف الهموم. وكلما أكون بصدد عمل فني فإني أستمتع جداً كما حصل في فيلم الجدار. استمتعت بهذا الفيلم، وكنت حاملاً حين صورته. وشعرت بأني أقول شيئاً ما. ولست أنا من قال أو يقول ذلك، فالكلام ينساب وكذلك الأفكار.
○عندما بدأت تصوير الجدار هل كنت تحملين ورقاً كسيناريو؟
•لا. كنت برفقة الشباب في مخيم شاتيلا بصدد عمل ما. قلت لهم سوف آتي بفريق بينك فلويد إلى المخيم. استغربوا. راحت الفكرة تلح وتكبر، ووجدت من يدعم فكرتي ويعكسها، فاستوعبتها أكثر. اكتشفت أن فكرتي ليست جنوناً. بدأنا العمل والتمارين مع الشباب في منزلي. تزامنت تلك اللقاءات مع إعلان ترامب القدس عاصمة للدولة الصهيونية. ولدى هذا الإعلان ساد الصمت وحلّ الاكتئاب.
○وهل تسلّم ووتر نسخة من فيلم «الجدار»؟
•بذلنا جهداً في هذا السبيل وكتبنا رسالة له ولكن…
○هل قلت كل ما رغبت بقوله في الجدار؟
•نعم. والآن بت في مكان آخر وأرغب بقول ما يضحكني. أفضل السخرية من خلال الفن، فهي برأي أقوى الأسلحة. وهذه السخرية اكتسبتها مع الوقت. فمن شدة الألم الذي عاشه الشعب الفلسطيني تحولت السخرية لديه إلى لغة. على سبيل المثال فإن حسن الذي ظهر في الفيلم، يمتلك مقهى صغيرا داخل المخيم، وقد زيّنه بجملة تقول: مصيرك تكبري وتصيري ستار باكس. حسن ساخر ويتمتع بروح إيجابية يحاول نقلها للمحيطين به.
○هل ترين في السخرية والضحك رسالة تصل سريعاً خاصة في العروض العالمية؟
•ليس من عروض داخلية وأخرى خارجية، العالم أصبح واحداً. السينما التي تعبّر عن بيئتها بصدق ومن قلب المخيم ستصل دون شك للناس أينما كانوا. المطلوب لغة تصل للجميع.
○وماذا عن تمويل سينما في المخيمات؟
•كان حلمي إنشاء شركة إنتاج تسمّى سينما المخيم. لم يتحقق الحلم، ولم يتبدد وقد يحوّل في اتجاه آخر.
○كيف استقبل الجمهور الفرنسي «مخيم ع أربع دواليب» في مهرجان سينما فلسطين؟
•أفرحني هذا الجمهور بمدى مشاركته وإصغائه، رغم الصدمة الأولى التي شكّلها سؤال أين سيكون قبري؟ فكرة صادمة في بداية الفيلم. كذلك أفرحتني جائزة لجنة التحكيم. تفاعل الجمهور مع الفيلم، وفهم خصوصية الفكرة حيث موت الفلسطيني في مخيمات اللجوء يطرح سؤالاً؟ موته لا يشبه موت الآخرين.
○وهل وجد فيلم «الجدار» الترحيب نفسه؟
•الحمدلله، وقد نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان الأرض السينمائي في إيطاليا. وكنت سعيدة جداً بجائزة مهرجان القدس السينمائي.
○ماذا عن فيلم «سيارتي ليست للبيع» الذي لم أشاهده؟
•هو فيلم قصير ومن أولى تجاربي في الإخراج السينمائي. بالنسبة لي سيارتي تشبه فلسطين، أعيش فيها، فهي وطني. بيعها يساوي بيعاً للوطن.
○تعبرين عن إيمانك بالسخرية والضحك كسلاح. هل الضحك ممكن بعد موت أحمد بصعقة كهرباء في المخيم مثلاً؟
•كنّا نجلس في المخيم حين جاء أحد أصدقائنا ليخبرنا بوفاة أحمد بصعقة من أشرطة الكهرباء المدّلاة في المخيم، وكان يضحك. كان يضحك مصدوماً. تماماً كما مسرحية أيوبة التي تبدأ بالحمدلله. أزور عمتي في المخيم وأسمعها تحمد الله رغم انعدام الشمس والكهرباء إلى جانب المياه المالحة، وطبخة المجدرة اليومية. ومع هذا تنام وتسيقظ وهي تحمد الله. إنه تعبير يمنح القوة.
○هل تشتاقين لأيوبة؟
•أشتاق للمسرح وأحب أن يراني ابني على الخشبة. يحتاج المسرح للطاقة والقوة. وإن سمحت الظروف ربما نكون مع أيوبة2.
○وهل عوض عوض مستعد؟
•ناقشنا الموضوع أكثر من مرّة. وأيوبة 2 ستعود إلى فلسطين.
○هل تحصلين على دعم إنتاجي لأعمالك الفنية؟
•مشكورة آفاق حيث نلت منهم دعماً صغيراً لفيلم الجدار. كذلك دعماً محدوداً من كندا. والفيلم المقبل من إنتاجي وحدي.
○وماذا عن جديدك هذا؟
•في هذه المرحلة من حياتي أطرح أسئلة كثيرة لها علاقة بوالدي. لا أعرف والدي كثيراً لكني أبحث لأتعرّف إليه. إنه فيلم وثائقي.
○ورواية «قل للنوم أن ينام» متى ستبصر النور؟
•تحتاج الرواية للوقت والتركيز، وأنا أم لطفلين افضل أن أكون معهما في هذه المرحلة من العمر. مصير تلك الرواية أن تنتهي وتُطبع وتُنشر. حلم طفولتي أن أكون كاتبة، ولن أفرّط به.

زهرة مرعي

بيروت ـ «القدس العربي»

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً