سرقوكَ يا مَسْروق / عبد يونس لافي

+ = -

عبد يونس لافي

 

ما وَلَدَتْ هَمْدانِيَّةٌ مثلَ مَسْروق!

هكذا قالها أبو السَّفَرِ سعيدٌ بنُ يُحْمَدَ الهمْدانِيِّ

 

سَرَقوكَ صَغيرًا يا مَسْروقُ إذْ سَرَقوك،

لكِنَّهُم أحْسَنوا الصنيعَ حينَ رَدّوك.

لقد كنتَ في مَكانٍ لم يكنْ أبدًا مكانَك،

ثم أحْسَنَ الأجْدَعُ (عبدُ الرحمنِ) أبوكَ اخْتِيارًا،

فكانت المدينةُ المكان.

رُبّيتَ فيها وتعلَّمْتَ أيُّها الإمامُ الربانيُّ التابِعِيُّ المُخَضْرَمُ،

يا اليَمانيُّ سليلَ هَمْدانَ أصلًا،

ويا العراقِيُّ موطِنًا ومَقَرًّا.

ماذا اقولُ فيكَ، وانا الذي تفصِلُني عنك المئاتُ المئاتُ من السنينَ،

غيرَ الذي عنك قرأتُ،

لكنَّكَ حيٌّ تعيش معي، مِثالًا يُحْتَذى أنّى مشيت.

نعم يا مُلهِمي،

وما فَتِئْتَ تُرافِقُني في مكانٍ لم تَطَأْهُ قدمُكَ،

لكنْ أحاطَتْ بما هو أبعدُ منهُ، روحُك.

أخَذْتَ عن كِبارِ الصحابةِ وصغارِهِمْ،

ثم أخَذَ عنك كبارُ التابعين.

يا أحَبَّ وَلَدِ عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ،

حيثُ خاطَبَتْكَ يومًا كذلك.

 

كنتَ الثِّقَةَ في مقدِّمةِ الثِقاتِ،

وأمينًا بينَ الأُمَناءِ على ما سَمِعوا فنَقَلوا.

وما كان أحَدٌ أصدقَ من أبي السَّفَرِ،

سعيدٍ بنِ يُحْمَدَ الهمْدانِيِّ، إذ قال:

(ما ولدتْ هَمْدانيَّةٌ مثلَ مسروق)!

لقد كان حقًّا ذاك الذي قال ابو السَّفَر. واذا كنتَ ابنَ أختٍ لعمرو بن مَعْدي كَرِب الزبيدي،

صاحبِ السيفِ الصَّمْصامَةِ، الصحابيِّ الفارس،

فانَّكَ يا مسروقُ، لم تأْلُ جٌهدًا في القادسيةِ،

تقارعُ جيشَ فارِس.

 

شُلَّتْ يَدُكَ وانتَ تقاتلُ دون ان تَهِنَ،

وفقدتَ عبدَ اللهِ وأبا بكرٍ والمنتشرَ،

إخوانَك دونَ ان تحزَنَ،

وكيف تحزنُ وانتَ يا سيدي، لا شكَّ،

من (الأعْلَوْن). يا لَكَ من رجلٍ تسيرُ في صِفّينَ،

نائِيًا بنفسِكَ ان تكونَ للنارِ حَطَبًا،

فتنبري حكيمًا، أدركَ دُنْيَوِيَّةَ المواقفِ،

لِتصْرَخَ في القوم:

“أرَأَيْتُم لو هبَطَ الاۤنَ بينكم مَلَكٌ فأسمَعَكُم:

(ولا تقتُلوا أنفسَكُم إنَّ اللهَ كانَ بكم رحيما)!

أفَلا كان ذلك سدًّا بينكُم، يصدُّكُم،

فتَضَعوا سلاحَكُم وتحفَظوا دماءَكُم؟”

قالوا: بلى، قلتَ:

” تَاللهِ لقد جاء بها مَلَكٌ فأبلغَها نبيَّكُم فأبْلَغَكُم وهو الأمينُ،

وما كان ذلك ببعيد،

وإنها واللهِ هِيَ هِيَ الاۤنَ تخاطبُكُم وتصدَعُ في آذانِكُم،

نافِذٌ حُكمُها، بالِغٌ وقعُها، اَفَلا تَرْعَوون؟” جُزيتَ خيرًا يا سيِّدي،

بلَّغْتَ فكنتَ الناصِحَ، شَهِدَتْ لك السماء.

قلتَ فكانَ في قولِكَ حكمةً،

ونظرْتَ فكان في نظرِكَ بعدٌ،

ولو أنهم أطاعوك، ما كُنّا على ما نحن اليومَ عليه.

تسكُنُ الكوفةَ مُفْتِيًا يا إمامُ، دونَ ان تأْخذَ أجرًا،

وانت لا تَنْفَكُّ تردِّدُ:

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ).

ثم تقولُ: لَأِنْ أُفْتي يومًا بِعدْلٍ وحقٍّ، أحبُّ إلَيَّ من أن أغزُوَ سنةً،

وتلك هي معاني الفُتْيا الرشيدة ايُّها الرشيد،

فأين المُفْتون؟

وتغيبُ عن أهلِكَ يا مسروقُ سنتينِ،

عامِلًا في السلسلةِ، على دجلةَ بواسطِ العراق،

وتعودُ ولا شيئَ معكَ إلاّ فأسًا دونَ عودٍ، وجَدَهُ اهلُكَ في خُرْجِكَ،

وحين عاتبوكَ أَن لَمْ يَجِدوا شيئًا إلاّ تلك الفأسَ،

وكانوا ينتظرون كما ينتظرُ الآخرونَ فَتُجيب:

إنَّها – اي الفأسُ – للهِ اسْتَعَرْناها، نَسينا نَرُدُّها!

تلك لَعَمْري قِمَّةُ النقاءِ،

يا من سَرَقْتَ قلوبَ الباحثين، على مرِّ السنينَ،

وإن كنتَ المسروق. كُنتَ يا سيِّدي عابِدًا، من طِرازٍ خاصٍّ،

هو طِرازُ نبيٍّكَ سيّدِ الأوَّلينَ والاۤخرين.

تَسْتَغْرِقُ في العبادةِ حتى تنالَ من قَدَمَيْك.

فتقولُ زوجَتُكَ قَمَيرُ بنتُ عمرو-

وقَميرُ هذه راوِيةٌ منَ راوياتِ الحديثِ الثِقات:

كان مسروقٌ يُصَلّي حتى تتورَّمَ قَدَماهُ،

فربما جَلَسْتُ خَلْفَهُ أبكي ممّا أراهُ يصنعُ بنفسِه!

للهِ درُّكِ يا سيّدَتي تبكينَ تعاطُفًا،

ولكنَّك تُحَلّقينَ فَهْمًا؛

فأيُّ امْرَاَةٍ انتِ؟

تراكَ ابْنَتُكَ عائشةُ التي أسْمَيْتَها كذلك،

حُبًّا بِاُمِّكَ الاولى عائشةَ،

فتقولُ لك:

يا أبتاهُ أَفْطِرْ، فَتَسْألُها: ما أردْتِ بي يا بُنَيَّةُ؟

أرَدْتُ الرفقَ تجيبُكَ عائشة،

فيأتي رَدُّكَ صاعِقًا:

يا بُنَيَّةُ إنما طلبْتُ الرفقَ لِنفسي،

في يومٍ كان مقدارُهُ خمسينَ ألفِ سنة!!

 

يا الله بنتٌ ترفِقُ بِأَبيها، وأبوها يرفِقُ بنفسِهِ،

والمقصودُ بالرفقِ واحدٌ،

لكنَّ الرفقَ مختلفٌ زَمانًا ومكانًا وطبيعة.

سلامٌ عليك يا مَسْروقُ،

سلامُ عليك أيها السيِّدُ السيِّد

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً