السيّدة مادونا ولازمة ob la de ob la da */ ابرهيم موعد

+ = -
ابرهيم موعد
كان لي بسطة خضار في السوق . وكنت غالباً أحصّل مالاً مقبولاً ، أدخّر قسماً منه ، لأشتري خاتماً للفتاة التي سيرّف قلبي لها
ذات يوم ، قصدت وبعض زملائي ألمدينة لمشاهدة فرقة إستعراض تجيد ألعاب السيرك والرقص والغناء . وكان على رأس ألفرقة ، إمرأة فاتنة تدعى مولي التي لم تكن ويا للمفاجأة ، سوى ألفتاة مريم التي هفا قلبي إليها ذات زمن . لكنها خذلتني وفضّلت عليّ زميلاً لها في معمل لتوضيب ألفاكهة . بيد أن زواجها كان كابوساً ، إذ ذاقت على يد زوجها ألأمرّين ، حيث كان يشلّحها راتبها ،  ويضربها كل يوم تقريباً . فإضطّرت أخيراً ، الى إلإستنجاد بأصحاب ألمروءة الذين دفعوه الى تطليقها ، ومن ثم نفيه من ألحيّ . كان ذلك سانحة لي للتودد إليها من جديد . وكنت كلما قصدتْ بسطة خضاري ، أنتهز ألفرصة ، فأبثّها لواعج قلبي ، عازفاً على وتر وضعها ألمزري ، حيث كانت ترزح في فقر مدقع حتى قبل طردها من ألمعمل . كنت أقول لها : لا تحسبي يا مريم أني أجهل وضعك ألبائس . فأطفالك على الدوام ، يرتمون تحت قدميك فاغرين أفواههم كالأرانب . وأني لأعجب كيف يتسنى لك إطعامهم ورضيعك لدى عودتك من العمل ، لا يفارق حلمة ثديك قط . لا تتوقّعي شيئاً يا عزيزتي من أكبر أطفالك ، رغم أنه بات يجيد ربط شريط حذائه . وأني لأعجب أيضاً ، كيف تتدبّرين ألمال لدفع إيجار شقتك ، أللهم إلّا إذا كانت السماء تغرقك مالاً . وأعلم أيضاً ، أنك تودّين الرحيل الى مكان لا يعرفك فيه أحد . لكن ليلة ألجمعة تحلّ عليك ، وما من حقيبة سفر . في حين يجثم صباح ألأحد على صدرك كراهبة تصارع الندم . ويبدو أنه حين يسيطر عليك الاحباط ، تستلقين في السرير ، حيث ألأغاني ألهابطة تدغدغ خيالك ببلادة لا تُوصف . والغريب ، أنك تقضين بعد ظهيرة يوم الثلاثاء الذي لا ينتهي أبداً ، وأنت تحلمين بمال مجهول ألمصدر يهبط عليك ، ربما في صبيحة الاربعاء الذي يأتي عادة ، بالخواء . وألأسوأ ، اضطّرارك ليلة الخميس الى رتق جواربك ألبالية . فلمَ كل هذا التعالي عليّ بعدم الزواج مني ؟
كانت مريم تكتفي بإبتسامة باهتة ، وتقول لي بصوت خجول بأنها ستدفع ثمن مشترياتها فيما بعد . وكنت أجيبها : لا أريد منك فلساً واحداً . اريد يدك ، فقط .
زاد الطين بلة أن مريم طُردت من عملها ، فأحزنني ذلك وقررت مساعدتها . دسست في جيبي بعض ألمال وقصدت شقتها . أخبرتني مالكة الشقة أنها غادرت منذ يومين ، ولها في ذمّتها إيجار أربعة شهور .
إنقضت السنون من دون أن أعرف عن مريم شيئاً ، الى أن ظهرت أمامي ألآن ، بإسم مولي ، وعلى شكل مغنّية وراقصة . وظهر أن جسمها ألفاتن يؤمّن ألإقبال على حفلاتها . ولهيامي بها ، واظبت كل مساء تقريباً ، على حضور عروضها . وفي إحدى ألليالي ، خاطبتها بلهفة : أحب وجهك يا فتاة . فردّت عليّ : وأنا أيضاً . ثم مدّت يدها لي وأصعدتني الى ألمسرح ، وتلوّيتُ معها ، رقصاً وغناءً . وأذهلني أنها أدّت أغنية بالانكليزية لم أفقه منها سوى لازمتها : ob la de ob la da . وفي ألأثناء سألتها عن أحوالها ، فأجابت بأنها تخّلت عن أطفالها لزوجها السابق ، ثم أسعفها ألحظّ بمتعّهد حفلات صنع منها نجمة إستعراض .
سألتها : هل تتزوجينني يا مولي ؟ فأجابت ساخرة : من هذه ألحمقاء التي تربط مصيرها ببائع خضار ؟ الغريب أن إهانتها لي زادتني إصراراً على الظفر بها . وفي صبيحة أليوم التالي ، قصدت محلّاً للصاغة ، واشتريت خاتماً عيار عشرين قيراطاً . وحالما أهديتها إيّاه ، سرّت كثيراً ، وشرعت في ألغناء . ثم أحيّت الفرقة حفل زفافنا مجّاناً . فرقصنا وغنيّنا حتى مطلع ألفجر . وبأقل من عام صار لي طفل كنت إستثار جداً حينما كانت ترضعه . وباشرت من فوري ، بصنع طفلنا الثاني . فصار لنا في غضون عامين ، طفلان يركضان في فناء البيت . وما أن يفعا قليلاً ، أمدّاني بالعون .
بقيت مولي تتبرّج كل مساء وتواصل حفلها الى ما بعد منتصف ألليل . بالمقابل ، عفت عملي  ومكثت في البيت أعتني بطفلي الثالث الرضيع . وحدث يوماً ،  أني تململت من وجهي ، فأسرفت في تهذيب شاربي وحاجبيّ ، فكادا أن يختفيا تماماً . لم أعر ألأمر إهتماماً كثيراً ، فيكفي أن مولي كانت ما تزال تحبّني ، وتغدق عليّ ألمال .
عادت مولي الى ألبيت قبيل ألفجر ، وهالها ما فعلت بوجهي . فقرّعتني كثيراً ، واتهمتّني بالجنون . لكن لم يخطر ببالي أنها تبيّت أمراً . إستغلّت إنتقال ألفرقة الى مدينة أخرى ، وهربت بألأطفال  . إمتعضّت كثيراً ، وجاهدت بإقناع نفسي بأن هكذا هي ألحياة .
عدت الى عملي السابق ، ووجدتني أخلط بين مناداتي على الباذنجان وتردادي لازمة : ob la de ob la da .
ابرهيم موعد / شباط 2021
كاتب فلسطيني
 عن أغنيتين شهيرتين لفريق البيتلز البريطاني : Lady Madonna / Ob la de Ob la da

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً