حين تكون المُتفرج…/ د.سناء أبو شرار

+ = -

د.سناء أبو شرارنريد دائما أن نكون أبطال الموقفوأحياناً كثيرة لابد أن نكون متفرجينخصوصاً حين يكتظ الموقفبالأبطال وأشباه الأبطالربما هي غريزة وربما هي فطرة وربما هي كبر في النفس، أن يرغب الإنسان أن يكون دائماً البطل في المواقف وإن لم يكن البطل أن يكون مشارك في كل الأحداث ويرد على جميع الكلمات ويتحرى حول جميع الأفكار والمشاعر، فهو في حالة استنفار دائم لكل ما يدور حوله، وفي خضم هذه المهمة الصعبة والتي تستنفذ طاقته النفسية والفكرية، ينسى ما يفكر به حقاً، بل وتتلاشى مشاعره الحقيقة أمام هذا الموج العالي من المشاركة الدائمة، من الترصد اليومي، من التواصل مع كل فرد ومع كل موقف ومع كل دقيقة في الوجود كأنه يخشى أن تفر منه الحياة.ولكننا ورغم هذه الرغبة المُلحة بأن نكون مع الآخرين وأن نكون جزء من عالمهم، وأن نكون محرك لجميع آلات الحياة، نصل لمرحلة ما من الإحباط وندرك أننا رغم كل هذه المشاركة ورغم كل هذا السعي المحموم لنكون أصحاب المواقف والمسيطرين على الأحداث والمحركين للدوافع والرغبات، نقف أحياناً أمام فراغ عميق وتواجهنا حقيقة الحياة وهو أن هذا السلوك ليس من أسباب الراحة ولا ينبع عن الحكمة، ورغم هذا الفراغ نعود من جديد وفي كل صباح لنمارس نفس السلوك بنفس التفكير وبنفس الإلحاح لأننا نعتقد وبكل قوة أننا لابد أن نكون مشاركين وليس متفرجين.وهنا يخسر الإنسان متعة فائقة الروعة بأن يكون مجرد متفرج، وكونك مجرد متفرج يعني أنك انسحبت من حيز الطرف الاخر، يعني أنك تواضعت أمام الأحداث ولم تعد ترى نفسك شريك أو مُحرك، يعني أنك ترى وبوضوح أكثر ما يدور حولك وتفهم أكثر دوافع غيرك وتدرك أكثر انه هناك من هو أكثر ذكاءاً منك، هناك من هو أكثر جدارة منك.كونك متفرج لا يعني أنك سلبياً ولكنه يعني أنك تمنح حيز أكبر لمن حولك، حتى وإن أخطأوا، أنك تعترف بأنه هناك شركاء آخرين في الساحة، وأنه هناك عالم يتحرك بك وبدنوك.والأجمل في هذا الانسحاب هو تأمل الحياة عبر البشر الذين يعيشون بها، هناك تأمل في الأشجار وفي السماء وفي الطبيعة ككل، وهناك تأمل عميق في الذات البشرية ولا يمكن أن يحصل هذا التأمل دون أن تكون المتفرج الصامت الذي لا يُعلق ولا يتنقد ولا يُبدي برأيه ولا يتدخل، فقط يراقب الأحداث ويسمع الكلمات، لأنه يريد أن يتأمل الحياة عبر سلوك البشر دون أن يكون معهم بنفس المركب، كأنه يجلس على مقهى صغير يقع بالقرب من شاطئ بعيد لا صوت به سوى صوت الأمواج وصوت البحارة وصيادي السمك وهم يتحدثون حول مشاكلهم، يُصلحون شباكهم، يستعدون للإبحار، منهم من يعود بصيدٍ كثير ومنهم من لا يعود، منهم من يبدو حزيناً ومنهم من يبدو سعيداً، لكل منهم قصة ومنطق ومشكلة، وأنت تجلس تشرب فنجان القهوة الدافئ، تستمتع بنبض الحياة دون أن تشارك بها؛  وكل منا بحاجة لأن يكون ذلك المتفرج ولو لساعة في كل يوم، أن يتوقف عن التفاعل مع ما حوله، أن يُعطي تلك الاستراحة المسالمة لروحه وقلبه وعقله وان ينسحب من الساحة التي تضج بالأصوات ليذهب إلى عالمه الصامت والدفين ويكتفي بالتفرج ويفرح لأنه لا يزال على قيد الحياة.

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً