“خبيلي ياها يابا” / اسماء العمري

+ = -
اسماء العمري
عندما كنت في الخامسة، وقفتُ على سور سطح منزلنا مثبّتةً يدي بشمعةٍ إسمنتيّة، أتحرى أقدام المترجلين من تحت باص قريتنا، أنا أعرف أقدام أبي عندما تستريح على الأرض؛ فإذا رأيتهما أمتلىء بالحماس ثم تنقشع الحافلة ليبدو جسده الخلّاب مؤكداً صدق نيشاني.
يبعدُ بيتنا عن ذلك الموقف حوالي ثلاثمئة متر، كانت تبدو لي ثلاثين فقط، ناديتُ بكل قوّتي: “يابا جبتلي اللعبة؟”، نظر نحوي يلتقطُ ما استطاع من النداء وأشار لي بالنزول، ثم هز لي رأسه أن “نعم؛ قد أحضرتها”، قفزتُ من مكاني وهبطتُ الدرج بلمح البصر، واصلتُ الركض لباب الحاكورة أُلاقيه، فشبكت قدمي بماسورة مياهٍ تفصل بين حاكورتنا وحاكورة الجيران وانكفأتُ على وجهي، تسرب البرد لجبيني وأحسستُ بماءٍ غزيرٍ غامر، مسحته بأطراف أصابعي؛ كان أحمراً فأسبلتُ عينيّ، لا أتذكر شيئاً بعد تلك اللحظة إلا لوحاتٍ متداخلة، أحدهم يغسلني تحت صنبور متدفق؛ يمسح وجهي مرّة ويكبس الجرح مرّة، وجه أختي أمامة يحضرُ كلما عادتني الذكرى خائفاً ويُسعفني، صوتُ أمي يرددُ “أسماء، أسماء”، يحفني الباقون ولكنّي نصف غائبة وثلثُ مستيقظة وفيما ظلّ مصغيّةٌ لهرجٍ غير مفهوم.
صحوتُ بعد زمن تلفُ رأسي عُصبة بينما أغفو على فرشةٍ في الغرفة الفوقى؛ مكانُ أبي المحبب في أيام الصيف والمجهّز بكل ما يجعلُه لائقاً بقربه من السماء واستيلائه على معظم حصص الهواء المتسربة للدار.
واجهتني شفاهُه العريضة تفتعل ابتسامةً تُطمئنني ويميلُ برأسه نحو كتفي كأنه ينبهني لشيء يقاسمني الغطاء، نظرتُ بصعوبة فوجدتها، كما طلبتها بالضبط؛ دمية مكتنزة وشعر بلون الكستناء.
بعد أيامٍ قليلة، اصطحبتها لتحت واحدةٍ من الزيتونات أعلمها الحروف وتفتح عيونها العسلية كرمال عيوني فإذا أرحتها غفت بسلام.
جاء والدي يعقد يديه خلف ظهره ويمشي باتزانٍ بين الأشجار، عندما رآني ابتهج: “إنت هون؟”، جلس قربي يطالع الأفق ثم مدّ جسده على التراب وشبك كفيه تحت رأسه، اقتربتُ منه، سحبتُ ذراعه وقلت: “نام ع رجلي، هسا بوجّعك التراب”، رفع رأسه وأراحهُ عندي وتفرّج في زرقة الأعالي حتى صار يراوغهُ النعاس، نهض بسرعةٍ كي لا تسحبهُ قيلولةٍ تطول وقادني للمنزل وهو يضحك كيف أنه حقاً كاد ينام.
نسيتُ اللعبة تماماً ولم أتذكرها إلاّ في صبيحة اليوم التالي، تفقدتُ المكان فلم أعثر عليها ومات الأمل من عودتها على الإطلاق، تركتْ فراغاً شاسعاً أكثر من الحضور الذي صنعتْهُ في عدّة أيام.
في الخامسة والثلاثين، أتدلى بنظري من تحت الحافلات كلما مررن في مواقف الذاكرة فأميزُ قدماك عندما تستريحان على الأرض ويبقى وجهك سامقاً عليّ، أتسلق الأسوار وأتعمشق بشمعةٍ إسمنتية، أطالعُ الفضاء فلا تبدو ولا تهبط، تستمر بإنزال أرجلك الباصات كلما بكيتُ، فأتحسسُ جبيني بندبةٍ على شكل مثلث مقلوب ترافقني إلى الآن، وأصلّي أن لا يوجعك التراب وأرجو أنك وجدت لعبتي هناك؛ “خبيلي ياها يابا”.
فيس بوك

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً