أحواض الشوك / شميسة غربي

+ = -
شميسة غربي

كانت مُنهمِكة في تنظيف الرواق الطويل بين مكاتبِ العَمل؛ حين اعْترتْها قشْعرِيرة، تلاها دوارٌ شديد؛ جعلها تضعُ رَأْسَها بيْن يديْهَا المُرْتجِفتيْن ورائحة موادّ التنظيف تغْمُر أنفها… قاومتْ، لجأتْ إلى الجدار القريب تُحاولُ الاستناد عليه، جلستْ على الأرض المُبَلَّلَة بالمياه؛ بعد أنِ انفلتَ الدّلْوُ من يدها وراح يتدحْرجُ على عتبةِ السُّلّم المؤدّي إلى الطابق السُّفْلي.

خرج أحد الموظّفين بالصدفة من مكتبه؛ قاصِداً مصلحة الاستشارة القانونية في أمرٍ ما، وجدها غائبة عن وَعْيِها، غارِقة في عرَقِها….جرى هُنا وهنَاك… حضَر الإسْعاف، نُقِلتِ الشّابّة إلى قسْم الاِسْتعْجالات… “سُعادُ”، ابْنةُ العشرين وجدتْ نفسَها فجأة؛ هي المسؤولة عن رعاية أسرة بكاملها… تُوُفّيَ وَاِلدُها “لْعوفي” منذ سنة ونصف تقريباً، كان يشتغل حسب المواسم… أحياناً يبيعُ الشاي في الحدائق والمنتزهات والساحات العمومية، وأحياناً أخرى يشتغل حمّالا بين المطحنة والمخابز، يحمل أكياس الدّقيق إلى الشاحنة؛ ثم يقفز ويجلس فوق الأكياس بجانب رفيقه الذي كان يتقاسم معه العِتالة. يراهما السائق وقدِ استقرّا داخل الشاحنة مع الأكياس؛ يرمي ما تبقّى من السيجارة، يُودِّعُ جليسه صاحب المطحنة؛ ثم تنطلق الشاحنة، تطوف بكبريات المخابز في المدينة… يُنْزِلان الأكياس في المخازن، يأخذان أجرهما الضئيل… مع تقدُّمِ العمْر ووَجَعِ إحْدى كِلْيَتيْه؛ تأذّى ظهْرُ “لْعوْفي”، كتَمَ ألمَه؛ إلى أنْ سقط يوْماً ولمْ يُغادرِ المُسْتشفى العُمومي حتّى فارَق الحَياة…

ذرفتْ “سُعادُ” الدّموع السِّحاح وهي تتأمّلُ الجسد المُسَجّى في غرفة مستشفى البسطاء…تيقّنتْ لحْظتَها أنها ستدفن كلّ أحلامها في قبر والِدِها…. أصبحت الدراسة مستحيلة…غدا جلْب الأدوية للأمّ المريضة صعْباً… مع مرور الأيام؛ سيتناقص اهتمام الأعمام والأخوال بأحوال هذه العائلة البائسة… فكلّهم محتاجون، كادحون، ولا سبيل إلى تحْمِيلِهم هُمومَ غيْرهمْ….. صاحب المسكن يُطالِبُ بأجرة كذا شهر….يُردِّدُ على مسامع الفتاة في كلّ حين: “صبِرنا… صبِرْنا…!”

في الوقت الذي تختار “سُعَادُ” شُغْلَ التنظيف في إحدى المؤسّسات؛ توْفيراً للعيش الكريم، تدْخلُ شقيقتُها الوُسْطى “نورة” سوق الرذيلة؛ مُتأسّيَةً بإحدى صديقاتها رغم الاختلاف الكبير بين ظروف الفتاتيْن….

لِلزّنابِق…. مُسْتنْقعَات…

الغريب؛ أنّ هذه الصّديقة الجديدة؛ لم تكنْ بحاجة إلى المال… العائلة غنية، أمْلاكٌ وأرْصِدة بنكية.. الفتاة تمْلِكُ كل شيْء، إلّا… العِفّة….! التقتْ بـ: “نورة” عند مدخل متْجرٍ يبيع الفساتين العصرية. كانتْ “نورة” المسكينة تُبحْلِقُ بحُرْقة في الواجهة المُزْدانة بِأزْهَى الألوان الصيفية؛ حين خرجتْ “سهام” فجأة بأكياسٍ عديدة من المُقتنيَات تشْغَلُ يديْها الاثنتَيْنِ… وقتها رنَّ هاتفها، امتدّتْ أصابعها الرّقيقة داخل حقيبتها الصغيرة المعلّقة على كتفها لتلتقط الهاتف؛ تبعْثرت الأكياس بين الباب اللولبي والخارج… جرتْ “نورة” تجمع الشّتات بينما “سهام” تُتابِعُ مُكالَمَتَها في أرْيَحية تامّة…. كانت تلك بداية العلاقة بين الفتاتيْن….سيتطوّرُ تعارُفُهُما شيئا فشيئا إلى حدّ الصداقة الوطيدة… “سهام” الفتاة الجريئة، المرحة، تعيش حياتها كما يحلو لها… كان كلُّ همّها فساتين وحقائب الموضة، مساحيق الوجه، حفلات الميلاد، حياتها صخبٌ وَلَهْوٌ وتمرُّدٌ على كلّ الأعراف….

لم يكنْ من الصّعْبِ اسْتدراجُ “نورة” إلى العالم الجديد؛ وهي البائسة، المقهورة، المحطّمة… يؤلمها منظر أختها وهي تدقُّ الأبواب بحثاً عن عمل؛ لتجد نفسها في النهاية؛ مُنظفة مكاتب… يقهرها منْظرُ أخوَيْها “فريد” و”عمر” وهما ينتظران راتب “سُعاد” الضئيل؛ علّهُما يحصلان على حذاء جديد، أوْ بدْلة رياضية مثل أقرانهما في المدرسة.. يعُدّان أيام الشهر يوما يوْما، ويُسجّلان ما يُريدان على قُصاصات يضعانها على أحد رفوف المطبخ حتى تراها أختهما في كل وقت…عقلية البراءة حين يسكنها همُّ الغد…! وكثيراً ما كان يشطبان بعض المطالب؛ شفقة مِنْهُما على هذه الشقيقة الكادحة. ووَعْياً منهما بضرورة تسديد إيجار البيت؛ قدْ يدّعِيان عدم الرغبة في تناول الحلوى والفواكه، وقد يتنازلان عن شرب الحليب؛ فيدّعيان أنهما يَعافانِه، وأنَّهما يُفضّلان أوراق النّعْناع المُغَلّى… كلُّ هذه الحسابات من تدبير عقلين صغيرين؛ تذوّقا الألمَ العَضوض؛ فكتماهُ إلا ألماً واحداً، لمْ يستطيعا تجاوزه: سلوك أختهما “نورة”…. سلوك مفاجئ؛ فهِمَاهُ منْ كثرَة غيابها عن البيْت واستمرار شجارها مع “سعاد” حين تنهاها هذه الأخيرة… فترُدُّ “نورة” بفلسفة التّبْرير؛ إنَّهُ: يعُزُّ عليْها هذا الحرمان الذي يعيشه الولدان، حاولتْ أن تأتيهما بكلّ ما لذّ وطاب…أغرقتهما بالثياب الجديدة، بالألعاب، بلوحات الاطفال الإلكترونية، وكلّ ما ظنّتْهُ يمنحهما السعادة الطفولية…. لكن هيهات… عقولٌ يقِظة ورُجولة مُتوثِّبة في أجْسادٍ صغيرة….

على جناح الذاكرة….

تحكي نُفورَهُما لصديقتها “سهام”، تردُّ هذه الأخيرة بابتسامة بلهاء؛ وتدَعُها تحْكي وتشْكو؛ ثمَّ لا تسمعُ شيْئاً نِهائياً… تطير بها الذاكرة إلى الأمْس البعيد… تتلاحق المشاهد القديمة تستفزُّ عقلها وقلبها، تضع أصابعها في أذنيْها وكأنّها تهرب من ضجيجٍ يثقب رأسها….تنتبه “نورة” إلى حركة صديقتها؛ فتصْمُتُ ثمّ تنْصرِفُ في هدوء وفي اعتقادها أنّ “سهام” انزَعَجتْ من الشكوى المُتكرّرة…. فلطالَما تجاذبا الحديث حول امتعاض الطفليْن من المُقْتنيات… ولم تكن “سهام”  تُعير الأمرَ اهتماماً كبيراً؛ تكتفي بتعْليقٍ أو تعْليقيْن؛ ثم تنشغل بهاتفها الذي لا يتوقّف عنِ الرّنين…. صورة مظلمة تخترق ذاكرة الفتاة… ينقبض صدرها، تتهاوى على الأريكة البنفسجية؛ تشْعُرُ بِحُرْقة في حَلقِها، تنْظرُ إلى الطاولة حيْثُ اعتادتْ الِاسْتنْجادَ بأدْوِيتِها.. أوْ قُلْ مُهَدِّئاتِها….

كان “عَزُّوزْ” والد “سهام” مِزْواجاً مِطْلاقاً….لمْ يكْفِهِ تعدّد الزّوْجات؛ فعدّدَ العشيقات… كان كثير السفر إلى بلدان أوروبا، يعْقد الصّفقات التجارية المُتعلّقة بِقِطع الغيار… امْتلك بَرِيق الثرْوَة، وفَقدَ نعِيم الاسْتقرار…. طالَبَهُ أغلب أوْلاده الذكور؛ بالدّعم اللازم من أجل الهجرة إلى أوروبا، حقّق آمالَهُمْ وترَكهُم لِمَصائرِهِمْ؛ يُقرِّرُونَها بعِيداً عنْه. عاشت “سهام” بعد طلاق والدتها مع عمّتيْها في المنزل الكبير بعد أن تنازلتْ والدتها عن حقّ حضانتها، حتى تضمن عيش الرخاء للفتاة…. ولمْ تكنْ تسأل عنها إلا لماما… كانت تربيتها صعبة، أتْعَبَتْ عمّتيْها منذ الصغر، حادّة المزاج، مِلْحاحة، كثيرة الشغب، متسلّطة على بقية إخوتها الصّغار من أبيها، تفتكُّ ألعابَهمْ، تفتعل المشاكل معهم؛ وقد تضْرِبُهم، فتغضب أمّهاتهمْ، وتتدخّلُ العمّتان بلباقة، فيهْدأ الجوّ ولو إلى حين.

تكبر الفتاة وتكبر معها حريتها…. فالأبُ “عزُّوز” في غيابٍ مُتلاحق عن البيت؛ حتى إذا ما صادف وحضر إلى البيْت لمدّةِ أسبوعٍ أوْ أقَلّ؛ تضْبط “سهام” أمورها وتأخذ كلّ احتياطاتها عند خروجها أو عودتها، بحجة ممارسة الرياضة تارة، وتعَلُّم الخياطة تارة أخرى، وقد تدّعي المرض؛ فتستأذن للذهاب إلى الفحص، وهكذا…. كان الوالد ُمنْشغِلاً بتِجارَته، وَبِفوْضَى علاقاته، وكانت الفتاةُ كَلاًّ على عمّتيْها…. تخْشيانِ تبليغَهُ بِمَا يجْري أثناء غيابه، فتصمُتانِ على مضض.

تجترُّها الذاكرة إلى لحْظة الحسْم…. يوم صادفها والدُها ثَمِلة، تتأبّطُ ذراع شابٍّ في وقتٍ متأخِّر من الليل…كان “عزُّوز” عائداً من بيت أحد أصدقائه الذي دعاه لحضور حفل زفاف صُغْرى بناته، خرج مُبْتهِجا من الحفل؛ وهو يُفكِّر في اليوم الذي سيحتفل فيه هو أيضاً بزفاف ابنته، كان يُحدّثُ نفسه والأمَاني العِذاب ترتسم من حواليْه…. تخيّلها بفستانها الأبيض والناس تُبارك خطوتها…. تخيّل الحفْل الكبير الذي سيُقيمُه لها…. تخيّل أفْخر السيارات التي سيُهْديها لها…. تخيّل الأحفاد وهم يتدلّلون عليه… صحيح؛ كان له أحفاد من أبنائه الذكور المهاجرين إلى أوروبا؛ لكنّهُ لم يكنْ يعرف عن أغلبِهِمْ سوى الاسم….بلْ قد لا يسمع بقدوم حفيد جديد؛ إلا بعد وقت طويل… هُمْ مُنْشغِلون بِدُنْياهم ومشارِيعهم، وهو مُنْشغِلٌ عنْهم بحياته الخاصّة وبِتضْخِيم الثّرْوَة.

تبَخّرَ الخيالُ فجْأة… بكتِ الضُّلوع على الأماني الموْؤودة… شعُرَ بسوادٍ يُغلّفُ عيْنيْه، تسارعتْ دقّاتُ قلبه، احتقنتْ أوْداجه، وهو يفرك عيْنيْه ليتأكّد من المنظر المُريع من زجاج سيارته… نزل وقد تحوّل إلى بركان… الفتاة تتمايل بلباسها الفاضح، بينما يحمل ُمرَافقها حقيبتها ويُحاوِلُ إيصالهَا إلى محطة سيارات الأجرة في آخر الشارع… هجم “عزّوز” على الفتاة، ضربها، رفسها، ترنّحتْ على الأرض، جرى رفيقُها هارباً… دهَستْه درّاجَة نارية؛ هشّمتْ ساقيْه، في حين ارْتطم صاحبُ الدّرّاجَة بحافة الرّصيف وغاب عن وعْيِه…. قِلّة ِمنَ المارّة في هذا الوقت المُتأخّر مِنَ الليل؛ تتحلّق حول المُصابيْنِ؛ الشاب وصاحب الدّرّاجة، يتكلّف أحد المتحلّقين بتبْليغ الشرْطة ويتكلفُ آخر ِبتبْليغ الإسْعاف…. أمّا “سهام” فقد حملها والدها في سيارته ودمها ينزف…. أوْصلها إلى البيْت، رماها فوق السّرِير في غُرْفتها، نادى عمّتيْها…. وَ… قامتِ القيامة….!! أَمرَ بحبْسها…. أخذ هاتفها…. أمر بطرْد كل صديقاتها متى أتيْن للسُّؤال عنْها…. أمَرَ بعَدَم إخْبار أمّها إنْ هي سألتْ عنْها…. كان من المفروض أن يُسافر إلى أوروبا في غضون ذلك الأسبوع…. غيْر أنّه أجّلَ كلّ ارْتباطاته؛ حتّى يجد حلّا لهذه المشكلة….

أرْخبيلُ الغُيوم….

سكاكينُ الحسْرَة تزْحفُ على صدره… المشْهَد لا يغادر مُخيّلته، كلما حاول إزاحته؛ إلا ومَثُلَ أمام عيْنيْه… غضب على الفتاة، غضب على نفسه مِمّا فعلتْه بالفتاة…طال تفكيره وهو يتساءل عن علة انحراف هذه البنت…. لمْ يسْتقِرْ عنْدَ تكهُّن مُعيّن. بدأ يشعر بضيْقٍ شديد على مستوى التنفّس…هرع إلى الفحوصات الطبية، ازداد حالُهُ سوءاً…. مِنْ تشْخِيصٍ إلى آخرَ؛ سيكتشف في النهاية؛ أنه مُصابٌ بسرطان الحُنْجُرَة… ينصحه أحد أصدقائه بضرورة العلاج في الخارج…. يتباطأ، يعُزُّ عليه حال الفتاة المحبوسة بين جدران غرفتها، يُفْضي به التفكير الطويل إلى التحاور معها…. اقترح عليْها أن تصحبه إلى الخارج، وهناك وبعد شفائه؛ سيتدبّرُ أمرها… قدْ يُشغِّلُها في متجر كبير للعطور؛ متْجر يعود لأحد أصدقائه الأجانب، أو قد يتوسّط لها لدى أحد مكاتب الجالية العربية هناك؛ فيُساعدُونَها بما يتناسبُ معها… كانت الاقتراحات كثيرة…. وكان العَقلُ الصغير يُخطّط للهروب من سجن الدّار…! تظاهرتْ بالقبول…. بدأ “عزوز” يُجهِّزُ أوْرَاق سَفرِ البنت؛ بينما المرض يأكل حنجرته…. سمح لها بالخروج من غرفتها، شدّدَ على عمّتيْها في مسألة مُراقبتها ومُرَافقتِها في حال خروجها من المنزل لشراء ما تحتاجه؛ وهي التي تعوّدتِ البذْخَ في كلِّ شيْء….! إذعانُ الفتاة للأوامر؛ انطلى على العَمّتيْن…. أشفقتا عليْها حين طلبتْ أن تذهب لتوْديعِ والدتها… قررتْ واِحدة منهما مُرَافقتها، بيْنما تظلُّ الأخْرى في البيْت لإعْدادِ حقائبِ البنت.

العمَّة والوالدة تحْتَسِيَانِ الشاي وتغْرِقانِ  في الحديث عنِ المُستقبل الجديد للفتاة مع والدها في أوروبا….!  “سهام” في الشرْفة تتصلُ بِمعَارِفِها….! تنْتبِهُ العمّةُ إلى أنّ الوقت قد حان للرجوع إلى البيت قبل عودة “عزّوز”، تُنادي وتنادي…. لا جواب…. لا حِسّ…! تهْرَعُ والدة “سهام” إلى المطبخ، ومنه إلى الغُرْفة المُجاوِرَة، ثمّ إلى الشرْفة، تتفقّد الباب الخارجي، تجدهُ نِصْف مفْتوح….تضرِبُ على فخذيْها… تلحقها العمّة، صوْتا المرْأتيْنِ يصلُ إلى الشارع…. تبْكيان، تنْدُبان…. تسْألان الجيران…. يُخْبِرُهُما أحد شباب الحيّ؛ أنه مرَّ بها وهي واقفة عند نهاية الشارع…. تجْرِيانِ إلى حيْثُ أشار، لا تجِدانِ سِوى… الخيْبة…. !

تعودان مع بعضهما إلى البيْت، والأملُ يلعبُ لعْبتَهُ معَهُما… فرُبَّما تكونُ الفتاة قدْ عادتْ… وربّما… ولعَلّ…..! يطول الوقت، تسْتجمِعانِ قُوَّتَهُما وَتذْهبَان إلى البيْت الكبير…. بيْت “عزوز”؛ وبريق الأمل يُداعبُ خطواتهما…. تنْحبِسُ أنْفاسُهما وهما تريان الرَّجُل ينْتظرُ عنْد الباب….! العينان شاخصتان…. الوجْهُ مُحْتقن….الأرْجل تضْرِبُ على الارْض… لم يعُدْ قادِرًا على التَّحكُّم في لسانِه…. هدّد وتوعّد…. اليدانِ في الهَواءِ ترْتجِفان؛ وقدِ انْتفخت العُروق وبدتْ كحِبالٍ صغيرة زرْقاء؛ تتأهّبُ تحْت الجِلد… الجبينُ ينْضحُ بالعَرَق….قطراتٌ من الدّم تتسابق خارجة من الأنف، لتستقرّ فوق الشفة العُلْيا…. شعُر وكأنّ خازوقاً يخترق جسده، فقدَ الشعُورَ بِالمُتحلّقين مِنْ حوْله…. امْتطى سيّارَته، انطلق انطِلاق الصّارُوخ….!

كيْف….؟  ثمّ … هلْ….!؟

كيف استلمتْ أغراض والدها من إدارة المستشفى..؟ كيف قضتْ ليْلتها في غرفة والدها…؟ هلْ بكتْ….؟ هلْ صرختْ… هلْ تحدّثتْ مع عمّتيْها…. هل استوعبت توبيخهما… هلْ لمستْ نظرات الاحتقار في أعين زوْجاتِ والدِها….! هلِ ارتمتْ في حضن والدتها…. هلِ ارتعبتْ من الجنازة الكبيرة التي جهّزها أصدقاء “عزوز” وأصهاره والمتعاملون معه…؟ الشريط طويل… طويل….كان الحادث مُرَوِّعاً… ساق المرحوم بجنون…فأنْهى حياتهُ وحياةَ سائقِ مرْكبة أخْرى وتسبّب في جُرْح العديدين…. سمعتْ بالحادثِ وهي مُختبئة في منزل إحدى صديقاتها…نزل عليها الخبر كالصاعقة، خرجتْ لا تلوي على شيء، لحقت بها صديقتها…. وجدتْ نفسها في غرْفة حفظ الجُثث؛ تتحقق من هوية الرجل….! بعد الجنازة بيوميْن؛ حضر إخوتُها من أبيها…. استمر العزاء طيلة اسبوعيْن…. بعدها غادر الجميع على أمل العودة وقت الأرْبَعينية. تمرُّ الأيامُ ثِقالاً…تعْلمُ “سهام” بأنّ المنزل الكبير يعود إليْها وإلى عمّتيْها….لقد سجّله والدها في مصلحة العقارات بأسمائهنّ ثلاثتهنّ منذ زمن بعيد… بينما ترك أمْرَ بقية المُمْتلكات لقانون الميراث. تخجل من نفسها…تتحسّر على ما فعلتْهُ بنفسها وبوالدها… تُعيدُ حِساباتها، تودُّ تغيير نمط حياتها، تتهاطل عليْها مكالمات الأصدقاء… في البدء؛ تمْتنِعُ عن الرّدّ…. يزورها الأصدقاء ذكورا وإناثاً، كلٌّ بطريقته؛ يحاول إرجاعها إلى حياتها المرحة…. قاومت هذا الإغراء… إلى أنْ….

وهي جالسة في البهو الكبير؛ تتأمّلُ ساعة يد ثقيلة؛ سُلمَتْ لها ضمن أغراض والدها من إدارة المستشفى، إذا بـ: “سمير” أحد إخوتها من أبيها؛ ينقضُّ عليْها… يضربها، يجرُّها من شعرها، يفتكُّ الساعة من يدها، تصرخ، تحاول الدفاع عن نفسها، ترتطم بالأريكة العريضة، تسقط… يلتحق بالبهو كلُّ مَنْ في البيت…. العمتان تصرخان… البقية؛ اختلط فزعهم بالذهول… الأخ غاضبٌ يرفسها بقدمه وهي على الأرض،، تزحف العمة الكبيرة لتمسكه من إحدى رِجليْه…. يتدخّلُ عامل الجُنَيْنة ومنظفة البيت؛ يُبْعِدان الفتاة إلى الزاوية الأخرى من البهو…الرجل يغلي غليان الماء في القِدْر وهو يُكرّر: “لا مكان لهذه المنحرفة في عائلتنا… فضحتْنا… فضحتْنا….”

كيف علِم بسيرة أخته…؟ ومِمّنْ سمع…؟ هلْ جلوسهُ في المقهى؛ جعله يلتقط شيئاً من أحاديث المُرْتادين…؟ لمْ يكنْ وجهه معروفاً في المدينة؛ فهو منذ غادر البلاد لم يعدْ إلا بعد حادثة والده… القليل من الأصحاب الذين كانوا يدرسون معه ويتسامرون معه؛ توزّعوا في مناطق بعيدة تبعاً لمناصب شغلهم، ومنهم مَنْ توُفي بسبب الوباء؛ أوْ بِغيْر سبب… وهو يرتشف فنجان قهوته؛ تناهى إلى سمْعه؛ اسم والده… كان المُتحدّثُ يتكلمُ عنِ الرّاحل “عزوز” بشيْء من الحُرقة، يُعَدِّد أفضاله عليْه ومساعداته لفلان وفلان وفلان…. وصفه بالكريم الطيّب القلب، ثم سكت قليلا ليختم حديثه بما جعل “سمير” ينْهار…. : ” تلك السَّفيهة “سهام” هي سبب مُصيبته…. !  لا حياء…. لا أخلاق…. وجدها أبوها بنفسه وهي…..”  لمْ يُكْملِ الجملة… واكتفى بهزِّ رأسه…. علّق جليسُه:  ” اللهمّ اسْترْ بناتِنا….”

كلماتٌ؛ بِوَقْع الرّصاص تخترقه…. فيدخل كالمسعور، ولولا مَنْ في الدّار؛ لكان قتلها وشرب دمها..! تستفيق من الإغماء، تتأمل الوجوه، تعود لتستلقي على الأريكة وهي تضع يدها على جنبها الأيسر، تشعر بألم شديد، لا تنْبس ببنْت شفة. ظاهِرُها يُوحِي بالسّكينة؛ بيْنما باطنها يُحَضِّرُ للانتقام….. تعِدُ نفسها بالعودة إلى حياة الخلاعة من جديد؛ ومِنْ أوْسع الأبواب.. وهي التي كانت على وشك “الاستقامة” منذ وقت قصير…!

تنْتبهُ إلى حالها فجأة؛ تسْتغربُ عدم إحساسها بخرُوج صديقتها “نورة” من الغرفة… تأخذ هاتفها بيدٍ مُرتعشة؛ بيْنما تضع اليد الأخرى على جانبها الأيْسر؛ وكأنّ الذّكرى أحْيتِ الألم من جديد… ألمٌ  مرّتْ عليْه شهورٌ طوِيلة. صوتُ “نورة” المُتغَيّر على الهاتف؛ يُقنعُ “سهام” بأن خطباً ما؛ حلَّ بصديقتها…تستفسر عن أحوالها بلهفة صادقة… تخبرها “نورة” بأنها في قسم الاستعجالات مع أختها “سعاد”… بعد نصف ساعة تصل “سهام” إلى المستشفى.

من عطب الجسد إلى سلامة الرّوح…

بعد التشخيص الطّبّي؛ تُنْقَلُ “سعاد” إلى جناح الأمراض الصدرية، يستغرق علاجها مدة طويلة. أحياناً كثيرة؛ ينْسُجُ القدَرُ خيوطاً رفيعة؛ تأذَنُ بحِياكة إشْرَاقات تُذيبُ لحظات الأفول… المرض سيجمع بين “سعاد” و”عتيقة”، الفتاة التي ستستشعر معها “سعاد” أريحية عجيبة…. تجلسان في الرّواق الطويل أمام غرفتيْهما، تتبادلان الأحاديث، حتى إذا تعبت واحدة منهما؛ تصحبها الأخرى إلى السرير؛ وتظلُّ بجانبها حتى تمرّ الممرضة؛ فتطلب منها برِفق؛ العوْدة إلى غرْفتِها… ثلاثة أشهر كاملة، صُحْبة عميقة؛ سيتمخّض عنها ميلاد قصة جديدة…. لم يكن لـ: “عتيقة” سوى أخويْنِ أكبرُهُما؛  كان يزورُها بِانْتظام…. هو الذي تكفّل بها وبأخيهِما الصّغير بعْد وَفاةِ الوَالديْن. لم يجدْ “عتيقة ” لوَحْدِها يوماً… كان دائما يُصادف “سعاد” معها، يسُرّهُ استئناس الفتاتيْن ببعضهما. في البداية؛ كانت “سعاد” بمجرّد أن تراه؛ تستأذن للابتعاد عنهما… تُعاتبُها صديقتُها وهي تمزح: “هلْ يُخيفُكِ إلى هذا الحدّ؟” تخجل الفتاة وهي تُرَدِّد: ” لا.. لا..”  تُنكّس رأسها، وتُغيّرُ مجرى الحديث…. كانتْ “عتيقة” كلما جلستْ مع أخيها؛ تحكي له عن ظروف هذه الفتاة… عن عائلتها… عن كفاحها… عن مرضها… عن أريحيتها معها… وشيئاً فشيئاً بدأ هو يُبادرُ بالسُّؤال عن أحوالها، وعندما تستأذن لتركهما وحدهما؛ يطلب منها أن تظلَّ؛ إن كان ذلك لا يُزْعجها. بحياءٍ وارْتباك تُفضِّلُ الابتعاد عنهما..

في إحدى الزيارات؛ سيلتقي بأخويْها الصّغيريْن في الرّواق؛ وقد صحِبَتْهما “نورة” وبعض زميلات “سعاد” في الشّغل. تتكفّلُ “عتيقة” بطقوس التّعْريف والتّقْديم…. يتكرّرُ اللقاءُ بيْن “سليم” والطفليْن…. يتعلّقان به، يعْتادُ السؤال عنْهما في حال عدم تواجُدِهِما. يعْلَمُ مِنْ أخْته “عتيقة” أن زميلات “سُعاد”؛ يتكفّلْن بالإنْفاق على الطفليْن ويُسدّدْنَ مُستحقّاتِ إيجار البيت بواسطة التبرّعات التي يجمعْنها من الموظّفين في مؤسسة شُغْلِهِمْ، أو ما يجْمَعْنهُ مِنْ مُحْسِني المدينة مع نهاية كلّ أسبوع.

بدأ طيف الفتاة يُلاحق “سليم” أينما حلّ؛ حتى في عمله داخل ورشة النجارة. حاول أن يتجاهل شعوره الجديد، فكّر في أن يُقلّل من الزيارات… لكن واجبه تّجاه أخته؛ حال دون ذلك. قاوم رغبته في البوح لأخته بما يعْتلج صدره… إلى أن أتى ذات يوم في الوقت المعتاد للزيارة؛ فوجد “عتيقة” وحدها ومسْحة غمام تكْسو وجهها الشاحب… انتابهُ فزَعٌ غريب، قبّلَ رأس أخْتِه، عيْناهُ تمْسحان الرِّواق كلّه، تمْسحان الغُرْفة المُجاوِرة لِغرْفةِ أخْته… وهو يضع كيس فاكهة بين يديْ “عتيقة”؛ ينفلت منه السؤال: ” خيْراً إن شاء الله… أيْن سعاد؟ ” تهزّ الفتاة رأسها… “سعاد” غادرتْ صبيحة اليوم بعد أن أذن لها الطبيب بالخروج…لقد تماثلتْ للشفاء، وستخضع لمراقبة طبية في فتراتٍ زمَنية مُعَيّنة. يجفل قلبه؛ يتظاهر بعكس ما يُبْطن وهو يربت على كتف أخته… تجهش “عتيقة ” بِالبُكاء في حضرة الفراغ الكبير الذي سبّبتْه تلك المُغادرَة….

 “عتيقة” ممددة على سريرها، سابحة في عالمها؛ تتأمّلُ جدران الغرفة تارة، وترنو إلى السقف تارة أخرى، ثم تتنقّلُ عيْناها إلى السَّتائر، تبدأ في عدّ الخيوط البارزة حتى إذا أخْلَطتْ تموّجاتُ القُماش عمليةَ العَدّ؛ امْتعضتْ ثمّ أعادتِ الكَرّة مِنْ جديد… كانت تجد المواساة في زيارة أخيها لها، ولكنّها وفي نْفسِ الوقت؛ تُلاحظ شروده الطويل، فتبْتئِس وتحاولُ سرْد حكايات بعْض المرْضى في هذا الجَناح…. يسْتمِعُ إليْها بِأذنٍ حاضرة وفِكرٍ غائب… سيتفاجآن ذات يوم بزيارة “سعاد”… تطيرُ الفتاةُ فرَحاً وهي تُعانِقها، تتغيّرُ ملامحُ “سليم” وكأنها تنوبُ عن اللسان…. ينْظرُ إلى الفتاتيْنِ مَبْهوتاً؛ تلتفتُ إليْه “سعاد” بابتسامة مشرقة، تسأله عن أحواله…. يدخل الطفلان اللذان تلهّيا باللعب في الرّواق…. يبتهج “سليم” برؤيتهما، يُداعبُهما، يُمازِحُهُما مُدّعياً أن طولَهُما قد زاد…. يقترح عليْهما أن يخرج وإياهما إلى ساحة المستشفى لترْك الفتاتيْن معَ بعْض…” فأحاديث النساء لا يجب أن يسمعها الرّجال، ونحن ثلاثة رجال…!” يتعوّدان عليه، يجدان فيه حنان الأب والأخ الاكبر… يجد فيهما التعويض عن الابن الذي فقده وفقد معه زوجته أثناء الولادة منذ سنوات…!

تتكرر الزيارات للمريضة، تتماثل للشفاء، تغادر هي الأخرى المستشفى، تتحوّلُ اللقاءات إلى البيْت في مُناسبات المُعايَدة أو مناسبات التهنئة بنجاحِ الوَلديْن وغيْرِها… تُتَوّجُ هذه المودّة بين العائلتيْن بقرار الزواج… تأخذ ” سعاد” أخويْها معها إلى دار زوجها “سليم”، بينما تبقى “نورة” في البيت المُسْتأجَر؛ بعد أن توسّط لها أحد معارف صديقتها “سهام” في العمل بِرَوْضَةٍ للأطفال، و بِرَاتبِها المحْدود؛ ستضمن على الأقلّ؛ تسديد إيجار البيت بانتظام.

لم تتركها “سهام” وشأنها…. بعد انتهاء العمل مساءً؛ تجدها أمام الروضة تنتظر خروجها، تقنعها بضرورة الترويح عن النفس… وبـ…. وبـ…. يستمر الأمر على هذا الحال زمناً إلى أن تصحو “سعاد” ذات يوم على رنين جرس الباب الذي لا يريد أن يتوقّف…. يُهرول زوجها وهو يتعثّرُ في السّجّاد المفروش في الممر المؤدّي إلى الباب… الشرطة أمامه، تُبلِّغُه بالحادث…. “نورة” في المستشفى بعد انقلاب سيارة صديق “سهام”.

تصل “سعاد” إلى المستشفى؛ فتجد أختها قد فارقت الحياة…. تفقد صوابها…. تبكي … تصرخ… يُغْمى عليْها… تستفيقُ على وقْع صراخٍ وعويلٍ وأصواتٍ تُزلْزِلُ المستشفى… أمُّ “سهام” وعمّاتُها وخالاتها في هسْتيريا؛ يَقْلبْن المكان إلى فوْضى عارِمَة…

بِكرْسيّها المُتحرِّك؛ تتوجّهُ “سهام” كل يوم جمعة إلى المقبرة، تظل أمام القبر ساعات… تتأمّل، تتذكّر، تخْنقُها غصّة الألم، تطلب منْ عمّتيْها الرجوع بها إلى البيْت… الساقان مبتورتان، نُدوبٌ على الذّراعيْن، آثارُ عمليةِ جراحية على مستوى الخدّ الأيمن…. تتجرّعُ أدويتها وتسْتلقي… تحلم بلقاء والدها، بلقاء صديقتها…. تغيبُ وهي تسْتحْضِرُ ما قرأتْه على لوحة برونزية بجانب أحد القبور القديمة:

وإنِّي عنْ ندْبِ الأحبّة ساكتٌ ***

وإنْ كان قلبي بالأسى يتكلّمُ

أُعَزّيكَ عنْ غصْنٍ ذوى قبل ما ارتوى ***

 وقامتْ بهِ وُرْقُ الثّنا تترنّمُ

على مثْلِ هذا؛ عاهد الدّهْرُ أهلهُ ***

 وِصالٌ وتفْريقٌ؛ يسُرُّ ويُؤلِمُ

وإنْ مُنِعَ الغُيّابُ أنْ يقْدموا لنا ***

 فإنّا على غُيّابِنا سوف نقْدِمُ !

تضع يديْها على عيْنيْها قبل أن يسلبها الكرى الحركة؛ تشعر بفراغ البيت الكبير… تشعر بالصمت الرّهيب…. تزفر زفرة حارقة…. يُخيّلُ إليْها أن هاتفاً يهتف بها:

لئنْ أوْحَشَتْ ممّنْ أُحِبُّ منازلُ **** فقدْ آنَسَتْ ممّنْ أحبُّ المقابرُ

وكنتُ عليْهِ أحْذرُ الموتَ وحْده *** فلمْ يبْقَ لي شيء عليْهِ أُحاذِرُ !

بعد عام ونصف تقريباً؛ تغادر “سهام” الحياة…. العمّتان واقفتان عند قبرها، وغُصّة السُّؤال تتجدّدُ في كلِّ مرّة :  ” لماذا يا سهام… لماذا أنْهيْتِ حياتك؛ يا قِطعة مِنْ أخينا…”

غير بعيد؛ وفي الناحية الأخرى من المقبرة؛ تتعاون “سعاد” وعائلتها الصغيرة على تنظيف قبر “نورة” من أعشاب يابسة تناثرتْ بعشوائية لافتة….

سيدي بلعباس / الجزائر

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً