كلُّ شاعرٍ عظيمٍ مفكِّرٌ عظيمٌ / أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

+ = -

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

لعلَّ (يزيد بن الحَكَم الثَّقَفيَّ) كان أحد العصر الأُموي، كما أسَّس (الكُمَيتُ) لفنِّ المدائح النبويَّة، وأسَّس (جريرٌ) و(الفرزدقُ) و(الأخطلُ) لفنِّ النقائض. ولا غَرْوَ، فالعصر الأُمويُّ كان عصر التأسيسات الثقافيَّة العَرَبيَّة بشتَّى أوجهها. ثمَّ على النهج توالَى في الشِّعر مزجُ التيَّار النفسيِّ بالتيَّار الفِكريِّ، إلى أنْ بلغ تجاذبُ الشِّعريَّة بين التيَّارَين ذروته لدَى أكبر شعراء العصر العبَّاسيِّ: (أبي تمَّام)، و(المتنبِّي)، ثمَّ (أبي العلاء المَعَرِّي)، حتَّى لقد ضجَّ من ذلك (البُحتريُّ)(1) مُنشِدًا:

12. وخِيْرَتِي عَقْلُ صاحبي، فمَتى ::: سُـقْتُ القَوافـي، فخِيْرَتـِي أَدَبُهْ

13. والعَقْلُ من صَنْعَةٍ وتَجْرِبَـــةٍ ::: شَكْـلانِ : مَوْلُــوْدُهُ ومُكْتَسَبُــهْ

14. كَلَّفْتُمُونـا حُـدودَ مَنْطِقِكُــمْ ::: في الشِّعْرِ يُلْغَى عن صِدْقِهِ كَذِبُهْ

15. ولم يَكُنْ ذُو القُرُوْحِ يَلْهَجُ بِالـ ::: ـمَنْطِقِ ، ما نَوْعُهُ ، وما سَبَـبُهْ؟

16. والشِّعْرُ لَمـْحٌ تَكْفِـي إِشارتُــهُ ::: ولـيس بالهَـذْرِ طُـوِّلَـتْ خُـطَبُهْ

تلك، إذن، حركةٌ تطوُّريَّةٌ للشِّعر العَرَبِّي، تنتهي به إلى مزيج متفاعلٍ بين العقل والوجدان، تنمُّ عن أنَّ نجاح الشِّعريَّة في التجربة العميقة لا يتأتَّى عن حصر الشِّعر في سذاجة البوتقة العاطفيَّة، ولا في برودة الأفكار الخطابيَّة، ولكن في مزيج متفاعلٍ حيٍّ، يعكس شموليَّة التجربة الإنسانيَّة بعمقها الواسع. إنَّ المعضلة- في النهاية- ليست في أنَّ طريق الشِّعر لا تدخل باب الخير أو الحِكْمة وإلَّا لانت، على حدِّ زعم (الأصمعي)، لكنَّ المعضلة كامنةٌ في الشاعر نفسه، الذي ينبغي أن يكون ولَّاجًا خرَّاجًا في طُرق الشِّعر، بما أوتي من موهبةٍ تفتح أمامه أبواب التعبير.

على أنَّ الأسلوب الخطابيَّ إذا طغَى على الشِّعريِّ، فَسَدَ الشِّعر. وقد كان العَرَب يُدرِكون بالفِطرة ذلك، ولا تنطلي عليهم شكلانيَّةُ الشِّعر عن طبيعته الحقيقيَّة. لهذا تقرأ روايةً كهذه: “…حدَّثني مُوسَى بن شَيْبَة قال: سمعتُ أبا وجزة السَّعديَّ يقول: قال رسولُ الله، صلى الله عليه وسلَّم: “ليس شِعرُ حسَّان بن ثابت، ولا كعب بن مالك، ولا عبدِالله بن رَواحةَ، شِعرًا، ولكنَّه حِكمة”.”(2) وما نرَى هذا من قبيل التمييز العاطفيِّ الدِّينيِّ لشِعر هؤلاء، بل وعْيٌ بطبيعة شِعرهم الدِّينيَّة، وأنَّها لم تَعُد من لُغة العاطفة والخيال في شِعر. ومن أجل هذا جاءت إشارة (الأصمعي) إلى لِيْنِ شِعر (حسَّان) في الإسلام، بسبب انحرافه عن الشِّعريَّة إلى الخطابيَّة. وكذا جاء قول (بشَّار بن بُرد) عن (الكُمَيْت بن زيد الأَسَدي)- الذي كان بالفعل خطيبَ (بني أَسَد)، وصرفَ جُلَّ نظمه في الهاشميَّات، منتصرًا لـ(آل البَيت)-: “ما كان الكُمَيْتُ شاعرًا”(3).

إنَّ كلَّ شاعرٍ عظيمٍ مفكِّرٌ عظيمٌ بالضرورة. ولذا فمن المشكوك فيه أنَّ مقولة “أنا وأبو تمَّام حكيمان والشاعر البُحتري” قد صدرت عن (المتنبِّي)، التيَّاه بشِعريَّته:

– أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبْنِيْ شُوَيعِرٌ ::: ضَعيفٌ يُقاوِيْنِي قَصيرٌ يُطــاوِلُ؟!

– بِأَيِّ لَفْـظٍ تَقولُ الشِّعْـرَ زِعْنِفَـةٌ ::: تَجـوزُ عِندَكَ لا عُربٌ وَلا عَجَمُ؟!

والتيَّاه بفِكريَّته أيضًا، حتى رأى في نفسه متنبِّئًا، إنْ حقيقةً أو رمزًا. إلَّا إنْ فُهِم من مقولته تلك التمييز بين حكيم الشُّعراء، القادر على وصل التيَّار الوجدانيِّ بالتيَّار الفِكريِّ، والشاعر الغنائيِّ التقليديِّ، من نمط البُحتري. وعلى حدِّ هذين البُعدين (الغنائيِّ والفِكريِّ/ الفلسفيِّ) يقع الخلاف بين الناس في شأن الشُّعراء. فمَن استغواه الأَوَّل، نبا ذوقه عن الآخَر، ولم ير فيه شِعرًا، وَفق مقياسه الجماليِّ للشِّعر، ومَن استغرقه الآخَر، غالَى في نصوصٍ نَظْميَّةٍ لمضامينها الأخلاقيَّة، أو الفِكريَّة، أو الفلسفيَّة. أمَّا الشِّعر الكامل، فهو الذي يُحسِن جمع هذين البُعدين، دون أن يحيف أحدهما على الآخَر. ذاك أنَّ العمل الشِّعري- كما يشير (رومان ياكُبسون Roman Osipovich Jakobson)- “لا يقتصر على الوظيفة الجماليَّة وحدها، بل إنَّ له وظائف أُخَر كثيرة… وعلى المستوَى العملي، فإنَّ مقاصد العمل الشِّعري مرتبطة- بإحكامٍ غالبًا- بالفلسفة، والتعاليم الاجتماعيَّة، إلخ.”(4)

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (1977)، ديوان البحتري، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 208-209.

رواية البيت 14 هكذا في الديوان، على حين أنَّ المحفوظ: “والشِّعر يُغني عن صِدقِهِ كَذِبُهْ”. وفي كتاب (الجرجاني، عبد القاهر، (1991)، أسرار البلاغة، قرأه وعلَّق عليه: أبو فهر محمود محمَّد شاكر، (جُدَّة: دار المدني)، 270): “في الشِّعْرِ يكفي عن صِدقِهِ كَذِبُهْ”.

(2) الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، ، 12: 173.

(3) م.ن، 3: 157.

(4) نيوتن، ك. م، (1996)، نظريَّة الأدب في القرن العشرين، ترجمة: عيسى علي العاكوب، (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانيَّة والاجتماعيَّة)، 25.

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً