امي تنشر الغسيل دائماً / ابرهيم  موعد

+ = -
ابرهيم  موعد
خرجت أمي الى الشرفة تنشر الغسيل، فشرع جارنا في النافذة المقابلة يغازلها.
بعد غسلتين او ثلاث، ابتسمت أمي لجارنا ولوّحت له بيدها تدعوه لزيارتنا.
في اليوم المحدد، أعطتني امي بعض النقود وقالت : ” اذهب، اشتر لك شيئا”.
نزلت السلالم مبتهجاً ، وسرعان ما اندمجت مع رفاقي في اللعب.
في الأثناء، مر بنا جارنا ، فتفرج علينا قليلاً ، ثم تابع سيره واختفى في مدخل العمارة.
تصديت لركلة الجزاء كيفما أتفق ، واسرعت الى البيت . في الباب، بدت أمي بثوبها
العاري ، كالنساء الساقطات في السينما . سألتني ماذا أريد ، فأجبتها بأني ظمآن . وبينما
كنت اتبعها الى المطبخ ، لمحت جارنا في غرفة الجلوس ، يقضم تفاحة .
أعطتني أمي نقوداً اضافية ، وقالت: “لا تعد قبل المساء “
في العتمة ، ظهر لي أن والديّ الصبي غير قادرين على ألإعتناء به ، فقررا  إرساله الى الإصلاحية . تمنيت لو يحدث لي ذلك ، ولكن سرّني هروب الصبي في النهاية…
في البيت ، كان أبي ينفث دخان نارجيلته بهدوء . نظرت اليه مشفقاً ، وكمن يتسبب بحريق
قلت : كان جارنا في بيتنا اليوم…
نهض ابي من مقعده هائجاً . صفعني بقوة وقال :
قلت لك مراراً ، أن لا تدسّ أنفك في شؤون الآخرين…
أذكر ان الدم سال من أنفي ، ومنذ ذلك الحين ، تعوّدت على الروائح الكريهة…
واصل جارنا زياراته لأمي في غياب أبي غالباً . وكانا اذا اجتمعا ، تذرّع أبي بأية حجة
ليصطحبني خارجاً  .  كنا نجوب الطرقات حتى وقت متأخر ، فيدب بي النعاس ، وينفق أبي
ما بحوزته من تبغ . ولدى عودتنا ، تكون أمي الخارجة توّاً من الحمام ، جالسة أمام المرآة
تسرّح شعرها المبتّل . واذ تلتفت نحوي ، يأسرني وجهها الخالي من المساحيق ، وأدرك
في غمرة نعاسي ، أن لي أمّاً .
في الأثناء  ، نعمنا برغد العيش لسنوات . لم يكن ينقصنا شيء ، وكانت معظم حفلاتنا
بلا مبرر ،  سوى اثارة الضوضاء ، والأهم ، الظهور أمام الناس بأننا أغنياء …
صارت أمي بأناقتها المفرطة محط أنظار الجميع ، ولم يفطن جارنا لمنافسيه الا بعد
فوات الأوان . وذات مساء ، على أثر شجار عنيف ، غادر جارنا بيتنا ولم يعد قط . ذلك أنه
وُجد في شقته مقتولاً . فحامت الشبهات حول أمي وأبي اللذين حبسا مدة ، قبل أن يُطلق سراحهما ، لعدم كفاية الأدلة…
وحدث أن انتقلنا الى مدينة أخرى ، وواصلت أمي نشر غسيلها في الشرفة . وحدث ايضاً ،
أن خلعت أمي أبي ، وأغلب الظن ، بسبب تركة جارنا القتيل . ولمّا لم تتخل عني ، أدرت
أعمالها بإقتدار…
                                                                                 ***
عندما واجهني ابني بأنه رأى أمه في حضن رجل غریب ، صفعته بقوة ، وكررت عليه ما قاله
لي أبي قبل عشرين عاماً :
قلت لك مراراً ، أن لا تدسً أنفك في شؤون الأخرين…
لم يسل الدم من أنف ابني ، ورمقني بنظرة حاقدة ، أيقنت من خلالها ، أنه سيكون قاتلي ، لا
محالة …..
ابرهيم  موعد
كاتب فلسطيني

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً