مقطع من رواية أنجلينا فتاة من النمسا / بقلم مولود بن زادي

+ = -

بقلم مولود بن زادي

استحضر في ذاكرته صورا من صيف الجزائر حيث كان يقضي عطلته في البادية في منطقة جبلية نائية بولاية سطيف عاصمة الهضاب العليا بوطنه الأصلي. لكنها كانت أيضا فرصة منذ اليوم الثاني للقاء أسرة أنجلينا المتمثلة في والديها وجدتها وشقيقها الوحيد كريستيان.

 

كانت والدتها تدعى إيرمغارد وكانت ربة بيت ممتازة وطباخة ماهرة. وكانت امرأة ريفية قوية الإرادة، نشيطة. كانت تستفيق في ساعة مبكرة، فتقوم بحلب البقر، وإعداد فطور الصباح الذي كان يختلف عن الفطور الإنجليزي التقليدي المتمثِّل في لحم الخنزير المقدد المقلي والنقانق المقلية وبيض وفطر. الفطور النمساوي في هذه المنطقة كان يحتوي على رغيف مستدير مصنوع من دقيق الخبز الكامل وكيكة بذور الخشخاش وزبدة البقر ومربى الفواكه لا سيما المشمش الذي كان يتم جنيُه في المزرعة، وكانت والدة أنجلينا تصنع منه كميات كبيرة في فصل الصيف، تحفظها في جرار لفصل الخريف والشتاء.

 

في لندن، كان شفيق حريصا على متابعة نظام غذائي صحي، متجنبا ما استطاع الدهنيات والسكريات وكل ما كان مضرا بصحته. وكان في أغلب الأوقات، يتناول رقائق الذرة بحليب نصف داسم. وفي أوقات قليلة كنهاية الأسبوع، كان يتناول فنجان قهوة بالحليب مع قطعة أو قطعتين خبز محمص بالمربى. وهنا في النمسا، صار فطوره المفضل قطعة كيكة الخشخاش وكأس حليب البقر كانت تحضره له والدة أنجلينا كل صباح من زريبة البقر قبل إخراج الأبقار للرعي في المزرعة التي كانت تمتد على مساحة واسعة.

 

والد أنجلينا، السيد توماس، كان رجلا قوي البنية، شديد الإرادة. كان يشتكي من صداع دائم، لكنّ ذلك لم يثنه عن العمل الشاق في مزرعة العنب حيث كانت تمده زوجته بيد المساعدة. وكانت الأسرة تحتاج إلى يد عاملة رخيصة في موسم الجني، فكانت تستدعي عمالا من القرى السلوفينية المجاورة للمساعدة. بعض هؤلاء صار يأتي للعمل هنا بانتظام سنة بعد أخرى.

 

أخذت أنجلينا شفيق إلى كوخ ملتصق بزريبة البقر حيث شاهد أحواضا وأنابيب وقناني زجاجية معتمة اللون فارغة. إنه المكان الذي تنتهي إليه عناقيد العنب بعد جنيها عند نضوجها الكامل لصناعة النبيذ. شرحت له أنجلينا كيف تفصل حبات العنب من العناقيد، ثم تطرح على السطح وتعرض لأشعة الشمس لعدة أيام لإزالة الرطوبة وتركيز نسبة السكر وتنشيط عملية التخمير فيها. وبعد ذلك، تعصر في الأحواض بالأقدام الحافية وهي ساخنة.

صاح شفيق ضاحكا عند سماعه ذلك:

“بالأقدام الحافية! هذا مقزز! هذا بالتأكيد سبب إضافي يجعلني أكره النبيذ للأبد!”

فضحكت أنجلينا.

“أنت لا تعرف ما الذي تفتقده!”

 

لم يلتق شفيق جدة أنجلينا إلا في مساء اليوم التالي. حتى ذلك الحين لم يكن يعرف عن هذه المرأة إلاَّ اسمها: دوفا. كانت السيدة دوفا امرأة قصيرة القامة، مسنة، تجاوزت الثمانين، حفرت السنين التجاعيد في وجهها، ولم تترك إلاَّ الجلود ملتصقة بالعظام في جسدها. كانت لشدة ضعفها ومرضها، قعيدة الفراش، حبيسة بإحدى الغرف بالأسفل. لم تكد تلمح شفيق حتى ابتسمت ومدت ذراعيها المرتجفين تدعوه إلى التقدم نحوها، وراحت تحضنه وتلمس يديه وتنظر إليه بتأثر كما لو كانت تعرفه منذ زمن طويل! وأخذت تحدثه بالألمانية مرددة بإعجاب وتأثر اسم “روبرت” في صوت بدا وكأنه صفارة قطار بخاري يدنو من آخر محطة في رحلته. نظر شفيق إلى أنجلينا مستنجدا وهو لا يفهم من كلامها شيئا، فقالت:

“معذرة! جدتي لم تعد تعي ما تقول! هي الآن تعتقد أنك روبرت”

“ روبرت؟!”

“أجل، روبرت هو ابن أختها الكبرى. تولت تربيته بعد وفاة شقيقتها بمرض السرطان. استلمته وهو صبي لا يتجاوز الثالثة من عمره. كان يدعوها أمي. وكانت تعامله كما لو كان ابنها من لحمها ودمها خاصة أنها لم تنجب أطفالا. كان روبرت في الثالث والعشرين من عمره عندما مات في حادث مرور…”

شعر شفيق بالصدمة والشجن وهو يسمع ذلك.

جدة أنجلينا المسكينة هذه، هزتها الصدمة وأثقلت كاهلها السنون، فلم تعد تعي ما تقول وصارت تحتاج إلى عناية على مدار الساعة. والدة أنجلينا تولت رعايتها لسنوات، لكنها الآن لم تعد تحتمل. فلم تعد تلبي كل حاجاتها. صارت عندما تناديها، تهرع إليها حينا، وتتجاهلها أحيانا. وصارت في بعض الأوقات تنفعل عندما تسمعها تبكي وتشتكي وتردد أنّ بغرفتها أشباح تطاردها، وتلح على حضورها وبقائها معها. وقالت أنجلينا إنّ

جدتها لشدة معاناتها، صارت تدعو الإله إلى وضع حد لحياتها، فيخلصها من هذا العذاب. وبدلا من الموت، لم تلق إلا مزيدا من الملل والألم والغم في هذه الحياة. (مقتبسة من قصة واقعية – تتبع)

– أقلام مهاجرة حرة بريطانيا

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً