السرد والعنف في “صنائع من نوبة عراق العجب”: للكاتب المغربي المهدي نقوس/أحمد القنديلي

+ = -

 أحمد القنديلي

   تقديم:   كل كتابة ممارسة شرسة للعنف على المتلقي، وعلى الذات الكاتبة قبل كل شيء. إنها بمثابة عملية ولادة عسيرة لجديد هو الخطاب الأدبي الذي فُرض عليه أن يوجد ليقول قولا لم يتم قوله من قبل. وحتى إذا افترضنا وجود شيبه له، فهو مجرد شبيه، وليس هو بالذات.   غير أن مأساة الكاتب المنتج لخطاب العنف مأساة مضاعفة، وهي تكمن في كونه لا يعاني من العنف لحظة الكتابة بما يعانيه من عسر شديد فيها، بل قبلها أيضا. وبهذا المعنى فكتابته ثمرة ألم ومعاناة محفورين في تاريخه الشخصي، وفي وعيه ولا وعيه رضعهما من واقعه الأليم.   وكلما ارتفعت درجة العنف في اللغة كانت الكتابة أقدر على رؤية ما لا تستطيع الكتابة الأقل عنفا رؤيته. إن العنف يحفز على التخييل المضاعف حين يحول الواقع الشرس إلى خيال مركز ينحو نحو الغرائبي تارة، ونحو العجائبي تارة أخرى. فحين لا يستنشق الكاتب، وهو يفكر أو يشرع في الكتابة، إلا الهواء السام لا يمكنه إلا أن يكتب كتابة حابلة بالعنف إلى درجة يفقد فيها التحكم فيما يريد قوله، ليقول في نهاية المطاف قولا غير قابل للقراءة، إذ ما أن نهم بقراءته، ونبلل أصبعنا بغية تقليب الأوراق لمتابعة القراءة، حتى يحصل لنا ما حصل للملك يونان وهو يقرأ الكتاب الذي أهداه له الحكيم دوبان. (2)1-      حول دلالة العنوان:   يعتبر عنوان أي نص أدبي نصا موازيا يحتاج إلى قراءة خاصة. هذا ما ينبهنا إليه جيرار جينيت عن حق. إن العنوان ” مفتاح إجرائي في التعامل مع النص في بعديه الدلالي والرمزي” (3). وبهذا المعنى فهو أيقونة نصه، إنه علامة إيحائية مكثفة تحيل على ذاتها لتقول شيئا تريده ولا تقوله مباشرة، كما تحيل على مرجعها الذي تسميه، والذي هو النص السردي الماثل أمامنا. ويقدر تمتلك هذه العلامة -من حيث هي نص متكامل الأركان – القدرة على ان تتشكل دالا لمدلول على القارئ فك شفرته، بقدر ما تتشكل مدلولا لدال هو النص الذي تعنونه.   عنون المهدي نقوس خطابه السردي ب “صنائع من نوبة عراق العجب”. وبالرجوع إلى موسوعة ويكيبيديا نجد أن نوبة عراق العجم واحدة من النوبات الإحدى عشرة التي تؤديها العديد من الفرق الأندلسية بالمغرب الكبير. يتعلق الأمر إذن بعنوان ذي حمولة موسيقية يفهمها ذوو الاختصاص في المجال الموسيقي. غير أن المؤلف قام بتصحيف الكلمة الأخيرة، وذلك بتحويرها من كلمة العجم إلى كلمة العجب. وبذلك دمر المحتوى الموسيقي للجملة تدميرا كاملا ليحيلنا على محتوى آخر مغاير تماما، نواته الدلالية هي “العجب” الذي ينقل الدلالة من الموسيقي إلى ما بشبه العجائبي. ذلك لأن العجائبي “يتركز بشدة على فعل الإدراك، إلى درجة اننا نجهل معه طبيعة الشيء المدرك”(4). وهذا ما نعتقد أن القارئ يصل إليه في نهاية المطاف بحيث يجد نفسه أمام عنوان عصي على التمثل والإدراك، وخصوصا حين يتجاوز عتبته إلى رحاب الخطاب السردي.   غير أننا حين نقرأ الخطاب السردي “صنائع من نوبة عراق العجب” نجده بالفعل نصا موسيقيا صاخبا، قائد فرقته هو عباس الذي يقدم في كل لوحة سردية لوحة موسيقية أكثر صخبا من سابقتها.   نشرت نصوص هذا الخطاب السردي بمجلات وجرائد مختلفة مغربية ومشرقية ما بين 1978 و1982. وإذا كانت هذه التواريخ ليست بذات قيمة كبرى ما دامت النصوص تنطلق منها وتتجاوزها لتتغاير دلالاتها بحسب طبيعة المتلقي، وتاريخ وجغرافية تلقيه.2-      بصدد تجنيس الخطاب السردي ل “صنائع من نوبة عراق العجب”:   يضع الكاتب المهدي نقوس قارئه أمام حيرة حقيقية حين يقدم له هذا الخطاب السردي باعتباره قصصا، ويضاعف هذه الحيرة حين يختم “قصصه” أحيانا بتواريخ نشرها، وأحيانا أخرى بأسماء المجلات أو الجرائد التي نشرتها في أزمنة متفرقة. غير أن القارئ حين يشرع في القراءة من البداية إلى النهاية -التي قال عنها إدغار ألان بو بأن كل قاص يكتب إلا وعينه على الجملة الأخيرة-لا يجد نفسه أمام نصوص قصصية مختلفة، بل أمام نص واحد ذي نفس روائي رابط خيوطه هو عباس الذي يحكي السارد حياته بمختلف تجاربها وأفكارها ومعاناتها.   نحن إذن أمام نص سردي واحد ينقسم إلى لوحات سردية، لكل لوحة عنوان: البحث عن عباس، تغريبة الفتى عباس الثاني، مخامرات عباس الثالث، هكذا تكلم عباس الرابع، هواجس عباس الخامس، رحلة عباس السادس، رحلة عباس السابع، تراجيديا بزمن الحزن.   هل قصد الكاتب المهدي نقوس وضع قارئه في هذه الحيرة لكي يعلن ضمنيا انتماءه إلى خطاب الحداثة الأدبية الذي يرفض نظرية الأجناس الأدبية كما رسخها الخطاب الكلاسيكي؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد أنتج المهدي نقوس خطابا سرديا بتعبير تودوروف، أو جامعا مشتركا بتعبير جيرار جينيت.   ويتجسد هذا الأمر حين يزاوج سارد “صنائع من نوبة عراق العجب” بين السرد الكلاسيكي بحمولته التراثية ” يقول المهدي بن المحجوب بن زيدان أنه عقد العزم على إصار هذه الكناشة ووسمها ب “صنايع من نوبة عراق العجب” قيد فيها ما وصل إليه من حكايات وأقاصيص….”(5) والسرد الحداثي الذي عمد فيه إلى:–        تعداد ضمائر الحكي: من ضمير المتكلم “هذا الصباح فقط وصلتُ ونزلت من الحافلة….” (6) إلى ضمير المخاطب “تشرب قهوتك ياعباس: قهوة سوداء كالليل مع قليل من السكر. أنت لا تعشق سوى ذلك”(7) إلى ضمير الغائب “قال بصوت خفيض: باسم الله مجراها ومرساها”(8).–        الإمعان في تقديم الصور الغرائبية والعجائبية “كنت لا زلت أتكلم عن أصلي وفصلي..أول الأمر لم أصدق أذني.. حسبته أنينا أو شخيرا.. لكن حينما تكررت الزمجرة ارتعدت فرائصي.. كانوا قد بدأو يكشرون عن أنيابهم..وآذانهم استطالت قليلا،.. وأضحت عيونهم حمراء كلهب الكوانين.. وشرعوا في العواء..” (9).–        المبالغة في السخرية والتهكم “أنا أخيف إذن أنا موجود.. في الواقع لم أكن خائفا، لكنها الكلاب المدربة على قمع مظاهرات الطلبة وثورات الجوع وإضرابات الشغيلة والكادحين… لم أذق طول عمري كبد دجاج كي لا أخاف…”(10).–        توظيف جمالية القبح “كان محرك الحافلة يهدر.. والناس يهدرون… وأفواههم تقذف سيلا من اللعاب وخيوطا رفيعة من دخان وروائح كريهة، ويطقطقون بتلاعب وحنكة علكة أمريكية” (11).–        الاشتغال على الميتا قص من خلال الاشتغال على مشكلات الكتابة والقراءة” لنحاول معا ترتيب هذا العالم من جديد … بعد هذا البرولوغ الغير منسجم مع نص يتوخى إدخال السرور والغبطة إلى قلب القارئ…”(12).–       توظيف الخطاب الشعري: “وقلت لخيلي ما قاله امرؤ القيس بن حجر الكندي “كري مرة بعد إجفال”(13) …   وعلى هذا الأساس سنتعامل مع نصوص ” صنائع من نوبة عراق العجب ” باعتبارها خطابا سرديا واحدا ذا نفس روائي لا ينتمي إلى نص اللذة ” الذي يرضي ويغبط…، بل إلى نص المتعة باعتباره ذلك الذي يضعك في حالة ضياع، ذلك الذي يتعب. ” (14). ونعتقد أن مرد هذه الحالة التي يضعنا فيها هذا النص يرجع إلى العنف باعتباره ذلك الماء الحامي الذي عجن به السارد لغته.3-      بصدد المتن السردي ل “صنائع من نوبة عراق العجب”:   على الرغم من أن الخطاب السردي للمهدي نقوس يتمحور حول شخصية عباس، فإن عباسا ليس بطلا. إنه ينتمي إلى عالم المغمورين. (15)   يحكي السارد يومياته المهمومة بسبب الفقر والمرض وانعدام الحرية والكرامة. إنه ينتمي إلى جيل مهزوم يخضع لكل أنواع الاستبداد، كادح ومثقف صاحب شهادة، ويبحث عن الخبز والحرية، ومهتم بقضايا وطنه، وبقضايا العالم العربي: فلسطين، البترول، الدولار، الاستبداد…   يظهر ثم لا يلبث بعد حين أن يختفي غرقا ليصدر بلاغ يتحدث عن العثور على جثة بشبه جثته.     لقد كان قد ذهب من بادية الرحامنة إلى المدينة بحثا عن عمل لإعالة إخوته، لكنه خرج مطرودا مهزوما. وبهزيمته هذه في شهر يونيو يتذكر هزيمة يونيو 1967.   أثناء رجوعه عبر الحافلة يشبهها بالسجن ليتداعى حكيه للحديث عن السجن الحقيقي بلغة شرسة ساخرة. “… اقصد ان السجون عندنا ليست كريهة ولا رهيبة بالحجم الذي تتصورون، وليست صفراء ولا باردة ولا مقرفة… ذلك كذب في كذب، ضرب من الكلام المغرض نسجه متحاملون بهدف الإساءة لسمعة الوطن السعيد.”(16).   وحين عاد إلى بيته ووجه بشتائم أبيه، وبنباح الكلاب التي لم تعد تعرفه؛ ليستمر في الجري إلى ما لا نهاية. وحين أحس بالجوع الضاري شرع في الهذيان ليتحدث عن الجوع ومعه بلغة شعرية قبل أن يتجه إلى البحر/ الملاذ الأخير.   عباس هذا الكائن المغمور يكتب الشعر ويرسم ويرقص ويقرأ التاريخ والماركسية… يدور في هذا النص السردي دورة كاملة، ينطلق من البر الفقير/ الرحامنة، وينتهي غرقا في البحر. وبين نقطة الانطلاق ونقطة النهاية يعيش كل أصناف القهر، وبذلك يرسم صورة قاتمة لعالم يتدهور، ويتدهور فيه كل شيء: الإنسان، الوطن، القيم، العيش… وكل ذلك بسبب الاستبداد المتعدد الأصناف والخيانات المتعددة الألوان، والهزائم المتنوعة الأشكال. “مزقت ورقة من مجلة باريسية يمينية كانت تحمل الرقم 67، وعناوين تندد بالعرب… إخ… كم أكره هذا الرقم المشؤوم وأرقاما أخرى تنكأ الجراح…”(17).   ولأن السارد في ” صنائع من نوبة عراق العجب ” يسعى إلى قول كل شيء للعالم بكل الأساليب الفنية الممكنة، سواء منها تلك التي تعتمد اللغة الأدبية الرفيعة، أو تلك التي تعتمد اللغة الشرسة البذيئة، فقد أنتج نصا سرديا مرقعا بمجموعة من المستنسخات التي تعضد السرد للنهوض بوظائفه المختلفة. وتمثل هذه المستنسخات نصوصا موازية تناص معها المؤلف بطرق مختلفة، أحيانا عن طريق الاستشهاد، وأحيانا عن طريق التضمين، وأحيانا عن طريق الامتصاص، وأحيانا أخرى كثيرة عن طريق الحوار؛ الشيء الذي جعل الخطاب السردي للمهدي نقوس عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات ساهمت في إغناء محتواه، وفي مضاعفة دلالاته بحسب شكل التناص المعتمد. ومن أهم مظاهره: التناص مع الزجل المغربي، ومع البلاغات الصحفية والرسمية، ومع الشعر، ومع الحكاية والرواية، ومع الكتابات المجهولة شعرا ونثرا، ومع النص القرآني، ومع نشرات الأخبار…   لقد تفاعل السارد مع هذه المجموعة المتنوعة من المستنسخات من أجل مساعدة السرد على حكي العنف إن على صعيد الأفعال التي يحكيها، أو على صعيد الهيئات والصفات والنعوت التي يقدم بها الوصف مختلف الأشياء ليبطئ بها سيرورة السرد، غير أن عملية الإبطاء هذه لا تعمل إلا على مضاعفة دلالات العنف المحكي. يتعلق الأمر إذن بحكي العنف وبعنف الحكي. ولعل هذا ما جعل “صنائع من نوبة عراق العجب” نصا يسعى إلى الهتك والتدمير بصوت عال من أجل خلخلة العنف المضاد الذي يمارس على طول خريطة الوطن العربي التي تشكل فضاء الحكي. فعلى الرغم من أن عباس مغربي الانتماء، فإنه وهو يواجه بؤسه بمنطقة الرحامنة، ولأن له رصيدا من الثقافة والمعرفة، فإنه لا يقف عن حدوده الجغرافية، بل يتجاوزها ليديم تفكيره في مختلف الهزائم الكبرى منذ سنة 1948 وما قبلها، وإلى الآن.   للممهدي نقوس أن بعتز ب”صنائع من نوبة عراق العجب” الذي يقدم شهادة شرسة على واقع شرس لا طاقة للإنسان على العيش ولا على تنفس الهواء فيه. إن “جيلك ياعباس جيل الوصاية، والحكم الواحد الأحد، والكذب والبهتان والابتزاز والسرقات والزنازين والرصاص…   لكم أنت سيء الحظ با صاحبي…   لكم أنت سيء الحظ يا هذا…”(18).     الهوامش:1-      صنائع من نوبة عراق العجب للكاتب مهدي نقوس: منشورات منتدى مطر،طبع وتصميم مطبعة أنفو برانت، فاس 2014.2-      العين والإبرة: عبد الفتاح كيليطو، ترجمة مصطفى النحال، نشر الفنك للترجمة العربية 1996 ص:55.3-      مجنون الأمل: عبد الرحمن طنكول، مجلة كلية الآداب، فاس ع:9 سنة 1987 ص: 135.4-      موضوعات العجائبي: مدخل نظري، تزيفيتان تودوروف، مجلة دراسات سيميائية، أدبية، لسانية، عدد 1،1987، ص:147.5-      صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 8.6-      صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 25.7-      صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 9.8-      صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 77.9-      صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 34.10-صنائع من نوبة عراق العجب:م.س:ص: 39.11- صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 44.12- صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 56.   13- صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 34.   14- لذة النص: رولان بارت، ترجمة فؤاد صفا والحسين سحبان، دار توبقال للنشر،ط 2، 2001،ص:22.   15- في حديثه عن خصائص الرواية والقصة القصيرة الجديدتين، يرى فرانكأوكونورأن الرواية الجديدة بدون بطل، ويضيف: “والحق أن القصة القصيرة لم يحدث أن كان لها بطل قط، وإنما لها بدلا من ذلك “مجموعة من الناس المغمورين”، وأنا أستعمل هذا التعبير غير الجيد لأنني لم أجود منه”: راجع: “في نظرية القصة”: مقالات مترجمة، منشورات مختبر الدراسات حول القصة والترجمة، ط 1، 2011.   16- صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 43.   17- صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 60.   18- صنائع من نوبة عراق العجب: م.س،ص: 15.

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً