في ذكرى النكبة: مقطع من رواية عين الحلوة / سعيد الشيخ

+ = -
سعيد الشيخ
جئنا مشياً على الأقدام في مواكب من العطش والجوع والنواح، وكنّا في
شهر رمضان. لا نعرف سحوراً ولا فطوراً، نعيش خارج الوقت، لقد كنّا في فوضى الرحيل. نستحث خطانا خلف أرواحنا التي تفر من أجسادنا وتتقدم في المجهول.
كان لبعض العائلات مثلنا، دواب. وفي حرج دابتنا “الأميرة” أودعت أخيك سليم؛ ولدي الوحيد آنذاك. كان في الرابعة من العمر ودائم البكاء من ألم ما، وربما من الجوع والعطش. ولما كنا نشرف على دخول قرية رميش اللبنانية الواقعة على الحدود، تفقد أبوك سليماً فوجده أزرقا ومحموماً ينازع الروح. لكنّه لم يخبرني خوفاً من انهياري لكنه وفي وقت لاحق حين استقرينا في المخيم، وفي لحظة من فيض الشجن، أسرّ لي بأنه سمع الصبي يعاتبه، أو تهيأ له بأنه يقول: “إلى أين تهرب بي يا أبي، والصحراء مليئة بالذئاب”.
حين دخلنا القرية لم نصادف أحداً من سكانها، وانتبهنا إلى أنّ أبواب وشبابيك البيوت مغلقة، وليس في الطرقات سوى الكلاب السائبة التي تعوي علينا. لم نكن نريد أكثر من الماء لأجل سليم وبقية الأطفال الذين يتلوون في أحضان أمهاتهم، بحثنا حتى وجدنا زريبة مواشي على طرف القرية ونحن نغادرها. في الزريبة أوعية عبئت بماء لسقي الدواب والمواشي، شربنا منها، ومسح أبوك من هذا الماء المليء بالطفيليات جسم سليم. حين خرج أبوك من الزريبة كان غاضباً وبعيون محمرّة ليطلق صرخته المدوية التي رددتها الجبال والوديان:
– ليش يا رميش، إحنا ما كان بدنا منّك غير شربة مي
ولكن نصيبنا كان أوفر كرماً في القرى التالية التي مررنا بها، حيث وجدنا بعض الناس في الطرقات ينتظروننا بكلمات مواسية وبأباريق الماء وكسرات الخبز. وذكر بعض اللاجئين إنّ بعض القرى استقبلتهم كسياح، وكانت تعرض عليهم خدمات مقابل الدفع بالجنيه الفلسطيني”.
تجهش أمي فيما أبلع أنا غصتي تأثراً بدموعها التي طفرت من مآقيها فجأة، واسمعها تقول:
” يا ولدي بعد أنْ كنّا أناساً كراماً لنا الشجر والحجر ونرفل بالنعمة والخير في بلادنا، أصبحنا هنا في المخيم نستجدي لقمة العيش”..
ويرتفع صوت نحيبها، فيما أنا أخبئ وجهي في حضنها؛ تغالب دموعها وتقول:
– ليش بتبكي يا حبيبي، تبكيش يمّا
مقطع من رواية عين الحلوة قيد الاعداد

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً