قراءة في رواية “اللواجيست” للروائيّ عبد المجيد يوسف / نورة عبيد

+ = -
نورة عبيد
صدرت رواية “اللواجيست” للروائيّ  والباحث في الأدب والنقد الأستاذ عبد المجيد يوسف عن دار الوطن العربي في اوائل سنة 2022.
وفيها  تجلّى سعي  الباحث إذا قضّى عمرا من العمر يرعى اللغة والكلمات.. فتكون ” نجمة الراعي” أو ” اللواجيست”  مكانا /بيتا  بناه الكاتب  المنشئ  لننزل به وننال منه المنزلة التي بها كانت إقامتنا والكلمات.
في اللواجيست المكان متحرك وليس الزمن. من الرابعة  فجرا إلى الرابعة فجرا. تشق  سيارة الأجرة تونس العاصمة من نهجدالبرتقال بباردو  إلى  محطة التقل البريّ” باب عليوة”. وتشقّ الجمهورية من باب ماطر من بنزرت إلى المستشفى المحلي برمادة.. وأنت ترافق اللواجيست و الراكبة الطبيبة تؤم الطريق قصدا إلى الصحراء تداوي العلّة علّتها إذ كانت مخيّرة لا مجبرة في ان تلتحق  بالمشفى.
نجمة الراعي؛ العنوان الفرعيّ.. ولئن كان الأثر أجناسيا رواية كما يشير الغلاف. فإنه نهل من الأقصوصة روحها ونصغها فانبنى إيقاع الرواية على التكثيف والإختزال المريح وشدّ  الشخصوص والأحداث شدّا لا إهمال فيه لشاردة وواردة. فكانت حبكة “اللواجيست” حبكة التفصيل لا التلميح والتصريح لا التجريح.. للمكان فيه سلطة على الشخصيات انطقها السارد في بهجة الحلول في الأرواح. فتكلّم لغتهم في شعريّة شعبيّة حيث غلب اللبلابي والفطيرة البيتزا أراييح تبلّ العروق.. وحيث يتحوّل المقعد المحاذي للواحيست مقعدا لإطفاء ضمئ الغرائز إذ يؤثره لأنثى يخدمها بيد ويقود الراكب لمكانه باليد الأخرى.
اللواجيست.. سفرة من باب عليوه إلى قابس مدنين تطاوين.
أمّها القابسي والمطوي والصفاقسي والبَنزرتية..والرجل بالمقعد الأماميّ والآخر بالخلفيّ.. والسفرة رحلة طوت المكان طيّا حين خرجت من الهزل إلى الجدّ في أكل المسافات بعد حمام الأنف.. أتى فيها الروائيّ  على كل تونس عاصمة وجمهوريّة وعرّج على ليبيا والإسكنريّة. وعاد بك إلى قصر حمدون للشريف  الإدريسي بتطاوين.
وماذا في اللواج غير الكلام سيّد الآنام.. ففيها  تدار القضايا على ألسنة العابرين للسبيل نحسبهم سابلة وفيهم الدكتور والطبيبة و الإرهابيّ. المرا والراجل.. التونسيّ ومنتحل الجنسيّة التونسيّة ڨابسي ويسأل على ڨابس! ومنهم  الصغير والكبير. وإلي شوكتو واقفه ودمو حامي.. ومنهم من لا ينطق بغير الحق..قدر ما سمع يضيف. يهدي للطريق إذا عزّ.. ففي صخب المودرنيزم والديمقراطية والأحزاب والتعدديّة الدنيا لوحة تكعيبيّة.. فمع الراكبين ينطق المذياع بأخبار  عن بوتين  والمنطقة العازلة وكردستان العراق… وتسمع  أنّ الحرب هي المحرّك الأساسيّ للتاريخ وأن الاستعمار يثبت أنّ الإنسان فرد ما يهمو كان في روحو… أمّا هناك في ڨصر حمدون تلمت الڨبايل وعملت دولة ولا حلّ لليبيا كان إذا غلبت الفرد القبيلة…. ايه الحرب أتت على اللواجيست وخط ڨابس مدنين تطاوين.. وكسدت البضاعة بضاعة الراكبين… بضاعة تحوّلت إلى لوحة تكعيبية الجرجيسي صاحب البرنس والطبيبة  داخلين في حزام آمان واحد.. والجرجيسي صاحب المقعد الأمامي عاش في اللواج متلفتا لصاحب المقعد الخلفي … والجرجيسي صاحب البرنس حاجز إلى حين انتقل إلى المقعد الخلفيّ.بين اللواجيست والطبيبة… تلك التي فزعت من ذئبي الطريق والعقرب التي لم ترها وحبيب ربما خان تركته بباب ماطر او الرابطة… لتبلغ رمادة واللواجيست.. راع ونجمة.. والراعي يحرص ما يرعى من الذئاب والكلاب وحتّى الذباب.
اللواجيست لعبد المجيد يوسف رواية او نوفيلا مؤهلة سلفا لتكون مرئية بالتلفزة والسينما إذا اهتدى لها لاقطو الصوت والصورة.. لوجدوا لغة صفوية شعريّة. يخبر  السارد عن شخوصه. فتنداح شعبيّة بكل طميمها إذا نطقوا.. شعبيّة المذاق توافق هويتهم ومشاغلهم.. وتشدّ بعضها بعضها كما شدّوا في بعض. تطالب كما طالب أحدهم بعجلة الاحتياط حين  انفرقعت عجلة سيارة الأجرة بعيد القيروان… فيها اللغة هويّة الراكبين و صفاتهم الجندريّة والعاطفيّة والسياسيّة والثقافيّة..
رحلة اللغة تحتفل بالإنسان ابن ايّ مكان يشير إلى جدوى الاهتمام بالصحراء.. ففيها خير وخطر.. وعلم عن السماء.. ورجاء في مرعى يشدّ القلوب من باب ماطر إلى  رمادة ومن نهج الورد بباردو إلى كلّ الورود.
هذا الروائيّ على خطى سيدي البشير خريف في نهجه السرديّ ونصيبه من اللغة الصفويّة القحة وأختها الأم  الدارجة ننطق بها ونكتب لانها ببساطة نحن… والرواية نحن  وتخييل ذاتيّ لما نسمع ونرى. تجريبيّة  تنقل العين والأذن أخبارا تسجيليّة في هودج التخييل الفنيّ الممتع.. تنطق أمكنة قائمة بالفعل بكلّ مرجعياتها الواقعيّة في حلل التخييل الذاتيّ والتناصيّ مع أشهر الروايات العالميّ. تنقل معارف جمّة على درب جمع مسافرين على طريق خطّ الصحراء؛ ڨابس، مدنين، تطاوين.
للرواية إيقاعات متناغمة ومتنافرة كشأن راكب سيارة أجرة يشدّ العاصمة إلى أقسى الجنوب التونسيّ..محكومة بساعة الانطلاق التي تحرّكت بطيئا إذ عزّ راكبو الجنوب.. وهي أيضا محكومة بساعة الرجوع والتي كانت سريعة عجيبة.. عاد اللواجيست وفي قلبه نجمة تداوي العلّة وتنقّي العوسج وتدفع التعب…. فالطبيبة سكنت القلب والكلمات. أعادها السبيل إذ تذكّرا معا أنّهما التقيا حين كانت تعمل بمستسفى الرابطة..
رواية الأربع والعشرين ساعة تهمل الأسماء، لتهتمّ بالطريق واتعابه وحمله ومفاجآته… رواية ساردها اهتمّ بالأحوال ليكون شاهدا على المسافات كيف تتحوّل دروبا تجمع القلوب قبل النقود.
Image preview
نورة عبيد / كاتبة تونسيّة.

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً