ريم الكيلاني:الفنان الملتزم بفلسطين حياته صعبة في الغرب

+ = -
أصدرت المُوسيقيَّة والمُغنيَّة الفلسطينيَّة ريم الكيلاني ألبُومَها القصير “قالَ المُغَنِّي: طائِرُ السَّحَر(*)، ويتضمن أغنيتين. الأولى: “قالَ المُغَنِّي” من شعر محمود درويش، وألحان ريم الكيلاني. والثانية: “مرغ سحر [طائِرُ السَّحَر]” باللغة الفارسيَّة من شعر محمد تقى بَهار، وألحان مرتضی نی‌ داوود، وتوزيع ريم الكيلاني. ترافِقها في العزف نُخبة من المُوسيقيِّين المُتميِّزين: باسل زايِد على العود (فلسطين)، برُونُو هاينِين على الپيانو (بريطانيا/أميركا)، رَيان تريبِيلكوك على الكونترباص (بريطانيا)، فَريبُرز كِيانِي على طبلة اﻠ “تُمبَك” الإيرانيَّة (إيران)، ريكاردُو كيابِيرتا على عُدَّة الطُّبُول “درامز” (إيطاليا)… هذا الإصدار هو جُزء أساسيّ من مشروع ريم، والذي يبحث في مُوسيقى المُجتَمَعات التي نشَأَت معها في الكويت، وكذلك الأخرى التي تعيشُ معها الآن في بريطانيا وهي لطالما اعتبرت “الغناء هوية”، وتختار الشعر الحديث للغناء، من بريخت الى محمود درويش، وشخصيتها كوزموبوليتية تشكلت بين الولادة في بريطانيا والتقرب من موسيقى الجاز ونينا سيمون، إلى جانب التواصل مع التراث الفلسطيني، وما بين تعدد الأمكنة والثقافات، تكوّنت شخصية صوتها وتجربتها. في صوتها سحر الأداء، يمتزج مع رصانة الكلمة الشعرية. هنا حوار معها..

– ما سر اختيار أغنية بالعربية وأخرى بالفارسية؟

* الأُغنيتان جزء من المَشرُوع الجاري الذي أبحثُ من خلاله في موسيقى المُجتمَعات التي نشأتُ معها في الكويت، والأخرى التي أعيشُ معها الآن في بريطانيا (وهي مسقط رأسي في الأساس). جاءت الفكرة بعد وضع الرئيس السابق دونالد ترامپ بعضَ الدُّول الإسلاميَّة في لائحة “حظر السَّفر” قبل سنوات، وقرَّرتُ حينها أن أجمَع وأُوَزع موسيقى وأغنيات تُمَثل هذه المُجتمَعات، واكتشفتُ بالصُّدفة أنّني نشأتُ مع أغلَبِها في الكويت، وأعيشُ مع الكثير منها الآن في بريطانيا.
بالنسبة للأغنية الفارسيَّة، “مُرغ سَحَر” [طائرُ السَّحَر]، فهي جزء طبيعي من المَشرُوع، لأنّني تعرَّفتُ على الموسيقى الفارسيَّة أثناء سنوات نشأتي في الكويت في السبعينات والثمانينات.
أما الأغنية العربيَّة، “قال المُغَنِّي”، فهي من اختياري وتلحيني لقصيدة لمحمود درويش بالعنوان نفسه، لأنّ كلمات القصيدة تنطبقُ على حياة ومسيرة المُغَنِّي الإيراني الكبير محمد-رضا شَجَريان.

– ماذا يعني أن تغني بالفارسية، لماذا الفارسية بالذات؟

* ليست الفارسيَّة “بالذات”، بقَدر ما هي جزء من المَشرُوع الأكبَر الذي ذكرتُه في إجابتي أعلاه. فهناك أغنيات مُستَقبَليَّة باللغات الإنكليزيَّة والإسپانيَّة وحتى الصُّوماليَّة، ولا ننسَى العربيَّة بطبيعة الحال. قرَّرنا إصدار الأغنية الفارسيَّة قبل بقيَّة الأغاني، بعد سماعِنا خبر وفاة شَجَريان، رحمه الله.

– ما الانطباع الذي يترافق مع تقديم أغنية بالفارسية، وهل فضاء اللغة الفارسية قريب من العربية؟

* الانطباع  الشخصي هو أنّ سَماع اللغة أو الأغنية الفارسيَّة ليس غريبًا بالنسبة اليّ، نظرًا لنشأتي في الكويت. في السبعينات على سبيل المثال، كانت مَوجات القنوات الرَّسميَّة الإيرانيَّة تَصِل الكويت، وكان بإمكاننا الاستماع إلى الراديو ومشاهدة التلفزيون الإيراني.

– ما صلتك بالمُوسيقار والمُغَنِّي الإيرانيّ، محمد-رضا شَجَريان الذي أهديته الألبوم؟

* لا صلة شخصيَّة، لكن الصِّلة مع إبداع محمد-رضا شَجَريان وصوتِه ومَقُولتِه الفنيَّة والسياسيَّة هي تجربة سَمعِيَّة ووجدانيَّة. سمعتُ صوتَه منذ طفولتي في الكويت، وكنت أتوقّفُ لدقائق حين أسمعُه يُغَنِّي بأسلوب يُعرَف ﺒ “التَّحرير” في الموسيقى الفارسيَّة، حيث يُطلِق المُغَنِّي أصواتًا تَشبَه تغريد البُلبُل من ناحية تقنيَّة دقيقة. كما أنّني ممن تأثَّرُوا بمسيرة شَجَريان الفنيَّة التي لم يفصلها أبدًا عن مَقُولته السياسيَّة. فكان صوته دومًا مع الشَّعب، سواء كان ذلك أيام الشَّاه أو أيام الجمهوريَّة الإسلاميَّة في ما بعد. وفي الحالتين، دفع شَجَريان ثمنًا باهظًا لالتزامه بالشَّعب قبل أي أحدٍ آخر.

– كثرٌ غنوا من كلمات الشاعر محمود درويش، ما الذي يميزك عن الآخرين في تقديم أغنية من كلماته؟

* لا شيء يُمَيِّزُني شخصيًّا عن الكثير غيري ممَّن أبدعوا في غناء أشعار محمود درويش. مجرَّد أنّ كل فنّان له سبب خاص لتلحين وغناء الشعر، سواء كان لدرويش أو غيره. في العام 1992، كانت لي فرصة الغناء على المسرح في أمسية لمحمود درويش في لندن. فكان، رحمه الله، يُلقي القصيدة، ثم أُغَنِّيها من ألحاني. وفي العام 2005 لحّنتُ قصيدة “مَوَّال” لدرويش، والتي كتَبَها بعد هزيمة 1967. وأدرَجتُ الأغنية ضِمن ألبُومي الأوَّل “الغِزلانُ النَّافِرَة: أغاني فلسطينيَّة من الوطن الأُم ومن الشَّتات”. كلماتُها الافتتاحيَّة ما انفكَّت تُؤَثر فيّ إلى يومنا هذا:
خَسِرتُ حُلمًا جَميلًا
خَسِرتُ لَسعَ الزَّنابِق
وكانَ لَيلِي طَويلًا
على سِياجِ الحَدائِق
وما خَسِرتُ السَّبيلا

– سجّلتِ الأغنيتين خلال الحجر الصحي بسبب كوفيد، هل الحجر يمكن أن يثمر موسيقى مختلفة عن الفترات التي يكون فيها المؤلف حراً؟ ما الصعوبات التي واجهتك؟

* التسجيل خلال الحجر الصحي فُرِضَ على الموسيقيين والفنّانين في العالم كله. قد يتوقَّف التَّواصُل الشخصي، على سبيل المثال، لكن كيف للموسيقى أن تتوقَّف؟ وكيف للفنّان أن يتوقَّف عن الغناء أو التلحين أو التوزيع؟ النقطة الإيجابيَّة التي أعتقد أنها نَتَجَت عن هذا الأمر الواقع هي أنّنا – كموسيقيين – تواصَلنا مع بعضنا البعض بدافِع أقوى من مجرد التلاقي في الپرُوڤا [جلسات التدريب]. فكان كلٌّ منّا يُرَكز أكثر على عزفِه، واكتَشَفنا من خلال هذا طاقةً إبداعيَّةً جديدة.
أما النقطة السَّلبيَّة التي لاحظتُها هي أنّه، رغم توفير أسعار استديوهات التسجيل الباهظة (في بريطانيا، قد يصل سعر استئجار الاستوديو – دون مهندس التسجيل – مبلغ 900 جنيه استرليني في اليوم). لكنّ عمليات اﻠ”مِيكس” [التحكُّم في مستوى كل آلة على حِدَة، ثم إضافتها إلى أصوات الآلات الأخرى] كانت أصعب، وأخَذَت منّا الوقت الكثير.

– ما أبرز ثمرات مشروع مُوسيقى المُجتَمَعات، وما أبرز التوقعات المرتقبة عن المشروع؟

* أرى أنّ المشروع بأكمله سيأخذ الكثير من الوقت، ولهذا قرَّرنا إصدار كل أغنية بعد تسجيلها على الفور. طريقة عملي هي التركيز بعُمق على كل ألبُوم وكل أغنية، وهذا يعني بَذل الجهد في إنتاج كُتَيِّب يحوي المعلومات الموسيقيَّة والفُلكلوريَّة، وترجمة الأغاني.
فهذا الألبُوم، على قِصَره، يرفقه الكُتَيِّب الذي يحوي الأشعار بثلاث لغات: العربيَّة والفارسيَّة والإنكليزيَّة. واستَغرَقَنا هذا الوقت الكثير، لأننا عملنا مع شعراء ومُتَرجِمين من جنسيَّاتٍ مختلفة. كما يحوي الكُتَيِّب نَصًّا فيه خلاصة بحثي في موسيقى شَجَريان. ثم جاءت عملية تصميم الغلاف والكُتَيِّب، التي استَغرَقَت ستَّة أشهُر لإنجازها.
للأسف، خصوصاً في الغرب، فإنّ المُؤسَّسات والمجلّات المَعنِيَّة بهذا النوع من الموسيقى ما زالت تنظُر إلى الأمر من ناحية ماديَّة وتجاريَّة بحتة، لا فنيَّة. لذلك، تراهُم لا يهتمون إلا بالألبُومات طويلة المدى، وإن استغرق العملُ فيها مدَّةً أقلّ من الألبُوم القصير الذي نطرحُه هنا. فترانا نضاعف عمَلِنا لترويج الألبُوم بجهودنا الخاصة.
وأخيرًا، ومن المؤكد ليس آخِرًا، فإن الحياة العَمَليَّة للفنّان الذي يعيش في الغرب والذي يَحمِل المَقُولة الفلسطينيَّة بصفة خاصة، والمَقُولة المُعادية للاستعمار بصفة عامة، هي حياة صعبة لا أتمنّاها لأحد. نمشي خطوة للأمام، وعشرين إلى الخلف. كما أنّ فُرَص الظهور في الإعلام والمهرجانات الموسيقيَّة صعبة، لا سيما حين نرفض أن يشاركنا المسرح فنّانٌ صهيوني.
وهناك أيضًا الجانب الماديّ الذي لا يُستَهانُ به. الفنّان المُستَقِل الذي يعمل خارج إطار الموسيقى التجاريَّة، سواء كان هذا في العالم العربي أو الغربي، يضطر أن يجد مصادر أخرى للرزق غير الموسيقى. وهذا ينطبق عليّ أيضًا، حيث أعمل بالتدريس والإذاعة والترجمة كي أتمكن من تدبير الدَّعم المادي لأعمالي الموسيقيَّة.
ولأنّ تجربة إطلاق هذا النوع من الأعمال مَحفُوفَة بالصعوبات، فمن الأفضل أن يلجأ الإنسان إلى التَّروي والدقة في العمَل، لأنّ التأخير حاصِل في الحالتين. لذلك، لن أتعجَّل في إصدار أيّ شيء، إلّا حين أتأكد أنّني قد وصلتُ إلى المستوى الذي أرتضيه، لي شخصيًّا، والأهم من هذا، للمُتَلقِّي.

(*) غلاف الألبُوم والكُتَيّب المُرافِق له، من تنفيذ مُصمِّمَة الغرافيك المصريَّة الشابَّة لُجَين زاهِر. كما قام الخطَّاط الإيرانيّ العالميّ بَهمَن پَناهِي بتزيين الغلاف والصَّفحات بخُطوطِه العربيَّة والفارسيَّة المُمَيَّزة. الصورة الشخصية الرسمية، بعدسة Alexander Short.

“المدن”

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً