والدة سيلفيا* /  ابرهيم موعد

+ = -
  ابرهيم موعد
لطالما أحببت سيلفيا  ، وتمنيّت أن تكون زوجة لي . ويوم رافقت أمي لطلب يدها ، ظهرت لنا في الباب بوجهها الشاحب ، وعينيها الدامعتين على الدوام . قادتنا الى الصالون ، وهرعت تخبّر أمها  بزيارتنا . بعد قليل ، حضرت أم سيلفيا التي كانت تكنّى بالست زكيّة . والمسّر ، أنها استقبلتنا على غير عادتها ، بحفاوة . لقد عُرف عنها ، رغم حسن حديثها ، أنها كانت إمرأة متشوّفة جداً ، وسيئة ألمزاج ، لدرجة أن زوجها هجرها ، ولم تكن سيلفيا تخطّت الثالثة من عمرها . وإستطاعت ألأم أن تعتني بإبنتها كونها كانت قادرة ماديّاً من خلال عملها كمدرّسة . بعد قليل من المجاملات بين ألمرأتين ، جاءت سيلفيا  بالقهوة ، وجلست قبالتي ، ورحنا بين هنيهة واخرى ، نتبادل خلسة ، النظرات والابتسامات .
بدأت أمي الكلام ، فقالت : جئنا يا ست زكيّة ، نطلب كرمكم بأن …
قاطعت الست زكيّة كلام أمي ، وهي تبتسم : حسناً ، كم تريدين ؟
فغرت أمي فاها مندهشة : أريد  ماذا ؟
حافظت الست زكيّة على ابتسامتها ، وقالت : أعني ، مالاً .
تنهّدت أمي وقالت : سامحك الله ، يا ست زكيّة . نحن هنا ، لنطلب يد ابنتك المصون  سيلفيا لإبني حاتم .
ارتسمت علامات الدهشة على وجه الست زكيّة لبرهة ، ثم قالت : لكن ألا ترين يا ام حاتم ، أن سيلفيا ، ما تزال صغيرة على الزواج ؟
ردّت أمي بنبرة ألعالمة بشؤون النساء : البنات ينضجن بسرعة . هن كالورود ، ومن الأفضل قطفهن قبل فوات ألأوان .
أجابت الست زكيّة بهدوء : سيلفيا ، لم تنه مدرستها بعد .
قالت أمي : لا بأس ، بوسعنا الانتظار .
تابعت الست زكيّة  : كما أن سيلفيا ، تريد إكمال دراستها في الجامعة .
قالت أمي : أيضاً ، لا بأس .
تساءلت الست زكيّة : أيمكن لإبنك الإنتظار كل هذا الوقت ؟
قالت أمي : ألأيام تجري كالريح .
اعتدلت الست زكيّة في جلستها ، وقالت بنبرة جدية : لست مقتنعة قط ، بما تقولين يا أم حاتم . من هي هذه الأم ألحمقاء التي تقبل بأن تعلّق مصير ابنتها بهذه الطريقة ؟
سألت أمي : إذن ، ماذا تقترحين ؟
أجابت الست زكيّة : اسمعي يا أم حاتم . ابنك وابنتي ، لايناسبان بعضهما البتة .
ردّت أمي : لكنهما متحابّان جداً .
قالت الست زكيّة بنفاد صبر : دعك من حرير الروايات ، وانظري الى الواقع جيداً  . ابنتي ستصبح استاذة جامعية ، بينما ابنك سيبقى نجّاراً .
قالت أمي : نعم ، انه نجّار . لكنه ،كسّيب .
قالت الست زكيّة : القصة ليست مالاً فقط ، بل مقامات .
فهمت أمي من جملة الست زكيّة ، أنها لا تنوي مصاهرتنا . رغم هذا ، وشفقة عليّ ، قالت بتذلّل يشوبه النحيب : ارجوك يا ست زكيّة ، لا تكسري خاطر الولدين .
حسمت الست زكيّة الجدل وقالت : سيلفيا ، ليست من نصيبكم . ثم هبّت واقفة كرمح ، وأضافت بعجرفتها المعهودة : زيارتكم انتهت .
لم تفوّت أمي إهانة الست زكيّة لنا ، فصرخت في وجهها : حقاً ، إنك إمرأة قليلة ألأدب ، وسائبة . ولعن الله الساعة التي قادتني اليك .
غادرنا بيت الست زكيّة خائبين . وطوال الطريق ، لم تتوقف أمي عن لوم نفسها لقبولها مرافقتي لطلب يد سيلفيا . وفي البيت ، لم أسلم من سخرية أبي الذي لم يكن يكّن ألود للست زكيّة ، لتعجّرفها . لكن شقيقتي ألكبرى ، وعدتني بأنها ستبذل جهدها ، لإقناع أم سيلفيا بتغيير موقفها . فأثلج ذلك قلبي لبعض الوقت . وبعد أيّام ، إعترضّت طريق سيلفيا أثناء عودتها من ألمدرسة ، وسألتها : ما العمل ؟
أجابت : أمي متسلطة جداً ، ولا استطيع الخروج عن طوعها .
عدت الى البيت غاضباً ، وأخبرت الجميع بأن ينسوا أمري مع سيلفيا . فسّر أبي ، وأشفقت أمي وأختي عليّ .
بعد مدة ، عملت في معرض للمفروشات ، فتحسّن راتبي ، كوني كنت اشارك في تصميم بعض الأثاث . في الاثناء ، ومن دون أن تدخل الجامعة ، خُطبت سليفيا لشاب يعمل في الخليج . فطار صوابي ، وعزمت على محادثتها  لعلّني أفلح بإشعال نار حبّنا من جديد ، وتالياً ، تفسخ خطوبتها . فقصدت السنترال ، ولحظّي العاثر ، كانت أمها على الخط . وكان لا بد لي من ألمواربة لأتمكّن من التكلّم مع سيلفيا .
سألت الست زكيّة بصوت سريع : ألو . من ألمتكلم ؟
قلت : مرحباً ست زكيّة . أنا زكريا .
إستغربت : زكريا من ؟
أجبت بتردد : زكريا ، حبيب سيلفيا .
ردّت بحنق : يا إلهي ! كيف تجرؤ على ذلك يا ابن فهيمة ؟
قلت بصوت خفيض : أرجو ألمعذرة ست زكيّة . لا داعي للحنق ألأن .
قالت متبرّمة : حسناً ، ماذا تريد ؟
قلت بصوت متهدّج : أريد أن أُكلّم سيلفيا .
سألت : لماذا ؟ ما ألمناسبة ؟
قلت :أريد فقط أن أطمئن عليها .
قالت ببرود ، وبلهجة حاسمة في محاولة منها لإنهاء ألمكالمة : إسمع يا هذا ، إن سيلفيا في غرفتها . وهي مشغولة ، مشغولة جداً لدرجة أنه ليس بوسعها مكالمتك .
ثم تابعت : وإذا أردّت أن تعرف عنها شيئاً ، فها أنذا أخبرك بأنها تحاول بملئ إرادتها ، بدء حياة جديدة . إنها سعيدة جداً ، فلمَ لا تدعها وشأنها ؟
قلت راجياً : أرجوك ست زكيّة ، أريد أن أُكلّمها . فقط ، سآخذ من وقتها ألقليل . أريد أن أقول لها وداعاً ، فحسب .
 تابعت أم سيلفيا كلامها بنفس ألوتيرة : حسناً . أسمع أيضاً التالي : سيلفيا ألأن ، منهمكة بحزم حقائبها . ستغادر ألمنزل للإلتحاق بزوجها . لذا ، أرفض أن تحادثها . أخشى أن تقول لها شيئاً يبكيها ، فتغيّر خططها ، ولا تسافر قط .
قلت موارباً : عفواً ، ست زكيّة . لما أفعل هذا ؟ أنا فقط ، أريد توديعها .
الست زكية : لا أستطيع .
قلت بإلحاح : أرجوك ست زكيّة . ، دعيني أقول لها وداعاً .
ساد صمت قصير ، ظننت خلاله أن الست زكيّة تراجع نفسها . وربما تكون أشفقت عليّ ، إذ أحسست ببعض أللين في صوتها وهي تقول : حسناً ، سأدعك  تكلّمها . ولكن عدني أنك لن تقول لها شيئاً يغيّر رأيها ؟
قلت  : أعدك بذلك
 بيد أن أملي ذاب في غضون ثانيتين ، إذ عادت أم سيلفيا عن قرارها وتذرّعت قائلة : لا ، لا أستطيع . فسيلفيا في عجلة من أمرها . ينبغي عليها ألإسراع الى ألمطار لتلحق بالطائرة . وبغتة ، سمعتها توجّه كلامها الى سيلفيا  : لا تنسي ألمظلّة يا سيلفيا . يبدو أنها ستمطر  . حدست للتو ، أن سيلفيا كانت بجوار أمها أثناء ألمكالمة من غير أن يكون بوسعي تحديد متى كان ذلك بالضبط . أكان في أولها ، أم وسطها ، أم أخرها ؟ ووجدتني أتساءل : هل كانت سيلفيا ألمسكينة تجهل أنني كنت أنا ألمتصّل رغم ذكري لأسمي ، ورغم أن ألكلام كان يدور حولها ؟ أم أنها كانت تعلم ذلك ، وتالياً لم تحرّك ساكناً لوقوعها تحت سيطرة أمها ؟ هنا ، بدا لي أن الست زكيّة أدركت خطأها . فبادرت الى إنهاء ألمكالمة بالقول : شكراً على إتصالك يا سيّد . ولا تفعل ذلك ثانية .
بيد أني واصلت كلامي : أرجوك ، ست زكيّة ، أريد أن أُكلّم سيلفيا . أريد ألقليل من وقتها ، فحسب . أريد أن أقول لها وداعاً … أن أقول وداعاً …
فطنت أخيراً ، أني كنت أجتّر وداعي لسيلفيا ، في سمّاعة أُغلقت في وجهي منذ دقيقتين .
     * (بتصرّف ) . أغنية قديمة من بداية السبعينيات ، أداء فرقة Dr Hook & The Medicine Show الامريكية . لهواة النوع ، ننصح بالاستماع الى الاغنية .
   ابرهيم موعد
   صيدا / تموز 2018

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً