ظاهرة التفلسف في عصر العِلم! / أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

+ = -

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

(أنْ لا تصل متأخِّرًا: خيرٌ من أنْ تصل)

 

-1-

إنَّ التفلسف بعد فوات الأوان لا يقدِّم ولا يؤخِّر، بل هو ضربٌ من التلهِّي بالكلمات والأفكار، وصرفٌ للجهود عمَّا هو أهدى وأجدى.

ما يحدث لدينا أنَّ ما كان محرَّمًا بالأمس قد يُصبح اليوم مندوبًا، بل ربما أصبحَ هَوَسًا مَرَضيًّا، ولكن بعد انقراض أوانه وعصره! ذلك أنَّنا غالبًا إنَّما نقلِّد ماضيًا، أو آخَرًا، وإنْ متأخرين. لا بُدَّ من تقليدٍ، وإنْ طال السَّفَر، وإنْ تَحَنَّى كُلُّ عَوْدٍ ودَبِر!

تُرَى أ نحن نسعَى إلى استعادة عصور التنوير بعد أن صَوَّحَت أغصانها؟

أم صحيحٌ أنَّ العِلم لا ينهض إلَّا على أساسٍ فلسفي؟

تلك نظرةٌ تقليديةٌ بدَورِها، كانت تُعلَّق لافتاتها قديمًا في الممرَّات والأروقة التنويريَّة.

إنَّ التفلسف اليوم، وفي عصر العِلم والتقنية وغزو الكون، يُعَدُّ ظاهرةَ تخلُّف، وتراجُعٍ إلى القرون الغابرة! على أنَّ هذه ليست بظاهرتنا اليتيمة في ميادين التقاليد المتأخِّرة، التي تقفز بين حينٍ وآخَر في مسعًى لاستدراك ما فات، ولو في هزيعٍ أخيرٍ من التاريخ، وبعد أنْ يندثر عصر السِّلعة الباهرة. وإنَّما يأتي هذا أحيانًا في خطابٍ متطرِّفٍ، يَرُدُّ على خطابٍ متطرِّف. الأوَّل كان يخشى من التفلسف لخشيته من حُريَّة التفكير أصلًا، الذي قد يُهدِّد حصون إجاباته المتوارثة، والآخَر صار يُظهِر، في المقابل، هوسًا مفرِطًا بالتفلسف، بمناسبةٍ وبغير مناسبة، وفي كلِّ شيء، لا لشيء، إلَّا في سبيل مناكفة الدِّيك الأوَّل. وكلا الدِّيكَين ما ينفكُّ على كلِّ عودٍ يصيح، عبثًا، صُبحًا وعشيًّا!

ولئن كان للفلسفة من دَورٍ في تأسيس بعض العلوم قديمًا، وفي الإجابة عن بعض الأسئلة العتيقة، فتلك حقبة تاريخيَّة، قد تجاوزها الزمن، ولم يَعُد من المشروع اليوم سِوَى أن تُدرَس تاريخيًّا، كتجربةٍ إنسانيَّة، عفى عليها الزمن. لا معنى لاجترارها، أكثر من الإمعان في تبعيَّة الماضي، والدَّبِّ على دروبه، التي ما عادت توصل إلى شيء.

لقد أدَّت الفلسفة مهمَّتها إبَّان عصر التأمُّلات الطفوليَّة البَشريَّة، وانتهت صلاحيتها للحياة؛ لأنَّ العقل الجمعيَّ قد شَبَّ عن الطَّوق منذ (نيوتن)، “عليه من الله ما يستحق!” وما محاولات إضفاء أُطُرٍ فلسفيَّةٍ على الحركة العِلميَّة المعاصرة غير مراوداتٍ تدجينيَّة للعِلم؛ كي يبقى تحت السيطرة، فلا ينفلت من عقاله. وتلك مرحلةٌ آيلةٌ إلى زوال، ما بَرِحت تمارِس مع العِلم اللعبة نفسها التي مارستها الإديولوجيَّات قديمًا مع الفلسفة، ترهيبًا وترغيبًا.

-2-

ولقد مرَّت بالعَرَب المعاصرين مثل هذه الحالة من اللهاث متأخِّرين للحاق بركبٍ ما، مرَّاتٍ ومرَّات، وفي ميادين شتَّى. من ذلك، مثلًا، ما تطرَّقنا إليه في مقال سابق من تمظهرات هذا المرض في ميدان الأدب، في ما سُمِّي بالشِّعر المسرحي العَرَبي. وقد بدأت أعراض هذا المرض منذ “أمير الشُّعراء” (أحمد شوقي)، وغيره من أبطالنا في سباق القفز على الحواجز الثقافيَّة والتاريخيَّة. على الرغم من أنه ليس من المبالغة القول إنَّ مسيرة التراث الشِّعريِّ العَرَبيِّ كانت قد انتهت قديمًا إلى ما انتهى إليه الشِّعر الغربيُّ حديثًا؛ إذ آلتْ تلك المسيرة إلى طورٍ جُعِل فيه ميدان السَّرد الأرحب فنونَ النثر، من السِّيَر، والأخبار، والأيَّام، والليالي، والحكايات، والمقامات، والرسائل، ما كان منها جاهليًّا أو إسلاميًّا، فصيحًا كان أو شعبيًّا. فيما كان العَرَبُ قد عرفوا حقبةً عتيقةً، كتلك التي عرفها الإغريق، من اتخاذ الشِّعر وعاءً للسَّرد الملحميِّ والقصصي. تشهد على تلك الحقبة “ملحمة كَلْكَامش”، نموذجًا، في التراث الأكديِّ، الأقدم من تراث الإغريق. هذا إذا نُظِر إلى التراث العَربيِّ بمفهومه الشامل، بما فيه تراث العَرَب المهاجرين، خلال عصور سحيقة، إلى خارج الجزيرة العَربيَّة. كالأكديِّين؛ الذين تهيَّأت لهم من الظروف الحضاريَّة ما لم يتهيَّأ لعَرَب الجزيرة؛ فكان لهم- بسبب ذلك التحوُّل الحضاري- شِعرٌ موضوعيٌّ ملحميٌّ- عُثِر عليه في القرن التاسع عشر- أو غير ملحميٍّ، اندثرَ، أو لمَّا يُعثَر عليه بعد.

إذا كان هذا هكذا، فإنَّ من المفارقة أنَّه- بعد أن انتهى عصر المسرح الشِّعري في العالم أجمع؛ من حيث إنَّ ضروراته القديمة قد امَّحت- استيقظَ بعض العَرَب، في القرن العشرين، ليعيدوا مجد (إسخيلوس)، و(سيفوكليس)، و(شكسبير)، وأضرابهم؛ وليمحوا عن الشِّعريَّة العَرَبية ما ظنُّوه عارَ غيابِ الفنون الموضوعيَّة. وبذا شهِد القرن الماضي، ومنذ بداياته، محاولاتٍ مثابرةً لاستدراك ما تُوُهِّم أنَّه قد فات أُمَّةَ العَرَب بين الأُمم، من أن تكون لهم “إلياذة”، أو تكون لها “أوديسة”، أو “شهنامة”، أو تكون لهم مسرحيَّاتٌ شِعريَّة؛ فنَظَمَ النظَّامون، وأَسْطَرَ المؤسطِرون، ونَظَّرَ المنظِّرون. لأجل هذا جاء ما نَظَمَه (شوقي) من مسرحيَّات، وما تسارع إلى نظمه آخَرون، ممَّا سمَّوه بملاحم شِعريَّة. وجاء ما حاوله (سليمان البستاني) في مقدِّمته لـ(إلياذة هوميروس) من تلمُّس ملاحم وقصصٍ في شِعر العَرَب القديم. وكذا ما تعلَّق به (بدر شاكر السيَّاب) وغيره من اجتلاب الأساطير القديمة، اجتلابًا أشبه بتقنية التشبيه، أو بالكنايات التقليديَّة، منه بعمليَّة التخليق الفنِّي الحيِّ لأنفاس أُسطوريَّة، يصطنعها النصُّ الشِّعريُّ ابتكارًا. لتنتهي تلك المحاولات جميعها نهاياتها العقيمة؛ من حيث هي لا تعدو رِدَّةً فنِّـيَّة، تزعم أنها آتيةٌ بما لم يستطعه الأوائل، في سبيل لحاق الخيال العَرَبيِّ السامي بركب الخيال الأوربيِّ الآري. والحقُّ أنَّه إنْ كان غيابُ مُنجَزٍ حضاريٍّ نوعيٍّ عارًا في الماضي- وما هو بعارٍ على كلِّ حال- فإنَّ حضوره التقليديَّ المتأخِّر هو العار بعينه؛ لأنَّه بمقدار ما يظلُّ التقليد معيبًا، يظلُّ تقليد الماضي البالي أَعْيَب!

أنْ لا تصل متأخِّرًا: خيرٌ من أنْ تصل!

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً