مقتطف سرديّ من رواية الفتيان “نَمِرُ الثّلوج”/ رجاء بكريّة

+ = -
رجاء بكريّة

(المغامرات بنتُ المسافات تبدأ بخُطوة، ثمّ تبتعد أو تقترب)    

حُدودُها طَمعُ  المخيّلة,,,

رجاء

كيف تستحيل حبّة السّمسم إلى عريشة

الفجرُ موعِدُهُ مع القلب قلبِه، والقلب يعني أن يتنابتَ الأخضر في بياضِ عينيه ويبني عُشّ براعم بينَهما.

صمّم على أن يرى حبّات السّمسم تُزهِر، فانتقى أكثر المواقعِ قُرباً من الشّمس وقت شروقها، وأيان غُروبها. لحسة الضّوءِ الّتي تلسعُ طرفَ الأصيص ستكون كفيلة بتهيئة دفيئة حقيقيّة لجنين حبّات السّمسم، هذا ما قرأه عن شروط إنبات البذور وأساليب رِعايتِها، وهذه العائلة بالذّات لرقّتها وصِغرِ حجمها تحتاجُ رعاية مضاعفة. حتّى أنّهُ لفرطِ قَلقه فكّر أن ينقلها جانب وِسادتِهِ.

كان يستيقظ ساعات الفجرِ الأولى. في منتصفِهِ وقبل طلوعِ الشّمسِ بساعتين، يتحسّسُ ويتفقّد. يسقي ويرعى، ويلاحقُ خيوط الشّمسِ كلّما مالت.

مرّ شهرٌ ويومان، حينَ خفقَ قلبُهُ بشدّة تحت شُحنة العتمة الأخيرة الّتي انتشرت حول أصّيصه الحبيب. في العمق لاحظ رأس ورقة باهتة الخضرة يشُبُّ إلى أعلى كأنّما يُعلِنُ عن ولادةِ. ليست ككلّ الوِلاداتِ قطعا، فمسافتها شهور كأنّها سنوات.

صدّق شوين حين خاتلَ الرّأس الأخضر الصّغير دمعتهُ الصّغيرة أنّ الحُلُم أكبر من الواقع. هو الآن يتحدّاهُ بلؤمِهِ وطيبِ عطاياه. ولقد قفز مع سُحُبِ الضّوءِ كما قفز تماما تحتَ شتاءِ العام الحزين أمام أصّيصه الأوّل، الّذي ظلّ فارغا دون خجل منهُ أو رحمةٍ به.

رأس خضراء صغيرة ترتوي الآن بدمعاتهِ الصّغيرة الّتي تناثرت بكلّ اتّجاه. كم كان المخاض مؤلما، وكاسرا للرّوح. هو الآن يحتفي بصبرهِ، ويوزّعُ رسائل انتصار للشّمس الّتي تأتي وتغيب وللقمرِ الّذي خذل سهر لياليه معه. بعد قليل سيستطيلُ رأسها وتفردُ ذراعيها. وتوزّع فَرَحها أذرُعا كثيرة تُراقصُ الرّيح.

هل ينتهي الحُلُم عِندَها، أم أنّهُ يبدأ الآن؟ لا يريدُ أن يعرف، وهو يتأمّل رأسَها المدوّرة مسحورا بالتفافها الغريب على نَفسِها. قرفص إلى جانبها حتّى امتلأ الكَونُ ضياء. ولم يذهب ذلك الصّباحُ إلى مدرسته. ولم يتفقّد دفاتره. هي الآن مدرستهُ الوحيدة، ومنها سيتعلّم نظام الكون. ولم تُجدِ محاولات والدهِ المسحور هو الآخر بإصرارِ ابنهِ على خلقِ دورة مُدهِشة للطّبيعة من بذور قليلا ما تتفتّحُ بين أيدي مزارعين مُجرّبين.

احتضانهِ للحظاتِ نموّها أبطأ جُرؤتها في النّهوض. إنّها من نوع النّباتات الخجولة. هذا ما قالهُ والده، فأقنعهُ بالعودةِ إلى دراستهِ ومتابعتها، كما فعل حتّى الآن، من مسافةِ قلبه. وكانت هي، السُّمسُمة الصّغيرة تنتفخُ. تكبُرُ وتتهادى دلالا خَجِلاً كلّما تحرَّشَ بِها الهواء.

شهرين وبضع ساعات، بدأت تُدوِّخُ الجِهات بظلالها الوارفة. أصبحتْ مثل عريشة صغيرة. أكَمَةُ قلب يتحرّكُ، أو يتعمشق. و شلّة كبيرة من صغار الخنفُساء تُلوّنها. بُعيدَ أيّام لاحظ شوين خروج أوّل زهرة صفراء من إحدى عيونها الكثيرة. عند ساعات الفجر الأولى، وقبلَ أن تسقُطُ سيقانُ أولّ جُندُبٍ لفرسِ النّبي سُليمان عليها. كم تأثّر الصبيّ بالمشهد! وكم عينٍ صفراء أُخرى اهتزّت جذلا ودَمعاً بين يديهِ وعلى وُجنَتَيه.

هكذا تصيرُ المُحاولاتُ إنجازات، هذا ما سجّلهُ في دفتر مُلاحظاتٍ جديد خصّصهُ للعائلة السّمسميّة, وهكذا أدرجَها واحدة تلوِ الأُخرى,

((حين دَفَنْتُ بذور السُّمسُم في الإصّيص ))

ملاحظة، 1)

منتصف فبراير

أتفاءل باللّون الأحمر، ولذلك اخترت إصّيصا من السّيراميك الأحمر الّذي يصنّعُهُ حرفيّو بلادي بفنّ عال، حتّى إذا وقع في عيني الإمبراطور يستحسنُ فِكرتَه. يشُيهُ قهوة أبيُ، وأنا متعلّقٌ برجاحةِ عقلِ أبي وقدرتِهِ على التّوازُنِ مع خياراتِه الكثيرة، خصوصا حين يتعلّق الأمر بأصناف البذور، وأفضلها في تهجين حبيبات اللّقاح الذّكريّة مع الأخرى الأنثويّة، يجيدُ انتقاء زهرات يَنتُج عن تهجينها أنواع نادرة من الزّهر خصوصا زهرة تاج المُلوك، الأوركيديا قاتلة الرّائحة، نفيسةُ سيّد البلاد.

بداية العمل كانت مؤثّرة جدا، وأنا ألمحُ على بُعدِ سنتمترات الإصّيص الأوّل الّذي خذلتني بذراته السّمسميّة العاقة. كنتُ أرتجفُ شوقا وخوفا من مستقبل البذور الجديدة. كتفي اليسرى لم تتوقّف طوال لحظات الغرسِ عن الرّقص يمينا وشِمالا، وحين أمسكتُها بكفّي الأخرى اليُمنى كي أهدىّء من رَوعِها ارتجفت أصابعي أيضا.

كان أبي يلاحظ ما يحدث لجسدي وهو يراقب مراحل الغَرس. اقترب منّي على حينِ تأثّر، وأنا مُقعٍ على حافّة الإصّيص أحدّق في نصاعة التّراب الأحمر، واحتضنَ رأسي. مسّد على كتِفي، تبّت أصابع يدي. ثمّ احتضنني كلّي، وغمرني بأنفاسِهِ ذات رائحة الحِنَاء، فأحسستُ بالطّمأنينة.

تركني، كي أتابع المراحل الأخيرة من فنّ السّقاية. نعم وللسّقايةِ فنّ، تبدأُها من الأطراف وليس المنتصف كي لا تُزعجَ الجنين النائم بضربة ماء مباشِرة في الرّأس.

حين انتهيت كانت التّربة حمراء جدا، وعيناي كذلك لكثرة الدّموع الّتي غافلتني وسقطت. وشعرُ أبي كوجنتيهِ أحمر جدّاً. خيّلَ إليّ أنّ العالمَ كلّه صارَ أحمر كأصيص تمنّياتي الجديد.

هل يفهمُ صبيانِ العالم ما الّذي يحدثُ لولد يحلُمُ حينَ تخذلهُ يداهُ، ويرتجفُ قلبهُ، حين تتضوّع براعم الأوركيدة أسفلَ عُنُقهِ؟ يفقدُ حاسّة الشمّ تماما، يتنازلُ عنهُ العِطر، أعتذرُ، أحدهُما يتنازل عن الآخر دون أن ينتبه..

كنتُ مفعَماً بالقلق، أُحصي حتّى عدد حبّات التّراب الّتي أودَعتُها في أصيصي الجديد، وعدد أنفاسي المتوهّجة لشدّة انفعالي. وأمّي خلف أبي تدعو الله أن يُبارِك لي في عملي. ينادونني ولا أسمع. صوت واحد تملّكني في تلك السّاعة، صوت الجنين الّذي غطّيتُهُ باللّحاف الأحمر حتّى ينضج، سمعتُهُ يهمسُ أسفل حَلقي، “انتظِرني”

سُمسُمَةٌ نائمة،،،

لم أكن مُغرما بالبذور، الّتي لا تكادُ تُرى بالعين المجرّدة. ويعرفُ أبي أنّي كنتُ مولعاً بالبذور النّاضجة ومتحيّزا للحظات انفصالها إلى فلقتين وخروج الجذر الأوّل بجذعه الأبيض الرّخو. كنتُ متشكّكا بالبذور الصّغيرة وقدرتها على شقّ طريقها إلى الشّمس، حتّى جاءت “المُدلّلة”. النّبتة الصّغيرة الّتي خرجت من البذور السّمسميّة. حين دفنتُها بأصابع قلبي. وانتظرت أن تخرجَ بأصابع كثيرة, كي تعوّض أصابعي المُصابة الان بالقلق، السّاكتة، على حافّة مفاجأة..

ملاحظة رقم 2

وثبةُ روح ..

يعودُ العِطرُ الآن إليّ. يشمُّني قلبي بشَوق، ويطير، كنتُ أسمعُ صوتَ الجنين، وأشمّ رائحة تفتّحه. جنين السّمسمة الصّغيرة يخفقُ في جيبِ بنطالي الخلفي، يخفقُ باليقظةِ..

مفعَماً بالقلق، أُحصي حتّى عدد حبّات التّراب الّتي أودَعتُها في أصيصي الجديد، وعدد أنفاسي المتوهّجة بالانفعال. وأمّي خلف أبي تدعو الله أن يُبارِك لي في عملي. ينادونني ولا أسمع. صوت واحد تملّكني في تلك السّاعة، صوتُهُ، الجنين الّذي غطّيتُهُ باللّحاف الأحمر حتّى ينضح، سمعتُهُ يهمسُ أسفل حَلقي، “انتظِرني”

هكذا انتشرت ابتسامتي حول الأصيص وطافت وجه أبي وأمّي، وخرجت في ثورة عطر إلى العالم.

شممتُ رائحة أمّي خَلفي. حارّة، ودافئة على نحو لم أصادفهُ طوال الشّهور الأربعة الماضية. كبرت ابتسامتي، وحملتْ أطواق ياسمين إلى أصدقاء أتخيّلهم حولي، لكنّي لم أخبر والديّ بما يطوفُ العالم بين عينيّ روحي. كانت صوَر الجنين الجديد تجرفُ لهفتي وتندفعُ سيولا متوهّمة في كلّ المدن الّتي يسكنُهَا أولاد يحلمون، مثلي.

ملاحظة رقم 3

رأسٌ مُدوّرة

شهر ويومين، لوَحتْ مُقدّمة الرّأس الخضراء بجبهتها، وتفتّقت عن زوجِ أوراق أصفر الخضرة، كأنّه وليد اللّحظة.

سَبْقُ خيلٍ في قلبي الآن، طيّرني الفرح. “انتظرتُهُ وجاءَ” ركضتُ طولَ المسافة بينَ أوّل المشتل حتّى آخره مرّات عدّة، ومعي صبيان العالم كلّهم. وَعَدْنا بعضَنا أن نلتقي حين تلسع الجنين حرارة الدّفء فيُعلنُ عن وُفوده إلى العالم.

نجحتِ التّجربة، ركضتُ إلى أبي المشغول بتشذيب أطرافِ شجيرة عرّشت غُرّة شَعرِها أكثر ممّا ينبغي، وصرختُ ملء دهشتي، “استفاقت يا أبي”. ضحك أبي، “لاحظتُها منتصف اللّيل، وسكتُّ”، علّق قائلا. أردتُ أن تكتشفها بنفسك.

أطرافُ العتمة الّتي تنزاحُ عن مشتلِ والدي تغادرُ، والوقت آخر فجر بارد، يقيس ضغط انفعالي. سترتي خفيفة يتسرّب البردُ عبرها بسهولة. خفتُ من المرض، فكّرت أن أعود لاصطحاب معطفي الجلدي، وتراجعت من أثر حرارة مفاجئة انتشرت في أطرافي. فجأة قفزت بين عينيّ فروة النّمر الحبيب، جسده اللّدن وفروتهُ الدّافئة، وعزوتُ يقظة بذرات السّمسم لتربتهِ النّادرة. وتملّكني شوق كاسح إليه. وعدتُ في غمرة هياجي أن أرتّب رحلة قصيرة إليه وأصطحب معي كميّة تكفي امتناني من فطائر اللّحم، وبراعم البامبو.

كان أٍسلوبي المتواضع في التّعبير عن سعادتي الفائقة، وامتناني العميق للنّمر وأشباله الصّغار. لم أتوفّر على معلومات تكفي كي أختار هدايا تناسب شهيّتهم، ورغباتهم. صحيح بأنّي تعلّمت الكثير عن رغبات أصدقائي، وبعض الحيوانات الّتي أستظرفها، لكنّي مهما حاولت مع النّمر وعائلته لم أنجح قط، وخلاف الفطائر الّتي اختبرتُ أثرها عليه وعلى أنثاه، لم أتعلّم الكثير.

اندفَعَتْ خيول العالم الآن من أطرافي، وجبتُ الدّنيا من مكاني أمام الأصيص الأحمر. كانت الدّنيا أعمق ممّا أعرف. وصبيان العالم أقرب إليّ من أيّ وقت مضى. وكانت السّمسمة الصّغيرة أغلى إنجاز عرفتُهُ عن منذ ولدت. نسيتُ صنوف الورد الّتي طوّرتها والنّبتِ الّذي استحدثتُهُ وزهرة الأركيدة الّتي اخترعتُ لونها، وأعرف أنّها ستفتن مشاعر الإمبراطور.

في تلك اللّحظات استولتني رأس صغيرة لورقة كانت بذرة بحجم رأس إبرة. وما عداها كان خارج العالم..

ملاحظة رقم 4

أكمة صغيرة مُعرّشة

شهرين وبضع ساعات. كنتُ مارقا أمام اللّيل أتسلّى بالعتمة الّتي تحجب الرّؤيا عن زهرات المشتل. لن أستطيع تبيّن ما يجري بين الزّهرات إلا إذا حشرتُ عينيّ بين فسحاتها داخل الدّفيئة. هكذا يحدث قبل الفجر بساعتين، فالعتمة لا لون لها، ولا تغفر للقلق مروره في مملكتها.  كانت الزّهرات تتدافع دون سبب وجيه، وهناك، تتنافسُ فيمن ستكبر أوّلا..

أنا، كنتُ أبحثُ ملهوفا عن سُمسمتي الصّغيرة صاحبة القِرط الأخضر، وأعني الورقتين المدوّرتين شبيهتي الأقراط الّتي تلبسها أمّي حين تذهب إلى أحد أعراس أصدقائنا في الزّراعة.

“.. يا للهول..” ، حضنتُ الهواء في حنجرتي، ثمّ دفعتهُ إلى قلبي ليحيا. قفزت عيناي دَهِشة،، ” كَبِرتِ يا سُمسُمة، ولن يجاري شعرك المنكوش غير فتنة البقدونسيّة، “زهرة الأميرات” كبرتِ السُّمسُمَة دفعة واحدة، لم يكن يعرف أنّ دورة حياتها مُدهِشة هكذا. تنام بقدر ما تشاء وتفزّ دون أن تستشير أحدا في توقيتِ وُفودها. ” لكنّكِ فاتنة”، همستُ لنفسي، وأنا أتحسّس ورقها النّاعم المنسدل على كتفيها، كانت تشبه صديقتي الّتي أتعقّب أثرها في المدرسة.

تحت العتمة كنتُ أراوغُ خُصُلاتِها، وأشتمُّ عطرَ خُضرتها. زهرها لم يأتِ بعد. دورة حياتها تثير المُخيِّلة شأنَ القلق، بدأتُ أقلق فِعلاً من انفجاراتها.

“يا للهول،، يا للكثافة المُغرية” صرختُ منبهرا حين تسلّلت خيوط الفجر الأولى عبر مرايا النايلون الصّلب. كنتُ أكتشف عالما غريبا من سحر القُوام في النّبتة الفاتنة.

كنتُ على وشك أن أسحبَ أبي من فراشه حينَ شتّتتني لهفتي. بحثتُ عمّن يشاركني أو يسمعني، أو يفرُش هذا الجمال عنّي في عيون العالم, عالم الصّبيان  الواسع الّذي أصبح متاعي الشّخصي، عالمي أنا.

شعرها، وأعني ورقها استطال بسرعة مذهلة. ناعما أكثر ممّا تخيّلت، ومنسدلا أجمل ممّا أعرفهُ عن أساطير الأميرات. يبدأ من الأعلى، منتصف الورقة الّتي ترتفع، وتنكسرُ فجأة، انكسارا ناعما يبقيها عالية وينسدلُ على ضفّتي كَتِفها، فتبدو كعريشَةٍ صغيرة فاتنة في مقتبل عُمرِها وَعِشقي.

كنتُ بردانا جدا، وكالعادة بدونِ معطفي الجلديّ، وبأجزاء من قلبي. باقي قلبي تركتُهُ في خزانة الملابس كي يرافقني إلى الهضاب العالية، هناك أحتاج كمشات غزيرة من القلب، كي أبادل الحبّ القويّ بحبّ أقوى. ارتعدتُ قليلا قبل أن أنغمر بحرارة قلب طاغية. كان النّور الّذي انبثقَ فجأة من إحدى براعمها الصّغيرة بلونه البرتقالي شديدا، وذا لمعان نافذ. كاد يُغمى عليّ، كأنّي في بلاد الغرائب، فأحداث البذرة السّمسمة كانت أسرع من إيقاع ما أعرفهُ عن خصائص مَشتلي وعاداتِ بُذوري.

الملاحظة رقم (5)

أبي

حول كتفيّ، ويحيطُني, رفيقي في الانذهال، أبي. “ما هذه البراعم المضيئة؟” تساءلتُ، كأنّي أعرف مُسبقا الإجابة. هكذا يُغمى على قَلبِكَ لهَولِ المُفاجأة. كان البرتقالي القاني يخطف ضوء العين، يستولي على لهفتها وشوقي معا. كم اشتقتُ لزهر هذه العريشةِ الصّغيرة! لا أعرف كم انتظرتُ من أعمار، لكنّه يبدو انتظارا بعمرِ مواسم.

هو البرتقالي الّذي نعتقدُ نحن أنّهُ سرّ المُغامرة والحظ، وسعادة الرّوح في بلادنا. وكلّ ما أعرفهُ من حظّ، يرتبط الآن بهذه العريشة الصّغيرة. “إنّها تعرّش الآن في قلبي” همستُ منفعِلا، وأنا أرفع عينين مغرورقين بالامتنان والعِرفان، وذُهولٍ لا يُفسَّر إلى أبي، ” شُكرا لأنّك دَعمتَني”

الوقتُ يتأخّر أو يتقدّم وفقا لتوقيت المفاجأة، هكذا بدأتُ أفهم بذراتُ السّمسمة الغافية، وألقيتُ نظرة عتب على الأصيص الّذي لا يزال مكانه تحت زاوية الضّوء ينتظر أن يُفرِجَ عن أوراق البذور النّائمة تحت لِحافِه البنيّ.

ملاحظة رقم (6)

هكذا أصبحتُ صاحب تجربة

كم مرّة نُحاول؟ لا أعرف. لكنّي كنتُ مستعدّا لمليون محاولة، ودون كلل كي أفيَ بغرضِ طُموحي. أعرف أنّ الإرادة أقوى من الفشل، ولذلك لم ألتقِ بالتّراجع وجها لوجه. كنتُ أضيفُ من المحاولة لمَوقِدِ القلب. علّمني أبي منذُ صِغري ضرورة أن أجرّب كلّ ما لا أعرفُهُ كي أكتسب خبرة أجدادي.

حين وقعتْ عيناي على رأسٍ العريشة مغمورا ببقع الخنفساء الأحمر المرقّط بالأسود، فهمتُ أنّ هذه القبّعة الحمراء منحة السّماء لطاقة إيماني. فالإيمان يحتاج إلى طاقة الثّقة بالحارس الّذي يجانِبُهُ كظلّ وهمي، ويحميه.

تحسّستُ كتفيّ البردانة. كالعادة كنتُ بقميص شفّاف، قبل الفجر بساعتين. حين تقلّب بين عينيّ، وغادرتُ فراشي مذهولاً. وغالبا يحدث ألّا أنتبه أنّ الفانيلا الخفيفة لا تكفي. حين وصلتُ لاهثا إلى المشتل كان فرس النبيّ سليمان، الجندب الأخضر ذو السكّين على جانبهِ يقفز جذلا على رأس العريشة. قفز بساق واحدة مثيرة للاستغراب، وبأعلى ما يعرف عن أساليب القفز فوق رأسِها، حتّى أنّ ساقه التوت وأوشكت أن تنكسر. صفقتُ له، وأنا ألامس أطراف الورق المتناثر حوله، وأحرّر ساقة من لسان الورقة.

حيفا

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً