مرايا فكرية مع د. عدنان عويّد – الحلقة الاولى والثانية (1-2-3-4-5-6-7-8/ 10-11-12-13-14-15-16)

+ = -

د. عدنان عويّد

نزولاً عند رغبة بعض الصديقات والأصدقاء بأن أنشر الحوار الفكري (مرايا الفكر) على حلقات, الذي أجراه معي الأستاذ الكاتب والباحث مراد الغريبي, والذي تبناه ونشره موقع صحيفة المثقف, وتم نشره أيضاُ على موقع ساحة التحرير. وبناءً على هذه الرغبة سأنشر اليوم الحلقة الاولى وأتابع نشر بقية الحلقات لاحقا. علماً أن رابط الحوار على صحيفة المثقف مرفق بنهاية كل حلقة.

مرايا فكرية – الحلقة (1)

مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد

خاص موقع صحيفة المثقف: يستضيف موقع صحيفة المثقف, الباحث الأكاديمي الأستاذ الدكتور عدنان عويّد، ضمن مرايا فكريّة، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول قضايا الفكر والهوية واللغة والنهضة في العالم العربي، فأهلا وسهلا بهما:

 

المحور الأول: قضايا الفكر والهوية والتراث:

س1: ا. مراد غريبي: بادئ ذي بدء، ماذا عن سيرتكم الذاتيّة ومنجزاتكم العلميّة والفكريّة والنقديّة التجديديّة؟

 

ج1: د. عدنان عويد: باحث وكاتب عربيّ سوريّ، يكتب في قضايا النهضة والتنوير.

ولد في دير الزور عام 1950.

دكتوره بالعلوم السياسيّة

عضو اتحاد الكتاب العرب – لجنة البحوث والدراسات.

أستاذ محاضر في جامعة الفرات – كليّة الآداب – قسم علم الاجتماع

إصداراته:

1- الديمقراطيّة بين الفكر والممارسة. إصدار دار العلم، ودار والتكوين. دمشق. 1994-2006

2- إشكاليّة النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط. إصدار دار المدى – ودار التكوين. دمشق. 1997- 2006

3- التبشير بين الأصوليّة المسيحيّة وسلطة التغريب. إصدار دار المدى – ودار التكوين. دمشق. 2000- و2007

4- معوقات حركة التحرر العربيّة في القرن العشرين. إصدار دار المدى. دمشق. 2002

5- الأيديولوجيا والوعي المطابق. إصدار دار التكوين. دمشق. 2006

6- رأسماليّة الدولة الاحتكاريّة. إصدار دار التكوين. دمشق. 2008

7- قضايا التنوير. (ترجمة عن اللغة الانكليزية). إصدار دار التكوين. دمشق. 2011.

8- قيد الطباعة:

آ- أوهام أيديولوجيا حركة التحرر العربيّة.

ب- الخطاب السلفيّ وتحطيم العقل.

ينشر في العديد من المجلات والجرائد والمواقع الالكترونيّة في الوطن العربيّ.

 

س2: ا. مراد غريبي: نستهل بحسب مناهج البحوث الأكاديميّة، قراءة في مفاهيم هذا المحور الأساسيّة: العقل، العقلانيّة، الهويّة، التراث، العلمانيّة، التثاقف، الحداثة، الايديولوجيا، الدين..؟؟

 

ج2: د. عدنان عويد: لا شك أن هذه المفاهيم المطروحة هنا… العقل، العقلانيّة، الهويّة، التراث، العلمانيّة، التثاقف، الحداثة، الايديولوجيا، الدين. تشكل في وضعنا الثقافيّ العربيّ الحديث والمعاصر، إشكاليّة قائمة بذاتها، لاعتبارات عديدة يمكننا الاشارة إلى أهمها وهي:

إن معظم هذه المفاهيم في صيغها المتعارف عليها اليوم، قد طُرحت في الغرب مع بداية عصر النهضة الأوربيّة، مروراً بعصر التنوير في القرن الثامن عشر، وفلاسفة قرنيّ التاسع عشر والعشرين. وإن هذه المفاهيم راحت تتسرب إلى خطابنا الثقافيّ مع بداية القرن التاسع عشر، بفعل عوامل كثيرة منها:

آ- تَأَثُر الطلاب العرب الذين أرسلوا إلى أوربا للدراسة هناك، وخاصة البعثات التعليميّة التي اشتغل عليها “محمد علي باشا” في مصر “وخير الدين التونسي” في تونس، أو بفعل حملات التبشير الأوربيّة في المشرق العربيّ التي فتحت المدارس

الخاصة بها في هذه المنطقة، إضافة لما حققته البعثات أو المنح الدراسيّة إلى أوربا، التي خصصتها الإرساليات التبشيريّة للطلبة المتفوقين من خريجيّ هذه المدارس. الأمر الذي أوجد العديد من المثقفين والمفكرين العرب ممن تأثر بالفكر الغربيّ ومناهجه كأديب اسحق، وشبلي شميل، وفرح انطون، والبستاني، واليازجي وغيرهم الكثير.

ب- بفعل الطلبة العرب الذين درسوا في أوربا أيضاً منذ بداية القرن العشرين حتى اليوم، وهم كثر في الحقيقة، حيث تأثر الكثير منهم بالفكر الغربيّ ومناهجه، وراح العديد منهم يشتغل بعد إنهاء دراساته في الغرب على مشاريع فكريّة تأثرت كثيرا بالمناهج الغربيّة، كالعروي الذي تاثر بالمنهج التاريخانيّ، وحسن حنفي بالمنهج الظاهري، والتيزيني بالمنهج الماديّ التاريخيّ، والجابري بالمنهج الابستمولوجيّ (المعرفيّ)… الخ.

بيد أن التاريخ العربيّ في العصر الوسيط لم يعدم المفكرين والفلاسفة الذين اشتغلوا على العقل بشكل خاص، كابن رشد والفارابي والكندي والرازي وغيرهم، بالرغم من أن مفهوم العقل ظل عند الكثير من هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين ينوس بين الدماغ والقلب، وقليلون هم الذين عرفوا العقل بالمخزون الثقافيّ الذي تكون أثناء إنتاج الإنسان لخيراته الماديّة والروحيّة تاريخيّاً، كابن رشد وابن خلدون والكندي والرازي، وبالتالي فصلوه عن الدماغ ككتلة عضويّة في الجسد البشري لها دورها الوظيفيّ في تخزين المعرفة ومعالجتها وفقاً لما يريد صانع هذه المعرفة وحاملها الاجتماعيّ. علماً أن الذين قالوا بهذا الرأي عن العقل من فلاسفة العصور الوسطى العرب والمسلمين، تأثروا

أيضاً بالفكر الفلسفيّ اليونانيّ بعد أن قاموا بترجمة كتب الفلاسفة الماديين اليونان.

وفي تاريخنا المعاصر، درس الكثير من الكتاب والمفكرين العرب الفكر الفلسفيّ العقلانيّ في العصور الوسطى، وسلطوا الضوء على الفلسفة الماديّة منها، كحسين مروة في كتابه (النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة) على سبيل المثال لا الحصر.

عموماً نستطيع القول هنا: إن كل تلك المفاهيم الحداثيّة التي جاءت في سؤالكم: العقل، العقلانيّة، الهويّة، التراث، العلمانيّة، التثاقف، الحداثة، الايديولوجيا، الدين. يظل العقل النقدي يشكل العمود الفقري لها، إذ لا يمكن لأي مفهوم من هذه المفاهيم أن يحوز على حقيقته أو مصداقيته التي طرح من أجلها إلا من خلال ارتباطه بالعقل. فالديمقراطيّة بدون عقلانيّة تتحول إلى فوضى.. والهويّة بدون عقلانيّة قد تعود لمرجعياتها التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة.. والتراث من غير إدخال العقل فيه وتحليله وإعادة قراءته كتاريخ شعوب تحركه تناقضات وصراعات مصالح الناس، سيظل تاريخ ملوك وأمراء وأيديولوجيا دينيّة، الأمر الذي سيدفعنا إلى التعامل معه بعواطفنا أكثر من عقولنا، وسنتمسك بهذا الماضي كفردوس مفقود بِعُجْرِهِ وَبُجْرِهِ. والعلمانيّة التي يغيب عنها العقل تفقد مصداقيتها وتتحول إلى ترف فكري، بدل أن تمثل في واقع أمرها الدولة المدنيّة.. أو دولة المواطنة والقانون والمؤسسات… الخ ، وكذا حال التثاقف الذي سيتحول عند تبادل المعرفة، إلى مركزيّة أوربيّة أو شرقيّة، وظهور نرجسية الحامل الاجتماعيّ للثقافة عند تداولها مع المختلف إذا لم يتم تحكيم

العقل.. وهذا حال الحداثة التي ستتحول إلى تقليد الضعيف للقوي في حال غياب العقل القادر على تحديد خصوصيّة المجتمعات وما هي حاجاتها الضروريّة من مفاهيم الحداثة، وما هو الصالح منها القادر على تحقيق تنمية الفرد والدولة والمجتمع، وما هو الطالح فيها الذي سيعرقل تقدم المجتمع إذا ما أخذ منها. وهذا الموقف المنهجيّ من العقل، وضرورة التعامل معه ينطبق على الأيديولوجيا الوضعيّة والدينيّة معاً، فكلاهما سيتحولان إلى وعي جموديّ غير قابل للنزول إلى الواقع عند غياب العقل الذي يعمل دائما على ربط الفكر بالواقع. وعند حديثنا هنا عن العقل، أقصد به العقل النقديّ الجدليّ، وليس العقل البذيء القائم على المثاليّة الذاتيّة والحدسيّة والتأملية والمثاليّة الموضوعيّة.

مرايا فكرية – الحلقة (الثانية) مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد

 

المحور الأول: قضايا الفكر والهوية والتراث:

 

س3: ا. مراد غريبي: لننطلق من العقل والعقلانيّة في حوارنا معكم دكتور عدنان، ماذا عن موقع العقل وروح العقلانيّة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟

 

ج3: د. عدنان عويد: عند إجابتي على سؤالكم الثاني أشرت إلى دور ومكانة العقل النقدي في ضبط المفاهيم التي نتعامل معها بشكل عام، كما بينت الصيغة العقليّة أو العقلانيّة التي علينا التعامل معها منهجياً. وهنا أحب أن أوضح مسألة منهجيّة في السؤال الثاني هذا قبل الاجابة عنه. وهي مسألة التفريق بين العقل والعقلانيّة.

 

العقل كما أشرت إليه سابقاً، هو مجموعة المعارف والمهارات بما فيها المواقف الداخليّة النشطة من أحاسيس وعواطف وتخيل ومهارات عقليّة، التي اكتسبها الإنسان تاريخيّاً عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع. فالعقل وفق هذا المفهوم هو الثقافة المكتسبة في أعلى تجلياتها.

أما العقلانيّة: فهي منهج في التفكير، أو موقف عقليّ جدليّ نقديّ، يمارسه العقل عند توظيف معارفه في نشاط الإنسان الماديّ والروحيّ، فهناك فرق كبير عند توظيف العقل كوسيلة أداتيّه (العقل الأداتيّ) على سبيل المثال، خدمة لمصالح قوى اجتماعيّة محددة لا يهمها الجانب الإنسانيّ الإيجابي من دور أو أداء العقل، وبالتالي يأتي العقل عند هذه القوى وكأنه أداة عضويّة قادرة لوحدها على إنتاج الأفكار المجردة وتسويقها بعيداً عن الواقع الذي أنتجها، وهو هنا النشاط الإنسانيّ الماديّ والروحيّ في هذا الواقع المعيش, أو أن دور العقل عندها يقتصر على تسيير آلات ربحها فقط. أي يكون فيه دور العقل في هذا النشاط، هو تغييب الوظيفة الإنسانيّة المنوطة به كما أشرنا قبل قليل، واقتصار وظيفته على العمل داخل اقتصاد السوق، وتحقيق الربح للحامل الاجتماعيّ له.

أمام هذا الموقف المنهجيّ والمعرفيّ للعقل، نعود لنجيب على السؤال المطروح هنا وهو: ماذا عن موقع العقل وروح العقلانيّة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟.

نستطيع القول: بأننا أمام غياب أو عدم حضور الفكر العقلانيّ الذي أنتجه فلاسفة العصور الوسطى في تاريخنا العربيّ الإسلاميّ منذ أن أصدر الخليفة المتوكل أمره أو مرسومه القاضي بمحاربة العقل والعودة إلى النقل عام (232) للهجرة، بعد أن فسح الخليفة المأمون المجال للفكر المعتزليّ العقلانيّ أن يأخذ دوره ومكانته في الحياة الفكريّة والفقهيّة بعد إصداره لمرسومه الذي يدعو فيه إلى محاربة النقل واحترام العقل عام (212) للهجرة، فمع مرسوم المتوكل بدأ الفكر السلفيّ الوثوقيّ الاستسلاميّ يأخذ مكانته في الساحة الثقافيّة والفكريّة والفقهيّة عموماً, وبخاصة مع ابن حنبل وكل من آمن بفكره منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.

إذن مع هذه الردّة الفكريّة السلفيّة التكفيريّة التي جسدها “المتوكل” وابن حنبل وتياره، انحسر دور العقل والفكر العقلانيّ ليسود منذ ذلك التاريخ حتى اليوم فكر النقل المشبع أكثره بالأسطورة والخرافة والكرامات واللامعقول، واستمرار كل ما اشتغل عليه فقهاء العصور الوسطى من قضايا تهم ذلك العصر، واعتبار كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

نعم.. لم يعد مسموحاً الاشتغال على العقل في التعامل مع الواقع والعمل على النهوض به، إلى أن بدأت عمليّة الانفتاح على الغرب والحضارة الغربيّة بالطرق والوسائل التي أشرنا إليها في الاجابة السابقة، هذا الانفتاح الذي ظل في الحقيقة قائماً أو محصوراً على النخب ولم يتحول حتى اليوم إلى ثقافة شعبيّة.. ومع ذلك لا يمكننا إنكار ما حققته هذه النخب المثقفة والمتعلمة منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى اليوم على كافة مستويات الساحة العربيّة، من خلال ما أوجدته من صحف ومجلات ودور نشر وأحزاب ذات توجهات تقدميّة، أو من خلال وجودها في مواقع عملها في مؤسسات الدولة وخاصة الجامعيّة منها، رغم أن كل ما كانت تمارسه من نشاط تنويريّ كان يحسب عليها، وقد دفع بعض هذه النخب ثمنه باهضاً من قبل المؤسسات الدينيّة المتحكمة بهذه الدرجة أو تلك بناءً على قوة التأثير التي تتمتع به هذه المؤسسات الدينيّة على القرار السياسيّ للكثير من الدول العربيّة، ونحن لن ننسى ما جرى لسلامة موسى، وعلي عبد الرازق، وطه حسين، وفيما بعد لفرج فوده، وحامد أبو زيد، من قبل المؤسسات الدينيّة، وسكوت السلطات الحاكمة في الكثير من الدول العربيّة عن مواقف هذه المؤسسات الدينيّة في محاربة الفكر العقلانيّ وحوامله الاجتماعيّة من النخب المثقفة التنويريّة، وهذا الموقف العدائيّ للفكر العقلانيّ التنويري هو امتداد في الحقيقة للمواقف العدائيّة ذاتها التي اُتُخِذَتْ ضد غيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، وابن المقفع، والكندي، وابن خلدون، وابن رشد وغيرهم الكثير، الذين كانوا ضحيّة لرجال أو مشايخ الفكر السلفيّ الوثوقيّ الاستسلاميّ القائم على النقل.

نقول: رغم كل الحصار الذي فرض على الكتاب العقلانيين التنويرين العرب في تاريخنا المعاصر، والاتهامات التي وجهت لهم من قبل أعداء التيار العقلانيّ، إن كانت هذه الاتهامات ذات طابع دينيّ تكفيريّ، أو سياسيّ تخوينيّ، أو أخلاقيّ تهتكيّ. إلا أن التيار التنويريّ العقلانيّ مارس تحديه للقوى السلفيّة وداعميها، وكانت كتابات حامله الاجتماعيّ وكتبهم مليئة في قضايا التنوير والحداثة. لقد اشتغلوا سياسيّاً على المطالبة بضرورة تطبيق الدولة المدنيّة ومفرداتها من ديمقراطيّة وعلمانيّة ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة ومحاربة الاستبداد السياسيّ.. كما اشتغلوا على فكرة الحريّة في بعدها الاجتماعيّ والفلسفيّ، فطلبوا بتحرير المرأة واحترام الرأي والرأي الاخر، واشتغلوا على ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعيّة ومحاربة الاستغلال، ونشر التعليم ومحو الأميّة، ومحاربة المرجعيات التقليديّة من طائفيّة وعشائريّة ومذهبيّة..

إن هذه القضايا التي اشتغلوا عليها، وجد الكثر من مفردتها عبر القرن العشرين حضوراً في الساحة الثقافيّة والمؤسساتيّة استطاعت أن تؤسس في الحقية لمشروع حداثي، رحنا نلمسه من خلال تعليم المرأة ودخولها مجال العمل. ومن خلال تشكل الأحزاب وتعدد توجهاتها الفكريّة، مثلما وجدناها في الحركات السياسيّة الكثيرة ووصول الأحزاب الديمقراطيّة الثوريّة إلى السلطة كالناصريّة والبعثيّة وغيرهما، وما حققته هذه الأحزاب عند وصولها للسلطة من دور في تطوير المجتمع والدولة، مع تأكيدنا بأن الكثير من قادتها حكمتهم فيما بعد شهوة السلطة، الأمر الذي حول دول أحزابهم إلى دول شموليّة مستبدة، جاء حراك الربيع العربي ليبين عوراتهم وفسادهم وابتعادهم عن مصالح الشعب.

مرايا فكرية – الحلقة (الثالثة) مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد

المحور الأول: قضايا الفكر والهوية والتراث:

س4: ا. مراد غريبي: العقلانيّة في الخطاب العربيّ اتسمت بأنماط فكريّة متعددة توزعت بين التيار الدينيّ التجديديّ والتيار العلمانيّ الحداثيّ، والتساؤل كالآتي: ما راهن الخطاب العقلانيّ العربيّ في ظل تحديات التطرف والتخلف والتفاهة في عمق الساحة الفكريّة العربيّة المعاصرة؟ وهل فعلا العقلانيّة هاجرت من مجالنا العربيّ المعاصر ككل الأدمغة المستنيرة علميّا وثقافيّ

س4: د. عدنان عويد: لنعد إلى موضوع سؤالكم عن: موقع العقل وروح العقلانيّة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟. لقد قلنا إن الفكر العقلانيّ قد ارتبط منذ بداية طرحه على الساحة الثقافيّة العربيّة الحديثة والمعاصرة، بالنخب المثقفة حتى منتصف القرن العشرين، وخاصة الأوائل منهم الذين حاز معظمهم على شهاداته العليا من جامعات الغرب. وكان لهم الأثر الكبير على طلابهم في الجامعات العربيّة، حيث تخرج من تحت أيديهم مئات آلاف الطلاب والطالبات على كافة المستويات الفكريّة، الفلسفيّة منها والأدبيّة

والفنيّة، الذين تأثروا بفكر أساتذتهم العقلانيّ ومناهج بحوثهم. حيث رحنا نجد أفكار الحداثة التي رافقت عصر الثورة الصناعيّة في أوربا تنتشر بين صفوف الطلبة وعشاق المعرفة، إن كان على المستوى الفلسفيّ أو الفني والأدبي. فهذه الأفكار الفلسفيّة أخذت تُدرسها أقاسم الفلسفة وعلم الاجتماع في العديد من جامعات الدول العربيّة، كفكر فرانسيس بيكون، ورينيه، وديكارت، وهوبس، وسبينوزا، ولوك، أو فكر رواد الفلسفة الانكليزيّة، كابريكلي وهيوم، أو فكر الفلاسفة الألمان كاليبنتز وليسنغ، وفيما بعد هيجل وفورباخ وفيورباخ وماركس وانجلز، كما تاثروا كثيراً بأفكار فلاسفة عصر التنوير الفرنسيّ، كفكر مونتسكيو، وكوندياك، وديدرو، وروسو وريكاردو وهلفينيوس وفولتير.. الخ. ومع مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الأولى والثانية، راحت أفكار مدارس ما بعد الحداثة تغزوا الساحة الفكريّة العربيّة أيضاً على كافة مستوياتها الفلسفية والأدبيّة والفنيّة، حيث رحنا نجد من يروج للوجوديّة كعبد الرحمن بدوي، وللمدرسة الوضعيّة والوضعيّة الحديثة كزكي نجيب محمود، وللمنهج الماديّ التاريخيّ عند محمود امين العالم والطيب تيزيني وحسين مروة، وغيرهم الكثير ممن تبنى الماركسية منهجاً، وكذلك وجدنا الفكر الديكارتيّ ومنهجه، عند طه حسين وجلال صادق العظم.. في الوقت الذي رحنا نجد فيه أيضاً الفكر الإسلاميّ التنويريّ يأخذ دوره الواسع في إعادة قراءة النص الدينيّ كما فعل حسن حنفي والسيد القمني وماجد الغرباوي وهادي العلوي والجابري ومحمد عماره وأركون، مثلما وجدنا التيارات الفكريّة السياسيّة بمناهجها الليبراليّة عند العروي وياسين الحافظ والياس مرقص. ولم نعدم الفكر الما بعد حداثويّ عند علي حرب، أما في الأدب فقد كان للفكر الغربيّ ومدارسه الدور الكبير على الأدباء

العرب، حيث انتشرت المدارس الأدبيّة كالواقعيّة والواقعيّة الاشتراكيّة والرمزيّة والبنويويّة وغيرها. وكان للشعر بشكل خاص تأثره الكبير بالمدارس الغربيّة، حيث شق السياب ونازك الملائكة وأدونيس وفيما بعد مدرسة الشعر الطريق لهذا التوجه الحداثي. وهذا وجدناه في الفن أيضاً ومدارسه كالمدرسة الرومانسيّة والواقعيّة والرمزيّة والتكعيبيّة والتعبيريّة والسوريالية.. الخ.

ملاك القول: يمكننا التأكيد هنا بأن العقلانيّة لم تهجر الساحة الثقافيةّ العربيّة كليّاً رغم هجرة العديد من حواملها الاجتماعيين إلى أوربا، بسبب السلطات الاستبدايّة في العديد من الأنظمة العربيّة ومؤسساتها الدينيّة الرجعيّة التي حاربت الفكر التنويريّ العقلانيّ، وعملت على تشويه العلمانيّة والديمقراطيّة، عندما حولتهما إلى مفاهيم شكليّة تتاجر بها أمام القوى التنويريّة في الداخل والخارج، بينما كانت تعمل في السر والعلن على نشر الفكر السلفيّ الظلاميّ التكفيريّ القائم على النقل وتسطيح العقل. وقد جاءت ثورات الربيع العربيّ رغم كل فوضويتها وعدم عقلانيتها وانضباطها فكريّاً وسلوكيّاً، لتكشف عورات هذه الأنظمة، وتبين طبيعة الفكر الذي اشتغلت عليه عشرات السنين، وكان وراء ما سمي بالصحوة الإسلاميّة التي اخترق رجالاتها ومريدوها ثورات الربيع العربيّ. هذا ونستطيع القول أيضاً إن الفكر العقلانيّ التنويريّ ودعوات العلمانيّة والديمقراطيّة والعقلانيّة النقديّة، لم تغب عن الساحة الثقافيّة والسياسيّة، بفضل وسائل التواصل الاجتماعيّ ومواقع النشر الالكترونيّ الكثيرة التي تعمل خارج سيطرة السلطات الحاكمة المستبدة عدوة العقل والعقلانيّة.

مرايا فكرية – الحلقة (الرابعة)

مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد.

 

المحور الأول: قضايا الفكر والهوية والتراث:

س5: ا. مراد غريبي: العقلانيّة تدفعنا نحو سؤال الحريّة، برأيكم ماهي المعياريّة الناظمة لشروط تشكل العقل العربيّ الحر؟

ج5: د. عدنان عويد: دعنا بداية نعرف الحريّة، فالحريّة في سياقها العام، تعني وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية كما يقول ” سبينوزا وهيجل وماركس “، أي وعي الإنسان للظروف الماديّة والفكريّة التي تتحكم بحاجاته الأساسيّة، الماديّة منها والمعنويّة (الروحيّة) في نطاق المحيط الذي يعيش وينشط فيه، بغية الحفاظ على وجوده وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. أو بتعبير آخر، إشباع حاجاته الماديّة والمعنويّة بشكل عام، مع حضور شرطيّ المسؤوليّة والوعي اتجاه فهم وممارسة هذه الحريّة.

هذه هي الحريّة في سياقها العام كما أراها. فهي حريّة مشخصة وليست مجردة، مثلما هي حريّة ينتجها الواقع المعيش

ويحدد صيغها كونها لا تُفرخ مجردة, أي لا تأتي من فراغ من جهة, وهي ليست صيغة واحدة مطلقة صالحة لكل زمان ومكان من جهة ثانية، إنها حريّة نسبيّة قابلة للتطور والتبدل وفقاً للمرحلة التاريخيّة المعيشة، وطبيعة حاملها الاجتماعيّ. فجوهر الحريّة في المرحلة البدائيّة كان يصب في تحرير الإنسان من سيطرة الطبيعة وتحكمها بحياة الإنسان. والحريّة في المرحلة العبوديّة تحرير الإنسان من سلعنة جسده, حيث كان يباع ويشرى في أسواق النخاسة، هي غيرها في النظام الرأسماليّ او الاشتراكيّ أو في دول العالم الثالث المتعدد الأنماط الإنتاجيّة.

من هذا المنطلق المنهجيّ في تعاملنا مع الحريّة يأتي موقفنا منها، فهماً ووظيفة وآليّة عمل.

إن نظرة سريعة للعقل العربيّ السائد اليوم، يُفصح لنا عن إشكالات عديدة تتحكم في طبيعته وآليّة عمله والقوى الاجتماعيّة المتحكمة فيه.

إن العقل العربيّ محكوم في وجود اجتماعيّ المفوت حضاريّاً، إذ لم تزل تتحكم به مرجعيات تقليديّة ضيقة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب وعرق. وبالتالي هو لم يحقق حتى اليوم وضوحاً واستقراًراً اقتصاديّاً أو اجتماعيّا أو سياسيّاَ أو ثقافيّا أو طبقياً، وهذا كما قلنا يعتبر إشكالاً كبيراً يقف أمام حريّة الإنسان بشكل عام في هذا الوجود، والمبدع والمثقف فيه بشكل خاص. وبالتالي فالحريّة تظل ملجومة ومحكومة هنا من قبل الدولة التي تريد حريّة على مقاس القوى الحاكمة لها، والمجتمع يريد حريّة توافق طبيعة علاقاته الاجتماعيّة المتخلفة والمحكومة بالغالب بالعرف والعادة والتقليد والوعي الدينيّ المؤسطر القائم على الثقافة الشفويّة المشبعة بالنقل على حساب العقل، والمدعومة أساساً من

قبل الدولة ومؤسساتها الدينيّة، التي وظفت جوامعها لنشر ثقافة الخرافة والأسطورة وقصص الأولين، المرتكزة على الفضيلة المجردة، والتي تهدف إلى التركز على ثقافة كسب الجنة وحور العين وسواقي الخمر والعسل واللبن، وليس ثقافة حب الوطن وتكريس المواطنة. أما على المستوى الثقافيّ، فقد بينا المعاناة الكبيرة التي يعانيها المثقف النخبويّ الذي ظل عقله محكوما بمحيطه السياسيّ والاجتماعيّ والدينيّ، فكم من مثقف تراجع عن آرائه التقدميّة العقلانيّة التنويريّة بسبب الضغوطات التي تعرض ويتعرض لها دائما من قبل المحيط الذي ينشط فيه، كما جرى لعلي عبد الرازق وطه حسين وجلال صادق العظم وغيره الذين تعرضوا للمحاكمات أو السجن أو النفي بسبب أفكارهم العقلانيّ التنويريّة.

هذه هي الأجواء الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والدينيّة التي يعيش فيها الكاتب والمفكر والفيلسوف والأديب والفنان. وبالتالي لتحرير عقول كل هؤلاء والفسح في المجال لأفكارهم العقلانيّة أن تنتشر وتتجذر، يتطلب منا الأمر صراعاً تاريخيّاً مريراً مع من يَحُولُ دون نشر ثقافة العقل والتنوير في عالمنا العربيّ بغية تحقيق تلك التحولات العميقة في واقعنا المعيش. وهذا برأي لن يأتي بالنوايا الحسنة، ولا بالمواقف الإرادويّة أو الذاتيّة التأمليّة.. إن التحولات التاريخيّة العميقة، تتطلب ثورة حقيقيّة تطال الوجودين الماديّ والفكريّ معا في وطننا العربيّ المتخلف، ولكن المحزن أن هذه الثورات التي عولنا عليها الكثير مع ما سمي بثورات الربيع العربيّ، خذلتنا عندما وجدنا أن الكثير من توجهات حواملها الاجتماعيين الثقافيّة كانت أصوليّة سلفيّة

تكفيريّة، أرجعت بعض دولنا قرنين من الزمان إلى الوراء، بعد أن دمرت معظم ما تحقق من إنجازات على مستوى التحديث بكل أشكاله ومستوياته خلال قرن ونيف من الزمان.

 

مرايا فكرية – الحلقة (الخامسة)

المحور الأول: قضايا الفكر والهويّة والتراث:

س6: ا. مراد غريبي: هل هناك تفكير عربيّ جاد واشتغال فلسفيّ عميق حول سؤال الحريّة وجدلياتها مع الهويّة والعدالة والأيديولوجيا والتدين في أروقة الفكر العربيّ المعاصر كما عرفناه خلال القرن العشرين؟

ج6: د. عدنان عويد: أعتقد أننا قد تناولنا موضوعة الحريّة في إجابتنا على السؤال السابق. أما سؤالك عن الاشتغال على الهويّة والعدالة والأيديولوجيا والتدين، في أروقة الفكر العربيّ المعاصر كما عرفناه خلال القرن العشرين. فيمكنا الاجابة عن ذلك بقولنا:

 

لا شك أن هناك من اشتغل على الأيديولوجيا أو السرديات الكبرى في عالمنا العربيّ المعاصر منذ بداية الربع الأول للقرن العشرين حتى منتصف القرن ذاته، وخاصة عند القوى اليساريّة والدينيّة والقوميّة ممثلة بالأحزاب الأمميّة، كالأحزاب

(الشيوعيّة)، وحزب (الاخوان المسلمون) بفروعه العديدة على المستوى العربيّ. ثم تلتها في الربع الثاني من القرن ذاته أحزاب أخرى ذات طابع قوميّ، توزعت بين أحزاب تدعوا إلى الوحدة العربيّة الشاملة كحزب (البعث العربيّ الاشتراكيّ)، وأخرى ذات نزعات إقليميّة أو عرقيّة (كالفينيقيّة والفرعونيّة وغيرهما).

إن هذه الأحزاب اشتغلت في الحقيقة على تكريس أيديولوجيات خاصة تمثل حواملها الاجتماعية من قوى طبقيّة أو أثنية، رسمت من خلالها الأهداف الاستراتيجيّة والتكتيكيّة لعملها داخل الساحة السياسيّة العربيّة، فهذه الأحزاب الشيوعيّة مثلاً قد تبنت في تنظيماتها الأيديولوجيا الشيوعيّة طريقاً لتحقيق العدالة والتنميّة، وفقاً للصيغة الماركسيّة اللينينيّة أو الماويّة، كما تبنى الإخوان الأيديولوجيا الدينيّة (الحاكميّة) التي نظر لها في صيغتها السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة أبو الأعلى المودودي، وتبناها مفكر الإخوان “سيد قطب” في كتابه (معالم في الطريق). أما الأحزاب الديمقراطيّة الثوريّة كحزب البعث والاتحاد الاشتراكيّ وغيرهما، فقد تبنت الأيديولوجيا القوميّة بعد أن ربطتها مع الاشتراكيّة العلميّة، تحت مسميات جديدة نظروا لها فكريّاً تحت اسم (الطريق العربيّ إلى الاشتراكيّة)، وطبقيّاً تحت اسم (تحالف قوى الشعب العاملة). أما أحزاب النزعات الاقليميّة كالفينيقيّة والفرعونيّة والبربريّة والأمازيغيّة وغيرها، فقد حملت أيضاً مشاريع أيديولوجيّة قوميّة ضيقة في مكوناتها الاجتماعيّة لم تزل قائمة حتى اليوم.

إن مشكلة هذا الأيديولوجيات أنها أُغرقت نفسها بالشعارات الفضفاضة على حساب الواقع أو الممارسة. وهذا ما أوقعها في مطبات كثيرة أثناء استلام بعضها السلطة. فظروف الواقع العربيّ

المتخلف أثر تأثيراً كبيراً على سياساتها الداخليّة والخارجيّة. فالأحزاب الشيوعيّة ارتبطت بالسياسة الأمميّة على حساب السياسة الوطنيّة والقوميّة من جهة، مع غياب واضح للحامل الاجتماعيّ المؤهل لقيادة هذه الأحزاب من جهة ثانية، الأمر الذي أوقها في فخ المرجعيات التقليديّة (قبيلة – عرق) من جهة ثالثة، كما جرى للحزب الشيوعيّ اليمنيّ الذي وقع في فخ القبليّة، والحزب الشيوعيّ السوريّ أو العراقي اللذان وقعا في فخ العرقيّة، الأمر الذي أدى إلى تفتيت تنظيماتها الأساسية أو المركزيّة إلى تيارات عدّة. أما الإخوان فقد اشتغلوا في سياساتهم على البعد الأممي أيضاً وتجاهلوا خصوصيات الدولة الوطنيّة التي مارسوا نشاطهم الحزبي فيها، مثلما أغرقتهم أيديولوجيا الحاكميّة وعدالتها في عالم القيم والمثل على حساب الواقع، فاصدموا بالواقع عند وصولهم إلى السلطة، فكانت النتيجة فشل التجربة الإخوانيّة في كل من مصر وتونس وسورية. أما الأحزاب القوميّة العربيّة فقد عاشت في عالم الشعارات القوميّة والعدالة الاجتماعيّة.. فلا هي استطاعت أن تحقق الوحدة العربيّة، ولا حتى الوحدة الوطنيّة داخل الدول التي سيطرت على الحكم فيها، ولم تستطع أيضاً تحقيق العدالة السياسيّة أو الاجتماعيّة التي نادت بها في أيديولوجياتها بعد أن سارت في طريق رأسماليّة الدولة أولاً, ثم تحولت ثانياً إلى دول شموليّة ساهمت كثيراً في تشكل قوى اجتماعيّة جديدة من البرجوازيّة البيروقراطيّة والطفيليّة التي سرقت أموال الشعب والوطن. هذا في الوقت الذي غلب على قياداتها شهوة السلطة فراحت تمارس تسويات سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة على مستوى سياسة الدولة الداخليّة كان من أبرز نتائجها المدمرة، أن أحيت المرجعيات التقليديّة, والاتكاء على القوى الدينيّة السلفيّة لكسب رضا الشعب باسم الدين، فكانت

النتيجة أنها خسرت كسب هذا القوى الأصوليّة الدينيّة إلى جانبها, في الوقت الذي خسرت فيه قوى اليسار والوسط أيضاً كما تبين في أزمة الربيع العربي. الأمر الذي ساهم في تدمير كل ما بنته حكومات هذه الدول خلال عقود من الزمن في بنية الدولة والمجتمع معاً.

إن ما يعيشه عالمنا العربيّ اليوم من فوضى على كافة المستويات تظهر نتائجه واضحة في حالات الجوع والفقر والهجرة التي يعانيها المواطن العربيّ، هذا إضافة إلى ارتماء أكثر هذه الأنظمة في أحضان دول أجنبيّة بهدف حماية الطبقة الحاكمة من شعوبها بسبب ما مارسته من سياسات أنانيّة ضيقة تصب في مصلحتها وليس مصلحة شعوبها خلال عشرات السنين, وليس غريباً على “ترامب” أن يفرض على حكام السعوديّة إتاوات لحمايتهم من شعوبهم على سبيل المثال لا الحصر.

 

مرايا فكرية – الحلقة (السادسة)

 

المحور الأول: قضايا الفكر والهويّة والتراث:

س7: ا. مراد غريبي: السياق الجدليّ حول الحريّة في الفكر العربيّ لأكثر من خمسة عقود تراوح بين ثنائيات الأنا والآخر، الأصالة والمعاصرة ، التراث والحداثة، كيف يمكن العبور من الجدل إلى التأسيس الثقافيّ لفعل الحريّة؟

 

ج7: د. عدنان عويد: لقد تكلمنا عن الحريّة وواقعها في الخطاب السياسيّ عند إجاباتنا السابقة، أكثر من تكلمنا عنها في الجانب الفكريّ، وقد كان للقوى الحاكمة في وطننا العربيّ الدور الكبير في الْحَجِرِ على حريّة الفرد والمجتمع، والنيل من الفكر العقلانيّ ومحاسبة حوامله الاجتماعيين من غيلان الدمشقي وجعد بن درهم, مروراً بابن رشد حتى حامد أبي زيد. لذلك دعنا نجيب على هذا السؤال الذي ركز على الحريّة في الجانب الفكريّ، والتي تجلى الصراع حولها من خلال الصراع بين الأصالة والمعاصرة..

بين التراث والتجديد.. بين العقل والنقل.. وغير ذلك من مفاهيم تدور حول علاقة الفكر المعاصر مع التراث بكل ما يحمله هذا الفكر بشقيه المادي واليقمي من دلالات.

نقول: مع بدء حركة التحرر العربيّة من الاستعمار الغربيّ في عالمنا العربيّ، بدأت تظهر لنا حركة فكريّة جديدة ذات توجهات يساريّة وليبراليّة في العديد من الأنظمة العربيّة وخاصة في الأنظمة التي انتهجت الخط القوميّ الاشتراكيّ طريقاً لها، أو الأنظمة التي تأثرت بعلمانيّة أتاتورك والفكر الليبراليّ عموماً. ففي هذه المرحلة الممتدة من ستينيات القرن الماضي حتى نهاية العقد التاسع من القرن ذاته، أي حتى قيام الثورة الخمينيّة في ايران وبدء تأثيرها على الساحة الفكريّة العربيّة والإسلاميّة، كان هناك حراك ثقافيّ تنويريّ مشبع بالفكر اليساريّ والليبراليّ، الذي ترك أثره المباشر حتى على فكر المفكرين الإسلاميين الذين راحوا يعيدون قراءة النص التراثيّ قراءة معاصرة تسعى إلى فتح النص الدينّي على العقل، كما عمل حسن حنفي في كتابه التراث والتجديد، وعلي عون قاسم، وحسن صعب في كتابه الإسلام وقضايا العصر, ومصطفى السباعي في كتابه الاشتراكية والإسلام, وغيرهم من المفكرين الذين وجدوا في انتشار الفكر اليساريّ ومنهجه الماديّ التاريخيّ، تحديّاً حقيقيّاً للخطاب الإسلاميّ في صيغته الوثوقيّة السلفيّة المتمسكة بالنقل والرافضة لاستخدام العقل وفتح النص المقدس على مخزونه الدلاليّ الإنسانيّ.

نعم لقد كان لانتشار المشاريع الفكريّة التي تناولت التراث وضرورة التجديد، كمشروع الطيب تيزيني من التراث إلى الثورة، أو مشروع الجابري في بنية العقل العربيّ، أو مشروع حسين

مروة في النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة، أو مشروع حسن حنفي التراث والتجديد، أومشروع العروي في الأيديولوجيا العربيّة المعاصرة, ولا حقاً مشروع حامد أبي زيد، وغيرها من مشاريع فكريّة، أو كتب منفردة لكتاب يسارين مثل الكاتب أحمد عباس صالح في كتابه اليمين واليسار في الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، فكل هذه المعطيات الفكريّة اشتغلت على مفهوميّ الأصالة والمعاصرة، ودور القوى الاجتماعيّة في صناعة التاريخ، دون أن نغفل تلك الندوات الفكريّة التي أعدتها مؤسسة دراسات عربيّة، كندوة التراث والتجديد، أو ندوة الكويت المشهورة حول (أزمة الحضارة العربيّة). دون أن ننسى ايضاً الندوات الكيرة التي قامت حول القضايا المعاصرة كالديمقراطيّة والعلمانيّة والفكر القوميّ وربط العروبة بالإسلام، وما قدمته كذلك مجلة الوحدة من محاور كثيرة حول قضايا النهضة والتحرر والتنمية. إن كل هذا النشاط الفكريّ في تلك الفترة كان للحريّة دورها فيه، إن كان من حيث رضا الأنظمة الحاكمة في الأحزاب الديمقراطيّة الثوريّة على تناول هذه الدراسات والحوارات من جهة، كما هو الحال في سورية على سبيل المثال لا الحصر كالحوارات التي كانت تدور في ثمانينيات القرن الماضي بعد أحداث الإخوان في سوريّة بين محمد رمضان البوطي والطيب تيزيني على شاشات الإعلام السوري، أو على مدرجات جامعة دمشق، أو أن الحريّة راحت تدخل جوهر عالم المقدس في التراث من جهة ثانيّة، ومحاولة نقده وتبيان ما يخدم واقعنا المعاصر منه، وما يضره, وضرورة التخلي عنه، ومع ذلك كانت هناك وجهات نظر عقلانيّة من قبل ناقدي التراث لم ترفض التراث كله، بل دعت إلى استلهام التراث وضرورة توظيف ما هو إيجابي

فيه لمصلحة المعاصرة ودعاتها من سياسيين ومفكرين يعملون لمصلحة الشعب وقضاياه المصيريّة.

إن كل هذا الحراك الفكريّ العقلانيّ الذي جئنا عليه راحت تخفت أضواءه، في الوقت الذي أخذ فيه الفكر الأصوليّ السلفيّ يتخذ له مواقع قويّة على الساحة الفكريّة العربيّة مع قيام الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة أولا، ثم ابتعاد القوى الحاكمة في الأنظمة القوميّة الاشتراكيّة عن استراتيجياتها الثوريّة التي بشرت بها قبل وعند استلامها السلطة، وبدء التزلف للقوى الأصوليّة التي وقفت ضدها قبل قيام هذه الثورة، ثانياً، هذا التزلف الذي كانت له أسبابه الموضوعيّة والذاتية أيضاً وهي:

1- فشل الأنظمة التي ادعت العلمانيّة والتقدم في تحقيق مشاريعها التنويريّة على كافة المستويات، ومنها الاقتصاديّة والسياسيّة، وغُلْبَتْ شهوة السلطة عليها التي حولتها إلى أنظمة شموليّة استبداديّة لم يعد الشعب يثق بها.

2- الثورة الإسلاميّة في ايران وإحياء المشروع الأصوليّ السلفيّ وخاصة الإخوانيّ منه الذي لقى الدعم من قادة الثوة الايرانيّة ذاتها.

3- دور الحركة الوهابيّة والقوى السياسيّة الداعمة لها في السعوديّة بشكل خاص، لنشر الفكر الأصوليّ بصيغته السنيّة لمواجهة مشروع الثورة الإسلاميّة الخمينيّة الشيعيّة، وبالتالي ظهور ما يمكن تسميته بحمى الفكر الأصوليّ بشقيه السني والشيعي على مستوى الساحة العربيّة والإسلاميّة.

4- انتشار الفقر والحرمان والاضطهاد السياسيّ على مستوى الساحة العربيّة، بسبب طبيعة الأنظمة الشموليّة التي فرخت قوى

طبقيّة من البرجوازيّة الطفيليّة والبيروقراطيّة راحت تنهب ثروات الدولة والمجتمع، ثم ظهور النظام العالميّ الجديد بصيغته الرأسمالية المتوحشة التي راحت بدورها عبر الشركات المتعددة الجنسيات تسيطر على الاقتصاد العالميّ من خلال اتفاقيّة الجات وصندوقيّ النقد الدوليّ والبنك الدوليّ للإعمار والتنمية، أو من خلال دخول الرأسمال الوطنيّ المنهوب في دول العالم الثالث من قبل حكام هذه الدول وفاسديها في عالم الرأسمال الاحتكاريّ والتحالف معه ضد مصالح الشعوب.

5- تراجع الفكر العقلانيّ التنويريّ عن دوره في توعية الشعب العربيّ، وكشف دور ومكانة الفكر الأصوليّ السلفيّ، وبدء انتشار هذا الفكر بصيغته الجهاديّة التكفيريّة عبر القاعدة وفصائلها، وهذا ما رحنا نلمس نتائجه مع ثورات الربيع العربيّ الذي أَسْلَمَ هذه الثورات، وراح يتعامل مع الواقع من منطلق ايديولوجيّ جموديّ يريد للواقع أن يرتقي بحد السيف إلى النص المقدس كما فسروه هم وأولوه، وهنا رحنا نعيش ردّة فكريّة وسلوكيّة معا، اتخذت من القرون الهجريّة الثلاثة الأولى منطلقاً وجوديّاً ومعرفيّاً لها.

مرايا فكرية – الحلقة (السابعة)

 

المحور الأول: قضايا الفكر والهويّة والتراث:

س8: ا. مراد غريبي: واقع الهويات في المجال العربيّ يعكس أزمة إشكال تاريخيّ حول الحريّة، هل الخصوصيات الاثنيّة والدينيّة والطائفيّة والثقافيّة أصبحت عبءً على بناء مرجعية ثقافيّة جامعة لوعي الحريّة المشتركة وترجمتها في عقد اجتماعيّ مناسب؟

ج8: د. عدنان عويد: إن من إشكاليات النهضة والتقدم والتنمية، وأخيراً الاستقرار الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ في عالمنا العربيّ هو تعدد مكونات هذه الأمّة الدينيّة والأثنيةّ.

وهذا التعدد الدينيّ والاثنيّ، لعبت فيه عوامل تاريخيّة قديمة أهمها، ما سميّ بالفتوحات الإسلاميّة، التي جمعت تحت مظلة الخلافة شعوباً كثيرة لها ثقافاتها ومكونات وجودها الخاصة بها

لم يستطع خلفاء هذه الأمّة وقادتها صهر هذه المكونات في بوتقة اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة واحدة، رغم أن الأيدولوجيّة الدينيّة في سياقها الفكريّ العام هي دعوة للتوحد من جهة، ودعوة لنشر العدالة والمحبة والتسامح من جهة ثانية، ولكن شهوة السلطة وتركيز الخلافة تاريخيّا في البيت القريشيّ ساهم في خلق نزعات قبليّة منذ السقيفة، ثم راحت تتوسع هذه النزعات لتتحول إلى صراعات مع وصول الأمويين والعباسيين للسلطة، حيث رحنا نجد تلك المعاملات غير الإنسانيّة تجاه الموالي, أي الأقليات الدينيّة والعرقيّة، هذه الأقليات التي لم ترض بدورها عن ذلها وإهانتها، وعبرت عن ذلك في ردود أفعال سياسيّة وثقافيّة كثيرة ظهرت بأعلى صورها مع ما سمي بالحركة الشعوبيّة في زمن ضعف الدولة العباسيّة، هذه الحركة التي راحت تنال من العرب ومكانتهم التاريخيّة وثقافتهم، فكان للكتاب والمؤرخين العرب ردود أفعالهم اتجاهها على عدّة مستويات، حيث ظهرت كتب تدافع عن اللغة العربية وأهميتها ودورها كلغة القرآن، كما وجدت كتب تدافع عن العرب ونسبهم وغير ذلك ككتاب تاريخ أنساب الأشراف للبلاذري، والبيان والتبيين للجاحظ. والأصمعيات والمعضلات للضبي، وكتاب المعارف لابن قتيبة، وكان هناك فتوح البلدان، وغير ذلك.

إن هذا التعدد في مكونات هذه الأمّة، ظل قائماً ونشطاً منذ ذلك التاريخ حتى اليوم. وقد لعب المستعمر الأوربيّ في تاريخنا الحديث والمعاصر على وتره من أجل إضعاف هذه الأمّة أكثر مما هي ضعيفة، وبالتالي السيطرة عليها والتحكم بمقدراتها، وقد ساعدها علي ذلك أنظمة سياسيّة متخلفة لم تراع خصوصيات واقعها، فراحت تشتغل بعقليّة العشيرة والقبيلة والطائفة في إدارة أمور بلادها، رغم أن بعض هذه الأنظمة ادعت العلمانيّة

والديمقراطيّة والمواطنة ودولة المؤسسات، ولكن كل ما كانت تدعي به، ليس أكثر من شعارات براقة لتلهي به من تحكمهم وتذر الرماد في عيونهم، في الوقت الذي تمارس فيه سراً وعلناً كل ما يساعد على تثبيت مواقعها في السلطة من جهة, وتفتيت اللحمة الوطنيّة وزرع الحقد والكراهية بين مكونات شعوبها من جهة ثانية.

من هذا المنطلق الذي جئنا عليه، لم تزل النزعة الفرعونيّة قائمة، وكذلك الفينيقيّة والأمازيغيّة والبربريّة والكرديّة والتركمانيّة، يضاف إليها النزعات الدينيّة على مستوى الديانات الكبرى وتفرعاتها الطائفيّة والمذهبيّة، من سنة وشيعة.. فالسنة مثلتها المذاهب الأربعة المعروفة، والشيعة توزعت طوائف ومذاهب وفرق أيضاً، وكل من هذه المذاهب والطوائف يتربص ببعضه ويحاول النيل من فكره الدينيّ ومكانته الاجتماعيّة والسياسيّة. وهذا الصراع بينها وجدت فيه القوى الاستعماريّة منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم، الأداة الفعالة في تقسيم واضعاف هذه الأمّة. فهذه حملات التبشير كما بينا سابقاً قامت باحتضان هذه الأقليات الدينيّة والعمل على تفتيتها إلى مذاهب وطوائق، بحيث رحنا نجد الطائفة الدينيّة الواحدة تتناهبها الدول الاستعماريّة المسيطرة وتحاول كل دولة ضم قسم منها لصالحها، فطائفة السريان العرب راحوا يتفتتون إلى سريان كاثوليك وسريان بروستانت وسريان لاتين.. الخ.

إن مشكلة الأقليات الدينيّة والعرقيّة في عالمنا العربيّ تحولت اليوم كحصان طروادة بيد الغرب وأمريكا والصهيونيّة في عالمنا العربيّ، فكل مكون التجأ لقوى أجنبيّة تحميه وتقدم له الدعم الماليّ والسياسيّ من أجل انفصاله عن جسد الأمّة العربيّة, أو عن جسد الدولة الواحدة من دول هذه الأمّة، أو من أجل إيجاد

خلل في استقرار هذه الدولة أو تلك واستنزاف أموالها في حروب أهليّة لم تعد خافية على أحد.

لاشك أن كل الذي جئنا عليه هنا، ساهم في خلخلة المسألة الثقافيّة أيضا، فبدلاً من استخدام الفكر العقلانيّ التنويريّ من أجل وحدة هذه الأمّة ونهضتها، رحنا نجد توجهات محمومة نحو بلورة لغات تتعلق بهذه الأقليات، وتوجهات فكريّة ذات نزعات عرقيّة أو طائفيّة، كلها تعمل على إضعاف هذه الأمّة وزعزعت استقراها.

مرايا فكرية – الحلقة (الثامنة)

د. عدنان عويّد

مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد.

المحور الأول: قضايا الفكر والهويّة والتراث:

س9: ا. مراد غريبي: بين الايديولوجيا والحريّة قصة معقدة، ما هو مفهوم الأيديولوجيا، وما هو الفرق بينها وبين الوعي المطابق، ولماذا عربيّا نتأدلج أكثر مما نتحرر، نتصادم أكثر مما نتحاور، أين نحن من ثقافة الاختلاف الحضاريّة؟

 

ج9: د. عدنان عويد: عرفنا الحريّة في موقع سابق من إجاباتنا على هذه الأسئلة، وقلنا هي تعني في سياقها العام، وعي الضرورة وممارستها، أو الضرورة الواعيّة كما يقول ” سبينوزا وهيجل وماركس “، أي وعي الإنسان للظروف الماديّة والفكريّة التي تتحكم بحاجاته الأساسيّة، الماديّة منها والمعنويّة (الروحيّة) في نطاق المحيط الذي يعيش وينشط فيه، بغية الحفاظ على وجوده وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسيّة والاقتصاديّة

والثقافيّة. أو بتعبير آخر، إشباع حاجاته الماديّة والمعنويّة بشكل عام، مع حضور شرطيّ المسؤوليّة والوعيّ اتجاه فهم وممارسة هذه الحريّة.

أما تعريفنا للأيديولوجيا: فهي أيضاً في سياقها العام، مجموعة الآراء والأفكار السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تعبر عن واقع أمّة ما أو طبقة ما في مرحلة تاريخيّة محددة. لها حواملها الاجتماعيّة، وهي لا تفرخ مجردة، أي لاتأتي من فراغ, أنها تاريخية ومشخصة بامتياز، تصوغها حواملها الاجتماعيّة للتعبير عن مصالحها في المرحلة التاريخيّة المعيشة.

ما أريد التأكيد عليه هنا، هو: إن أيّة نظريّة أو أيديولوجيا عندما تنغلق على نفسها وتتحول إلى مكوّن فكريّ منعزل عن الواقع ومتعالي عليه، وغير قادر على استيعاب حركته وتطوره وتبدله وكل مكوناته الاجتماعيّة، عرقيّة كانت أو ودينيّة بكل مفرداتها المذهبيّة والطائفيّة وآليّة حركتها، سيتحول هذا المكوّن الفكريّ (الأيديولوجيا أو النظريّة)، إلى قوة فكريّة وماديّة سكونيّة، أي جامدة، فاقدة لحيويتها، وبالتالي ستعرقل عبر ممارستها حركة الواقع بدلاً من تقدمه، وستجعل من حملتها الاجتماعيين مجرد أدوات منغلقة هي أيضاً على نفسها عقليّاً واجتماعيّاً (طبقيّاً) وسياسيّاً، يمارسون عصبويتهم وعنصريتهم وفوقيتهم ونخبويتهم وتمايزهم عن الآخرين من جهة، ثم ليّ عنق الواقع الذي يعشون فيه كي يرتقي دائماً إلى نظريتهم أو أيديولوجيتهم وبالتالي مصالحهم، حتى ولو رجعوا بهذا الواقع مئات السنيين إلى الوراء. وبالتالي فكل من يخالفهم في الرأي هو في المحصلة إما خائناً أو عميلاً ضد الدولة، هذا بالنسبة لأصحاب

الأيديولوجيات الوضعيّة عندما يكونون في السلطة أو خارجها، أو يكون مبتدعاً وخارجاً عن أهل الفرقة الناجيّة والجماعة بالنسبة لأصحاب الأيديولوجيات الدينيّة إن كانوا في السلطة أو خارجها أيضاً. وهنا تكمن الخطورة، حيث يبدأ تشكل التطرف من قبل كل حملة هذه الأيديولوجيات المغلقة الوضعيّة منها والدينيّة، وما يرافق هذا التطرف من إرهاب واستخدام لوسائل القمع والمنع في محاربة الآخر واقصائه، حيث تصل درجة المحاربة إلى حد التصفية الجسديّة في أحيان كثيرة. ولكن في المقابل تستطيع هذه الأيديولوجيات الدينيّة أو الوضعيّة أن تتحول إلى قوة ماديّة وفكريّة تعمل على خدمة الإنسان ورقيه ونموه. أي تصبح قادرةً على مراعاة مصالح مجتمعاتها وخصوصيات واقعها المعيش. أو بتعبير آخر، تصبح قادرةً على مراعاة حركة هذا الواقع وتطوره عبر التاريخ، عندما لا تغري حملتها الاجتماعيين شهوة السلطة وتجعل في أولى اهتماماتهم مصالح المجتمع قبل أي شيء آخر. أي تتحول إلى وعي مطابق، له أهدافه التكتيكيّة والاستراتيجيّة معاً.

ملاك القول هنا: إن كل أيديولوجيّة أو نظريّة فكريّة تنغلق على نفسها وتعمل على ليّ عنق الواقع بكل مكوناته كي ينسجم هذا الواقع معها، أي مع مصالح حواملها الاجتماعيين إن كانوا في السلطة أو خارجها، هي أيديولوجيّة وثوقيّة جموديّة سكونيّه تعتمد على مرجعيات عصبويّة اجتماعيّة تقليديّة، طائفيّة كانت أو مذهبيّة أو عرقيّة، أو تعتمد على مرجعيّة نخبويّة تعتبر نفسها وصيّة على الجماهير، وليست هذه الجماهير بنظرها أكثر من رعايا، غير قادرين على قيادة أنفسهم، وبالتالي هي وحدها المسؤولة عن مستقبلهم وحياتهم بِعُجْرِها وبُجْرِها. أما عندما تتحول هذه الأيديولوجيا أو النظريّة إلى (وعي مطابق).. أي

تتحول إلى مجموعة من الرؤى والأفكار التي تجاري الواقع في حركته وتطوره وتبدله، وضبط هذا الواقع وخلق حالات توازن بنيويّ فيه وفقاً لخصوصياته، ومصالح بنيته أو تكويناته الفرديّة والاجتماعيّة.. فهي هنا ستتحول بالضرورة إلى ايديولوجيا منفتحة على الواقع، وخاضعة لظروفه، ومساهمة في تغيير هذه الظروف لمصحة الفرد والمجتمع.

إذاً يظل الواقع، أو ما نسميه بالوجود الاجتماعيّ وما تحمله المكونات الاجتماعيّة في هذا الوجود من بنى فكريّة عقلانيّة تنويريّة، هو المرجع الأساس لهذه الايديولوجيا في صيغة (الوعي المطابق). ويظل أيضاً المجتمع هو صاحب القرار النهائيّ في تحديد مسيرة حياته في حاضرها ومستقبلها، وذلك عبر ممثليه الحقيقيين الذين يختارهم أبناء المجتمع، وليس من يُفرضون عليه بعقلية وصائيّة فرضاً باسمه من قبل قوى سياسيّة أو اجتماعيّة من داخل السلطة أو من خارجها.

 

ختاماً نقول: إن الأيديولوجيا عندما تتحول إلى (الوعي المطابق) تستطيع أن تحقق أولى مهامها، وهي خلق المواطنة والمواطن الذي يؤمن بهذه المواطنة، أي الفرد الذي ينتمي للدولة والمجتمع وليس لعقيدة دينيّة أو مذهبيّة أو عشائريّة أو قبليّة أو حزبيّة وصائيّة.

اما بالنسبة للشق الثاني من سؤالك الكبير وهو: لماذا عربيّا نتأدلج أكثر مما نتحرر، نتصادم أكثر مما نتحاور، أين نحن من ثقافة الاختلاف الحضاريّة؟

إن الأيديولوجيا المغلقة تنمو وتترعرع في المناخ الاجتماعيّ المتخلف، وكلما كان التخلف أكثر عمقاّ في هذا المجتمع أو ذاك، كلما أغرقت الأيديولوجيا في الفاشية في صيغتيها الوضعيّة والغيبية. وهذا هو حال مجتمعاتنا ودولنا المغرقة بالتخلف، رغم ما حصل فيها من تطور على المستوى الماديّ، وخاصة في القاعدة الخدماتيّة والعمران السكنيّ والحكوميّ، أو على مستوى الصناعة من خلال إيجاد صناعات تكميليّة، أو تجميعيّة، أو صناعات اللمسات الأخيرة، ولكنها ظلت متخلفة وبعمق في الجانب الفكريّ والاجتماعي. وهذا ما ساهم في وجود الأيديولوجيا الجموديّة الاقصائيّة. فعلى المستوى الوضعيّ وجدنا حضوراً للأيديولوجيا القوميّة والاشتراكيّة، ولكن الأحزاب المتبنّية لها حولتها إلى إيديولوجيا مقدسة لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها، وكل من يحاول انتقادها من داخل بنيتها التنظيميّة، يعتبر منحرفاً فكريّاً عن الخط الأيديولوجي للحزب ويجب طرده من التنظيم أو تصفيته جسديّا إذا اقتضت الحاجة، وبالتالي كثيراً ما يتم تغيير بعض مفاهيم هذه الأيديولوجيات عن طريق العنف واستخدام القوى العسكريّة لتحقيق هذه المهمة. أما بالنسبة للقوى التي هي من خارج التنظيم، فعندما تقوم بنقد أيديولوجيا الأحزاب الحاكمة، مهما تكون هذه القوى يمينيّة أو يساريّة أو معتدلة ليبراليّة، فهي قوى خائنة ومرتبطة بالخارج تريد النيل من الأحزاب الحاكمة ومهمتها التاريخيّة المنوطة بها، وفي مثل هذه الحالة ستجد أبواب السجون والمعتقلات مفتوحة أمامها، وقد تكون النتيجة عقود من السجن أو التصفية الجسديّة للمعترض والمنتقد لهذه الأيديولوجيات، وسجون ومعتقلات الأنظمة الديمقراطيّة الثوريّة وغيرها من الأنظمة العربيّة التي حكمت باسم القوميّة والاشتراكيّة، مثالاً على ذلك.

هذا الموقف العدائيّ والتنكيليّ بالمختلف، نجده عند القوى الأصوليّة السلفيّة الإسلاميّة، التي اتخذت من الدين ايديولوجيا لها، وجعلت من الحاكميّة لله منطلقاً لسياساتها عندما كانت خارج السلطة، أو عندما وصلت إليها في بعض الدول العربيّة بعد حراك ما سمي بثورات الربيع العربيّ.

إن ممارسة العنف من قبل هذه القوى الأصوليّة الجهاديّة فاقت كثيراً شدّة العنف الذي مارسته القوى السياسيّة ذات التوجه الوضعيّ أيديولوجياً، فما جرى ويجري في سورية والعراق وليبيا من ممارسة للعنف اتجاه المختلف يصل إلى درجة التوحش، في أسباب القتل أو أساليبه، وداعش كانت أنموذجا حيّاً على ذلك.

إن قبول الآخر مسألة ترتبط في تطور الوجودين الماديّ والفكريّ للمجتمعات والدول، فالتقدم الماديّ لوحده لا يحقق استقراراً في الدولة والمجتمع، والتقدم الفكريّ لا يمكن أن يتحقق إلا بالتوازي مع التقدم الماديّ، وهذه معادلة أثبت صحتها الواقع الأوربيّ في سياق تطوره. فتطور الثورة الصناعيّة رافقه بالضرورة تطور في الفكر الفلسفيّ والقيميّ والفنيّ والأدبيّ الذي اشتغل على توعية الفرد والمجتمع مئات السنين حتى استطاع تخليصهم من حروبهم الدينّية والعرقيّة تجاه بعضهم. بغض النظر هنا عن ما مارسته الرأسماليّة المتوحشة من قهر لشعوبها وشعوب العالم باسم اقتصاد السوق الحرة, بعد أن امتلكتها شهوة السلطة وشهوة المال معاً كما نشاهد اليوم في النظام العالميّ الجديد.

نحن في الحقيقة بحاجة لثورتين متوازيتين في خط سيرهما، ثورة ماديّة صناعيّة زراعيّة تكنولوجيّة، وثورة فكريّة تجسد في

عقل الفرد والمجتمع قيم النهضة والتقدم وقبول الرأي والرأي الأخر، أو احترام المختلف والدفاع عن حقه في هذه الحياة.

إن التقدم في سيرورته وصيرورته كعربات القطار تسير كلها معاً في وقت واحد، وتقف كلها معا في وقت واحد.

الحلقة الثانية

المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س13: أ. مراد غريبي: بحكم تخصصكم الأكاديمي لديكم اشتغال بقضايا علم الاجتماع، وهو علم واسع يشمل العديد من الحقول المعرفية، من بينها حقل الدين، فماذا عن مفهوم الدين سوسيولوجيا وموقعه ضمن التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافية التي شهدتها المجتمعات العربية المعاصرة؟

ج13: د. عويد: لا شك عندنا، بأن البعد السوسيولوجيّ (الاجتماعيّ) للدين يتحدد بالواقع المعيش، على اعتبار أن الدين شكل من أشكال الوعي. فهو يتصل اتصالاً مباشراً ووثيقاً بالواقع. والواقع هو الذي يحدد طبيعة نصوصه المقدسة، أي هو الذي فرض ويفرض على النص المقدس أن يتعامل مع هذا الواقع بأبعاده الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة والقيمّة، وما يترتب على هذه الأبعاد من مهام ووظائف عبر الممارسة من جهة، والواقع ذاته هو من يفرض أيضاً على من يشتغل بهذا الخطاب الدينيّ أن يعمل على تفسير وتأويل نصوصه المقدسة بما يتفق ومصالح الفرد والمجتمع وفقاً للمرحلة التاريخيّة المعيشة من جهة ثانية. والواقع أخيراً في حركته وتطوره وتبدله هو من فرض الناسخ والمنسوخ على

هذا النص المقدس، وبالتالي التأكيد على أن الأحكام تتغير بتغير الأحوال من جهة ثالثة.

فهذا الشيخ الإمام “محمد عبده” يتعامل مع الفكر عموماً ومنه الفكر الدينيّ خصوصاً، بكل جرأة وعقلانيّة وفقاً لهذه الرؤية السوسيولوجيّة بقوله: (نعم إن الإنسان إنسان بكل فكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر ولا ينقطع الفعل والانفعال بين الأفكار والأعمال ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد) . (الأعمال الكاملة – محمد عبده- ج3- ص 286 وما بعد).

إذن إن للدين موقفاً وظيفيّا تفرضه كما قلنا أعلاه طبيعة المرحلة التاريخيّة المعيشة بالنسبة لحالات التطور والتقدم التي تصيب المجتمع والدولة تاريخيّاً أولاً، وبالنسبة لقوة حضور هذا الدين ودرجة فاعليته في حياة هذه الدولة والمجتمع بشكل عام ثانياً. ولكن يظل في المحصلة للدين دور وظيفيّ في شقيّه الإيجابيّ والسلبيّ في حياة الشعوب ودولها أدتها حوامله الاجتماعيّة في الماضي (مشايخ ورجال دين)، ولم تزل تؤديها في تاريخنا المعاصر.

فالدين من الناحية الايجابيّة: يقوم بربط الفرد بالمجموعة، ويقدم له العون المعنويّ عند الضياع والخيبة والاحتجاج، أو عند القناعة والرضى والرضوخ، كما يقدم له العون الماديّ أحياناً من قبل أصحاب هذا الدين أو ذاك أو تفريعاته الطائفيّة والمذهبيّة.

إن من وظائف الدين الايجابيّة ضبط وتعديل جملة التوازنات الممكنة بين الفرد وذاته، وبين الفرد والمجموع، كما أن آليات الضبط هذه تشتغل على وظيفة الفرد الاجتماعيّة والإداريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، أي وظيفته كإنسان في نهاية المطاف. ومن وظائفه الايجابيّة أيضاً، يشكل الدين في مفاهيم عدالته وموقفه من الظلم والاستعباد والاستغلال أحد الوسائل الأساس التي يتكئ عليها المحتجون أو

المعارضون من الفقراء والمحرومين والمهمشين والمقصيين من الأنظمة السياسيّة المستبدة القائمة.

أما بالنسبة للمواقف السلبيّة التي يحققها الدين وخاصة في مواقف حوامله الاجتماعيين الاحتجاجيّة: فهي أن الدين يُعَمَمُ هنا على مجمل مستويات قوى الاحتجاج، أي يغيب البعد الطبقي عند القوى المحتجة إلى حد بعيد، طالما أن العدو واحد في مرحلة تاريخيّة محددة. ولكون الدين في رؤيته لمفاهيم العدالة بكل مستوياتها أو تفريعاتها تقوم على رؤى ثابته (معياريّة) غير قابلة عند الكثير من مشايخ الدين للنقد أو المراجعة أو التعديل، لذلك نجد الدين يَحُولُ دون تطور ونضوج قوى الاحتجاج وإيصالها إلى قوى تغييريّة شاملة قادرة على تحقيق ثورة حقيقيّة قد تكون أساسيّة وضروريّة في مرحلة تاريخيّة محددة من تاريخ الدول والمجتمعات التي تعيش حالات من القهر والظلم والاستبداد. فمكانة الدين كـ (أفيون للشعوب)، لا تستثمر الدين عقلانيّا وبما يتفق وروح العصر. ومن ناحية أخرى يظل لوظيفة الدين سلبياتها على حياة المجتمعات ودولها انطلاقاً من الوظيفة الانتمائيّة للدين، هذه الوظيفة التي تتناقض مع تكوين الهويات الأخرى غير الدينيّة التي تقتضيها الوضعيات المعاصرة للأمم والشعوب، كالانتماءات الكبيرة مثل الانتماء للوطن أو للقوميّة، أو الانتماءات الصغرى مثل الحزب أو النقابة أو المنظمة… الخ.

إن الدين في وضعيته الانتمائيّة القائمة على العقيدة، يصبح هنا عامل تقسيم وتشرذم خصوصاً داخل المجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب، حيث تؤدي هذه الانتماءات الدينيّة الضيقة إلى صراعات دينيّة وأهليّة تهدد وحدة المجتمع ككيان حضاريّ وثقافيّ وسياسيّ.

تظل أخيراً هناك وظيفة سلبيّة للدين على درجة عالية من الأهميّة وهي، تحول الدين إلى أيديولوجيا بيد السلطات الحاكمة التي لا تعبر عن مصالح شعوبها، ففي تاريخناً الماضي والحاضر اتكأت السلطات الحاكمة المستبدة والشموليّة على الدين ووظفته تفسيراً وتأويلاً بما يحافظ على وجودها وبالتالي مصالحها. بل إن الدين ظل يحكم طبيعة السلطة ذاتها من حيث الانتماء الصلبيّ إلى البيت القرشي، أي الانتساب للرسول بالنسبة للدين الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر. وهذا التوجه القبليّ/العرقيّ ظل قائما في عالنا الإسلاميّ حتى سقوط الخلافة العباسيّة. والملفت للنظر أن من ينتمي لآل البيت من مشايخ الدين له حظوة اجتماعيّة كبيرة لدى المجتمعات الإسلاميّة إن كان من السنة أو من الشيعة.. كما أن من الآليات المهمة التي يعمل الدين عليها في توجهاته السلبيّة، هو التواطؤ الذي يقوم بين الطبقات الحاكمة والكثير من علماء الدين نتيجة مصالح مشتركة بينهما، وذلك عن طريق بعض المؤسسات الدينيّة وعلمائها، هؤلاء العلماء الذين كانوا بغالبيتهم وفي مختلف عصور الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، خاضعين سياسيّاً واقتصاديّا للقوى الحاكمة. وهم من يقوم بعملية تفسير وتأويل النص الديني وإصدار الفتاوى لمصلحة هذه القوى السياسيّة الحاكمة أو تلك. أما الخطر في هذا التحالف المشبوه بين رجال الدين والسلطة، فيتجسد في تشجيع الفكر السلفيّ الغيبيّ الامتثاليّ وخاصة الأشعريّ والصوفيّ منه على وجه التحديد كونهما يعملان على محاربة العقل والإرادة الإنسانيّة من جهة، ومحاربة الفكر التنويريّ التقدميّ وحوامله الاجتماعيين، ونعتهم وأفكارهم بأنها أفكار زندقة وكفر من جهة ثانية.

س14: أ. مراد غريبي: مقاربة الظاهرة الدينية في المجال العربي تثير اسئلة جوهرية ذات علاقة بمباحث من قبيل: ماهية الإنسان، العلمانية، الاجتماع المدني، القيم الإنسانية، الدولة، التطرف، التسامح، الاختلاف وما هنالك من قضايا كان لكم السبق في تناولها، هل التدين عربيا لايزال بعيدا عن وعي هذه المباحث وكيف الإصلاح بنظركم دكتور عدنان؟

ج14: د. عويد: منذ أن أصدر الخليفة العباسيّ المتوكل عام (232) للهجرة، أوامره لرجال الدين بترك العقل والتوجه نحو النقل، مع فرض العقوبات الصارمة من قبل محاكم التفتيش التي شكلت لمن يخالف هذه الأوامر، لم يعد هناك مجال تحت مظلة الخلافة الإسلاميّة في المشرق

العربيّ لأي نشاط فكريّ عقلانيّ خارج فهم النص الدينيّ المقدس للقوى السلفيّة التي فسرت وأولت هذا النص وفقاً لرؤيتها، وبما يخدم مصالحها ومصالح أسيادها من القوى الحاكمة. فعلى أساس هذا الموقف الفكري الجموديّ توقف الاجتهاد العقلانيّ من جهة، وتوقف الاشتغال فكريّاً على العلوم الأخرى (الوضعيّة) التي تناولها فلاسفة ما قبل مرسوم الخليفة المتوكل، واقتصر العمل بشكل عام على علوم الدين من حديث وفقه وعلم كلام وتصوف وعبادات وغير ذلك. واعتبر أي خروج فكريّ عن هذه العلوم بدعة وضلالة، إن كان من حيث الاشتغال على الفكر الوضعيّ، أو الخروج فكريّاً عن رؤية علماء الدين السلفيين في تفسير وتأويل النص الدينيّ المقدس، أو ما أصل له الشافعي في الفقه وأصوله. هذا مع تأكيدنا هنا بأن هناك اتجاهات فكرّية عقلانيّة راحت تتعامل مع النص الدينيّ وفهم الواقع إن كان في المغرب العربيّ، أو في الأندلس كابن حزم وابن رشد وابن خلدون وغيرهم، كون هؤلاء كانوا خارج توجهات سلطة القوى السلفيّة وداعميها بالمشرق العربيّ، بالرغم من أن بعض هؤلاء المفكرين الفلاسفة لم يسلموا من الحسبة على ما طرحوه من أفكار عقلانيّة كان للبعد السياسيّ دور فيها، كما جرى لابن رشد وابن خلدون على سبيل المثال لا الحصر.

إذن نستطيع القول: من تاريخ المتوكل حتى سقوط الدولة العثمانيّة كان هناك حصار قد فرض على التفكير العقلانيّ بشقيه الدينيّ والوضعيّ. ولا نستغرب أن علماء الأزهر وغيرهم في مصر قد اختلفوا في تاريخنا الحديث على النظر في مسألة السماح باستخدام (حنفيّة الماء) في الحياة العامة، فمنهم من رفضها باسم الدين ومنهم من قبلها باسم الدين أيضاً، كدعاة الفقه الحنفيّ، ومن هنا جاء اسم (الحنفيّة) نسبة إلى المذهب الحنفيّ. ولا نستغرب أيضاً أن مشايخ الدين السلفيّ قد أفتوا بعدم صحة التعلم بالمداس الحكوميّة زمن محمد علي باشا عندما أسس الطهطاوي هذه المداس بأمر حكوميّ، الأمر الذي كان يدفع أولياء الطلاب بتوجه من مشايخ السلفيّة المتزمتة والجاهلة إلى ممارسات لا إنسانيّة بحق أعضاء أولادهم الجسديّة حتى لا يلتحقوا بهذه المدارس اللادينية. كقطع اليد أو الرجل أو فقع العين… الخ

على العموم مع بداية القرن التاسع عشر راحت تظهر توجهات عقلانيّة نحو العلم الحديث وخاصة في مصر محمد علىّ باشا، وفي تونس خير الدين التونسيّ، دون أن ننكر تلك الارهاصات الأوليّة لهذا التحديث في المشرق العربيّ، كتجربتي فخر الدين المعنيّ في سورية، وطاهر باشا في العراق، إلا أن كلا التجربتين قد أجهضتا، وبقي لتجربتي محمد على باشا وخير الدين التونسي تأثيرها على تاريخنا الحديث والمعاصر. وراحت نتائجهما تظهر بوضوح مع الطهطاوي وتلامذته من جهة، ثم مع مدرسة جمال الدين الأفغانيّ ومحمد عبده من جهة ثانية. فهذه المدرسة التنويريّة الإسلاميّة راحت تتعامل مع مفردات أفكار الثورة الفرنسيّة، كالديمقراطيّة والحريّة والعلمانيّة وماهية الإنسان، والاجتماع المدنيّ، والمرأة، والقيم الإنسانيّة، والدولة، والتطرف، والتسامح وغير ذلك من مفردات وضعيّة، محاولين أسلمتها من خلال البحث عن نصوص دينيّة أو مواقف ذهنيّة لهذا الخليفة أو ذاك أو لهذا الفقيه أو ذاك تتوافق مع مضمونها. فالديمقراطيّة وجدوا مرادفة لها الشورى. والعدل والمساوة وجدوا له أحاديث وأيات وموقف ذهنيّة كموقف عمر بن الخطاب من قضية ابن عمر بن العاص.. والعلمانيّة وجدوا لها حديث للرسول وهو تأبير النخل.. وللمرأة وحريتها كان موقف عمر ابن الخطاب من المرأة التي حاججته وأخذ برأيها.. وهكذا دارت أمور التحديث. وبالرغم من أن هذا التوجه التنويريّ راح يتسع فيما بعد مع بناء الدولة الحديثة وتوسع التعليم المدنيّ في كل مراحله، ودخول الاختصاص الفلسفيّ في الجامعات. إلا أن شهوة السلطة في الأنظمة العربيّة التي تحولت إلى أنظمة شموليّة حاصرت أصحاب التوجهات الفكريّة التنويريّة وفسحت في المجال واسعاَ للتيار السلفيّ كي يمارس دوره في الوقوف بوجه التيار العلمانيّ التنويريّ، والتصدي لرجالاته ومحاصرتهم وتكفيرهم والتشهير بهم كونهم مارقين عن الدين، ولم يتوانوا أحيانا في التعدي على بعضهم أو تصفيته جسديّا.

أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالكم حول الحل أو الاصلاح في عالمنا العربي للخروج من مأزقه، فالإجابة على مثل هذا السؤال الإشكاليّ ليست وصفة طبية لمعالجة مرض فيزيائيّ يصفها طبيب لمرض شائع، وإنما المرض الذي نعاني منه هو مرض اجتماعيّ واقتصاديّ وسياسيّ وثقافيّ. فإذا كان المرض الاجتماعيّ يتجسد في البنية الاجتماعيّة المفوتة حضارياً، أي التي لم تزل مسكونة بمرجعيات تقليديّة سيطرت عليها روح وعلاقات القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب، والكثير من القيم الأخلاقيّة التقليديّة المحكومة أيضاً بالعرف والتقليد والعادة، و هي قيم معياريّة تعود إلى مئات السنين أشبعت بقيم الدين التي لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها، مع تأكيدنا على انتشار الجهل والفقر والتخلف. فإن المرض الاقتصاديّ محكوم بدوره بقوى وعلاقات إنتاجية متخلفة وهجينة أو متعددة الأنماط يسيطر عليها اقتصاد السوق البسيط او الصغير على مستوى الداخل، والاقتصاد الريعيّ والاستهلاكيّ على مستوى التعامل مع الخارج، وإن وجد هناك اسواق صناعيّة في بعض الدول العربيّة، فهي أسواق صناعيّة تجمعيّة أو ذات اللمسات الأخيرة، ومعظم مكونات هذه الصناعة مستوردة من الخارج. وهذا الواقع الاقتصاديّ المزري سينتج عنه بالضرورة اقتصاد متخلف غير قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي من جهة، ثم خلق أسواق قادرة على المنافسة مع الخارج من جهة ثانية، وأخيراً غير قادر على إنتاج طبقة صناعيّة وطنيّة قادرة على وعي نفسها ودورها التاريخيّ وبالتالي التخلص من سماتها وخصائها الكومبرادوريّة، وتحقيق إمكانيات قيادتها للدولة والمجتمع من جهة ثانية. أما على المستوى السياسيّ فغياب المجتمع المدنيّ واقتصاد السوق المستقلة، سيؤديان بالضرورة إلى غياب البنية السياسيّة العقلانيّة بحواملها الاجتماعيين المؤمنين بتداول السلطة والمشاركة السياسيّة ودولة القانون والمواطنة.. الخ. وبناءً على ذلك ظلت البنية السياسيّة مرتبطة بحوامل اجتماعيّة تقليديّة يسيطر عليها شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة، تحت أسماء متعددة ولكن جوهرها واحد، كالأمير والملك والزعيم والقائد الملهم وغير ذلك، والملفت للنظر أن عدوى هذا المكونات السياسيّة التقليديّة انتقلت إلى الأحزاب التي تدعي التقدميّة والعلمانيّة حيث راح قادتها يخضعون لشهوة السلطة مما زاد في الطين بلة بالنسبة لأزمة الخطاب السياسيّ في هذه الدول التي راحت تسير في خطابها السياسيّ كـسيران (بول البعير)، أي الرجوع إلى الوراء. الأمر الذي كان وراء ما سيمّي بثورات

الربيع العربيّ التي كشفت عورات هذه الأنظمة وبينت مساوئها ومساوئ القوى المعارضة لها على السواء. أما بالنسبة للمسألة أو البنية الثقافيّة فقد أشرنا إلى تخلفها وهجانتها وسكونيتها ووثوقيتها وشفويتها واستسلام حواملها الاجتماعيين لما هي عليه، كما بينا دور القوى السياسيّة المتخلفة التي تدفع باتجاه تكريس هذا الثقافة المفوّتة حضاريّاً خدمة لمصالحها يساعدها في ذلك مشايخ السلطان ومؤسساته الدينيّة والعديد من المثقفين والاعلاميين من المطلبين والمزمرين الذي يعملون ليل نهار على تكريس التخلف وتغييب الفكر العقلانيّ التنويريّ، ومحاربة حوامله الاجتماعيين، إما عن طريق سجنهم كأصحاب رأي أو دفعهم للهجرة خارج الوطن، أو تحريض مشايخ السلطان عليهم للتشهير بهم، تحت ذريعة الكفر والالحاد من جهة، أو الفسح في المجال للقوى الأصوليّة الجهاديّة على قتلهم والتنكيل بهم من جهة ثانية.

س15: أ. مراد غريبي: الإنسان العربي يرنو لمجتمع حداثي بكل عناوينه المدنية والمواطنة والعدالة وما هنالك، لكن يا ترى هل التحليل السوسيو ثقافي للظاهرة العربيّة المعاصرة يوحي بأفق حضاري منسجم مع ما هو حداثي وتقليدي بالنظر لمركزيّة الدينيّ والسياسيّ في الوعي الجمعيّ العربيّ؟

ج15: د. عدنان عويد: الناس على دين ملوكها أو حكامها كما يقال، فإذا كان الحاكم تنويريّاً يهمه مصلحة شعبه، فهو يسعى جاهداً لتكريس قيم الحداثة، من علمانيّة وديمقراطيّة وحريّة للرأي، وتكريس لفكرة المواطنة، ودولة المؤسسات، واحترام المرأة ودورها ومكانتها في المجتمع، ونشر التربية والتعليم، والثقافة التنويرية العقلانيّة والعمل على تطوير البنيّة الاقتصاديّة والسياسيّة في دولته ومجتمعه. والعكس صحيح أيضاً، فعندما يكون الحاكم مستبداً وتملكه شهوة السلطة، فهو يسعى جاهدا إلى نشر الجهل والتخلف بكل أشكالهما بين صفوف شعبه، كما يمارس التسلط على رقاب أبناء هذا الشعب، من خلال تحكمه بالسلطة

والتفرد بها، ومحاربة الرأي والرأي الآخر، وتغييب فكرة المواطنة على حساب تسييد سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة، مثلما يعمل على نشر الفكر الدينيّ الغيبيّ الامتثاليّ الاستسلاميّ الوثوقيّ ورجالاته. فلو أخذنا مثالاً واحدا من أجل تأكيد هذه الفكرة في عالمنا العربيّ، مع تأكيدنا على نسبيّة القيم التي يتبناها هذا الزعيم أو ذاك ومدى قدرته على تطبيقها في الواقع. ففي مصر على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن ما أسس له “جمال عبد الناصر” في فترة حكمه من قيم ذات توجه علمانيّ حداثي طال الكثير من بنية الدولة والمجتمع، يختلف كثيراً عما اشتغل عليه أنور السادات بعد استلامه دفة الحكم، حيث تصدى للقوى التنويريّة، وفسح في المجال واسعا لنشاط القوى الإسلاميّة الأصوليّة السلفيّة التي لم ترضيها سياسات السادات نفسه، فراحت تطالبه بأسلمة الدولة نهائيّاً.

إذن، تأتي مقولة عثمان بن عفان (“إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.). صادقة تماماً في تطبيق قيم الدين وشريعته، أو تطبيق قيم الدولة العلمانيّة الحداثيّة ومؤسساتها أيضاً.

عموماً إن الحداثة بكل مفرداتها تفرض نفسها شيئاً فشيئاً حتى على الأنظمة الأكثر قهراً وحصاراً لشعوبها، والحداثة في سيرانها أو جريانها برأيي تشبه جريان الماء تحت أساسات البناء، ربما لا تظهر نتائجها بشكل مباشر لسنوات طويلة، ولكنها تظهر فجأة وبمساحة واسعة في حياة الشعوب عندما تصل في درجة تحولاتها إلى حالة التحولات النوعيّة. والانفجار هنا هو تلك التحولات النوعيّة العميقة في حياة الشعوب، التي قد تأتيّ لأسباب سياسيّة أو اقتصاديّة أو فكريّة. فهذه المملكة العربية السعوديّة تقدم لنا مثالاً حيّاً عن تلك التحولات التي فرضتها الطبيعة السياسيّة في بنية الدولة مع مجيء وليّ العهد “محمد بن سلمان بن سعود”، الذي استطاع بقرارات سياسيّة شخصيّة لها طابع سلطويّ أن تُظهر كل المستور من قيم الحداثة لدى الشعب السعوديّ فجأة بعد أن كان هذا الشعب مكبوتاً في حريته وإرادته ورغباته والتعبير عن شخصيته، فها هو اليوم يمارس الحداثة وخاصة الاجتماعيّة منها بحريّة بغض النظر عن مدى توافقها مع قيم الحداثة في جوهرها, وهذا دليل على أن الشعوب كما جاء في سؤالك هي تعشق الحداثة والتغيير، وهي قادرة على ممارستها عندما تسنح لها الفرصة. ولكن الأنظمة الشموليّة المستبدة هي برأيي من يعرقل تطبيقها وتقدمها في حياة الكثير من مجتمعات دولنا العربيّة، التي تحاصر الحداثة أمام فسح المجال واسعاً للقوى الأصوليّة وفكرها الظلاميّ كي ينشطا بحريّة.

س16: أ. مراد غريبي: ننتقل لمسألة الخطاب الديني خاصة التقليدي، ماذا عن نشأته وتجذره في البناء المجتمعي العربي وكيف يمكن تجاوز المأزق الذي يشكله كتيار مهدد لكل صور المجتمع المدني ودولة الإنسان ومجتمع المعرفة والحقيقة البديهية كما يعبر تشومسكي؟

ج16: د. عدنان عويد: نقول هنا إذا كان الشافعي (أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ 150-204هـ / 767-820م) هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث، قد أسس في القرن الثاني للهجرة أصول الفقه السلفيّ، في كتابه الرسالة، حيث حدد مصادر التشريع بالقرآن والحديث والاجماع والقياس، وبناءً على هذا التأصيل، حوصر العقل والمنطق وحرية الإرادة الإنسانيّة لدى الفقيه ذاته فيما بعد أمام فتح باب الاجتهاد، من جهة، ثم الوقوف وبحزم بوجه كل من حاول أن يستخدم عقله في قراءة النص الدينيّ المقدس من خارج هذه المدرسة السلفيّة من جهة ثانية، وبالتالي اعتبرت أعمال فقهاء هذه المدرسة فيما بعد نصوصاً مقدسة أيضا، الأمر الذي ساهم في تجذير مدرسة النقل المعروفة في تراثنا الإسلاميّ، حتى أصبحت تفاسير أتباعها وخاصة الحنابلة منهم نصوصاً مقدسة لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها. وأصبح عندهم كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

نعم إذا كان “الشافعي” قد أصل فقهيا، لما جئنا عليه هنا مع بن حنبل، فإن “الخليفة المتوكل” قد أصل سياسيا لهذه المدرسة عندما وصل إلى الخلافة عام 232 للهجرة، وأصدر فرمانه السيئ الصيت القاضي بمنع استخدام العقل نهائيا والعودة إلى النقل بعد أن أخذ العقل المعتزليّ مجده في زمن المأمون والمعتصم والواثق. ومنذ ذلك التاريخ وصولا إلى زمن أبي موسى الأشعري الذي أصل بدوره لهذه المدرسة فلسفيّاً من خلال علم الكلام الذي اشتغل عليه، وجعل من العقل ذاته وسيلة لتثبيت النقل والتأكيد عليه، مما أعطى الفكر السلفيّ السنيّ دوره ومكانته في الحياة السياسيّة والفقهيّة (التشريعية)، حتى عصرنا الحديث، هذا إذا ما أشرنا أيضاً إلى المدرسة الفقهيّة الشيعيّة وخاصة الجعفريّة منها التي انطلقت منذ جعفر الصادق، وراح يتواجد لها فقهاؤها الأصوليون. فكان من أبرز سمات هذه الأصوليّة الشيعيّة الجعفريّة هو اعتمادها على المراجع التقليديّة في المسائل الفقهيّة، وهي مصادر التشريع عند الأصوليين السنة، عدا القياس: الذي استبدلوه بالعقل، ولكن أغلب اعتمادهم في التشريع جاء علی القرآن والروايات والأحاديث الواردة في الكتب الأربعة، وقلّما يثبت عندهم حكم بالدليل العقلي، أو الإجماع. ومن أبرز الفقهاء الشيعة في العصر الوسيط يأتي:

1- الشيخ المفيد (413هـ-1022م). ففي رسالته (الأصوليّة) قام بإعادة تأسيس المعارف الإماميّة، وتأصيل أصول التفريع الفقهي، وذلك بعد أقل من قرن كامل على الغيبة الكبرى. ويعدّ كتابه أوّل كتاب مسقل يتناول علم أصول الفقه عند الإماميّة.

2- ثم يأتي السيد المرتضى (440هـ-1048م) الذي حدد وفصل في كتابه «الذريعة إلى أصول الشريعة» المباحث الأصوليّة التي عرّفها الشيخ مفيد، وذلك للتشويش الذي ظهر في عصره. وذكر في مقدمته أن هذا الكتاب منقطع النظير في إحاطته بالاتجاهات الاصوليّة.

3- ثم قام الشيخ الطوسي (460هـ-1068م) بتطوير المدرسة الاجتهاديّة وبدأ بممارسة الكتابة، فكتب كتاب «عدّة الاصول» وميّز فيه

البحوث الأصوليّة عن الفقهية. حيث جعل مصادر الاستنباط وأدلّة الفقه أربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل.

4- وفي القرن العاشر دخل الاجتهاد عند مدرسة الاصوليّة الشيعيّة مرحلة جديدة على يد المحقق الأردبيلي (993هـ-1585م)، حيث يظهر الاتجاه العقليّ بصورة واضحة في مجال الفقه الاجتهاديّ، ويتم تأكيد عمليّة تربيع مصادر الأحكام في المدرسة الأصولية. (1) الويكيبيديا.

إذن ما نريد التأكيد عليه هنا هو، إن الفكر الأصوليّ الفقهي بتياراته انعكس بالضرورة على علم الكلام والفلسفة ماضياً وحاضراً، وظل هو الفكر الأكثر حضوراً وقوة وتأثيرا على الحياة الفكريّة العامة والخاصة، لا سيما وأن كلا التيارين السنيّ والشيعيّ وجدا من يدعمهما وبقوة من قبل الحكومات القائمة وخاصة السنيّة منها التي وجدت في الفكر الأصوليّ الأشعريّ سنداً وعوناً لها في تغطية وتبرير ظلمها ومفاسدها، على اعتبار أن أصحاب هذا التيار يبررون للحاكم فساده وظلمه للرعيّة، وإن كان لدى بعضهم احتجاجاً على هذا الظلم فهم يبررون ذلك بقولهم إن مجيئ هذا الحاكم الفاسد الظالم، هو انتقام من الله للرعيّة الذين حادوا عن اتباع الدين الحنيف وفقاً لرويتهم هم له. وبالنسبة لتيار الشيعة فقد لعبت إيران دوراً كبيراً في دعم هذا التيار بعد قيام الثورة الخمينيّة، والعمل على نشر الفكر الجعفريّ في المحيط العربيّ والإسلاميّ.

أما كيفيّة تجاوز هذا الفكر المتغول في عقول ونفوس المسلمين من جهة، ووجود من يدعمه سياسيّاً من جهة ثانية.

نقول: إذا كانت إجابتنا على الشق الثاني من السؤال الثاني المتعلق في كيفيّة الإصلاح وبناء المجتمع المدنيّ والدولة المدنيّة، أو بناء الحداثة وترسيخها بشكل عام في واقعنا العربيّ المترديّ، فإن إجابتنا هنا ستقتصر بالضرورة على إشكاليّة الفكر المتخلف السائد في الساحة

الفكريّة لوطننا العربيّ، ويأتي في مقدمته الفكر الأصوليّ التكفيريّ الامتثاليّ الاستسلاميّ اللاعقلانيّ.

إن من يتابع الواقع الثقافيّ السائد في الساحة الثقافيّة العربيّة بشكل عام، ويتعرف على أبرز سماتها وخصائصها، سيجد أن هذه الثقافة السائدة هي الثقافة الشفويّة.

فالثقافة الشفويّة في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكايا والأمثال الشعبيّة، دينيّة كانت أم وضعيّة. التي يتداولها الناس في أي مجتمع من المجتمعات بشكل يوميّ، وبكل ما تتضمنه هذه الثقافة من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه أو بالمجتمع والطبيعة معاً. يضاف إلى ذلك أنها ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي، وأصبحت متوارثة، ولم تزل تُجتر ويتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتيّة اليوميّة المباشرة في الفكر والممارسة، على اعتبارها أصبحت تشكل قيماً (معياريّة) ناجزة اختزلت التجربة الإنسانيّة وراحت تضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع، مثلما هي قادرة عند حملتها الاجتماعيين اليوم على تحقيق هذا الضبط والتوجيه حاضراً ولاحقاً، كونها جزءاً من الفردوس المفقود اولاً، وأن معطيات الواقع المتخلف تساعد كثيراً على إعادة إنتاجها ثانياً.

إذن بتعبير آخر نقول: إن الثقافة الشفويّة الأصوليّة اللاعقلانيّة في معظم حمولتها الفكريّة، تظل في جذورها وأصولها وامتداداتها، ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، أو الصح والخطأ، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبيّة منها والايجابيّة فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة حتى زمننا المعيش، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجوديّ والمعرفيّ لكل ما هو تال.

إن أي متابع لجذور هذه الثقافة، سيجدها تمتد في عمق تاريخنا، وأن فروعها وأغصانها ظلت تمتد عبر السنين اللاحقة، وخاصة بعد ظهور الدعوة الإسلاميّة التي شكلت عقيدتها وقيمها الأخلاقيّة المعياريّةالمساحة الأكبر في وعيّ المواطن العربيّ بشكل خاص والإسلاميّ بشكل عام. حيث استطاعت هذه الثقافة الشفويّة ممثلة هنا في قسمها الأكبر بالوعيّ الدينيّ (الفقهيّ) أن تعرش على وعيّ أبناء هذه الأمّة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلاميّة جاء في صلب ما جاءت من أجله، هو إنهاء هذه الثقافة الشفويّة وتحويلها (من ثقافة الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول وهي: (اقرأ)، من جهة أولى، ووضع حدً لتمسك الناس بأفعال آبائهم بِعُجْرِهَا وبُجْرِهَا من جهة ثانية. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفكر ويفعل آباؤنا ظلت مسيطرة وفاعلة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). مع تأكيدنا هنا على الدور الذي مارسته السلطات الحاكمة في تاريخ الدولة العربيّة السياسيّ في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضويّة التقديسيّة، بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم، حيث وجدت القوى الحاكمة المستبدة في سياسة التجهيل، سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها الطويل إلى محاربة الثقافات الإبداعيّة التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها، إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلاميّة من قبل كبار كفار مكة، أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة العربيّة الإسلاميّة التي تتخذ من الدين مرجعيّة دستوريّة وتشريعيّة لها حتى تاريخ دولنا المعاصرة.

نقول: من خلال عرضنا أعلاه، نستطيع تحديد أهم سمات وخصائص هذه الثقافة:

1- هي ثقافة ماضويّة، أنتج معظمها في الزمن الماضي، وغالباً ما يطغى عليها الطابع الدينيّ (الفقهيّ) في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الأهم للمعرفة، وحتى الثقافات الوضعيّة التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفيّة منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها، ظلت محكومة بالدين

أيضاً، على اعتباره هو من يحلل ويحرم التعامل مع هذه الظاهرة العلميّة أو الاجتماعيّة أو تلك.

2 – هي ثقافة جماهيريّة، أو بتعبير آخر، هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة، فغالباً ما تجد الناس في كافة مفردات حياتهم اليوميّة يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبيّة ونصها المقدس، خدمة لمصالحهم اليوميّة المباشرة، أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقيّة والشرعيّة، في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.

3-هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني أو حديث أو رأي صحابيّ أو فقيه، إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع، لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين والفضيلة.

4- هي ثقافة تركز كثيراً عند حملتها ودعاتها على القيم الأخلاقيّة، وخاصة قيم السلف الصالح، الذين أسسوا بناء الدولة الإسلاميّة وحضارتها. وبالتالي هذه القيم تشكل عند دعاتها الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة، أو تجاوزها الزمن. وإذا أرادت هذه الأمّة أن تعود لمجدها وعزتها، فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقيّة تلك، (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).

5- حازت هذه الثقافة على صفة التقديس، كون معظم مكوناتها مرتبط بالدين، وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد الغث والسمين في هذه الثقافة،

وبالتالي فكل خروج عن سمين هذه الثقافة هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

6- هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة)، كون أصلها شفهيّ، وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبويّ وأقوال الصحابة والتابعين.

7-هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين، الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا، وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقيّ في هذه الثقافة، إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينيّة، أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعيّة.

8- هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقيّة القائمة على الاستغلال، من منظور أخلاقيّ، يقوم على مناجاة الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة، عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً، والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحيّة ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح، كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون، وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينيّة قدوة للحاكم والرعيّة أيضاً في نشر العدل بين الناس، دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخيّة من حيث ظروفها الموضوعيّة والذاتيّة ومكوناتها الاجتماعيّة وحدودها الجغرافيّة، ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه.

9- هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجريّة الثلاث الأولى، أو ما حدده فقه (الحاكم) في الأنظمة السياسيّة الحديثة، وخاصة في الدولة الشمولّيّة، وبالتالي هي تعمل على محاربة الحريّة الفرديّة والإرادة الإنسانيّة والرأي الآخر.

10- هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجيّة مغلقة، تعتبر الحقيقة قد أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد، وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجها،

وليّ عنق الواقع كي ينسجم معها. أي هي ثقافة ضد النسبيّة والحركة والتطور والتبدل.

على عموماً ما نريد قوله في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفويّة: إنها ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها، العقل الإيمانيّ والتسليميّ على المواطن العربيّ، بحيث لم يزل النص المقدس وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفيّة والقادة السياسيين، يشكل المرجع المعرفيّ والسلوكيّ للفرد والمجتمع مع غياب فاضح للضبط المنهجيّ وللرأي الآخر. أي هي من يشكل الحكم أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. هذا إضافة لاستغلال وتوظيف ثقافة الخوارق والخرافة والأسطورة، وتطبيق الخاص على العام، أو الجزء على الكل في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع، وكذلك الانخراط بالموروث والمحافظة على الشكليات فيه، كالدعوة إلى التمسك بالرحمة والتسامح، وعند الضرورة لا بد من التمسك بالجهاد أيضاً انطلاقا من التكليف بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى والتناقض في هذه الثقافة الشفويّة وبخاصة الجانب الفقهيّ فيها على سبيل المثال لا الحصر، كون هذا الجانب يتعامل مع مسائل الوجوب والإباحة والمحرم، والعقل والنقل وطريقة الحصول على المعرفة.

من خلال عرضنا هذا لطبيعة الثقافة السائدة في عقولنا وتجذرها، لا بد لنا من ثورة ثقافيّة حقيقة لكشف أبعاد هذه الثقافة ومكوناتها وآليّة عملها والقوى التي تشتغل عليها وتساعد على استمراريتها وتعميقها وإعادة إنتاجها في عقول الموطنين بغية تحقيق أهداف يوجد وراءها قوى اجتماعيّة لها مصالحها الأنانيّة الضيقة. بيد أن هذه الثورة الثقافيّة التي نقول فيها، هي ليست ثورة مجرة من مكوناتها الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسيّة، بل هي ثورة مركّبة من كل هذه المكونات.

س17: أ. مراد غريبي: لديكم مقاربات للإنسان بلحاظ التاريخ والتربية والثقافة والمواطنة، هل الأوهام التي ناقشتموها شكلت سياجاً دوغمائياً في صياغة الإنسان العربي المتخلف باسم الحاكمية؟

ج17: د. عدنان عويد: إن ما جئنا عليه قبل قليل بالنسبة لواقعنا المأزوم بثقافة شفويّة وبنى اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة متخلّفة، يشير وبكل وضح هنا إلى أن هذه التخلف البنيويّ محكوم ليس بحاكميّة أصوليّة دينيّة فحسب، بل هو محكوم بحاكميّة أنظمة وضعيّة شموليّة أيضاً، يضاف إليها حاكميّة التخلف المعيش بكل مفرداته، إن كان على مستوى العرف والعادة والتقليد، أم حاكميّة الكثير من القوانين الوضعيّة المطبقة على واقعنا الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ .

أقول: إن معظم ما قمت بطرحه من قضايا فكريّة وفلسفيّة وأدبيّة تتعلق بالحداثة ومفرداتها، إن كان على مستوى الوطن والمواطنة والانتماء والقوميّة والديمقراطيّة والعقلانيّة والعلمانيّة والاستبداد والدولة الشموليّة والليبراليّة وقيمها وما بعد الحداثة وطبيعة المجتمع الاستهلاكيّ ورأسماليّة الدولة الاحتكاريّة والثقافة والمثقف والمثقف العضويّ وغير ذلك ن قضايا تتعلق بتخلفنا ونهضتنا. فكلها تشير في الحقيقة إلى قضيّة أساسيّة هي: إن هناك واقعاً عربيّاً متخلفاً ومأزوما حضارياً، وقد تقدمت عليه الكثير من دول العالم وحتى المتخلفة منها، ونحن للأسف لم نزل كـ (بول البعير) نرجع إلى الوراء، وبطريقة يندى لها الجبين، فواقعنا أكثر ما يقال عنه، أنه يعيش تحت مظلة أنظمة استبدادية فاشيّة، ذات توجهات مرجعيّة طائفيّة أو قبليّة أو عشائريّة مأزومة، جوعت بعض هذه الأنظمة شعوبها وافقرتها، ودفعت الملايين منها إلى الهجرة وترك الأوطان، ليبقى فيها السفلة والمجرمون وتجار الوطن والدم والفقراء المعدمين الذين ليس لهم قدرة على ترك الوطن أو الدفاع عنه.

من هنا تأتي أهمية العمل على تغيير طبيعة الأنظمة السياسيّة القائمة، وبالتالي اصبحنا هنا بحاجة ملحة لثورة سياسيّة بعيدة عن العنف والعنف المضاد، فثورات الربيع العربيّ اثبت فشلها الذريع بسبب غياب الوعيّ الثوريّ لدى حملتها الاجتماعيين، وخاصة عندما استخدمت العنف ضد هذه الأنظمة المشبّعة بمعرفة كل أشكال العنف الناعم منه والقاسي، فمثل هذه الأنظمة بحاجة لحراك اجتماعيّ واعي لطبيعة النشاط السلميّ وبأن الحل يكمن في هذا النشاط، كي لا يترك مجالاً لقادة هذه الأنظمة أن يجعلوا من حراك المعارضة قوى إرهابيّة. إن رفع شعارات الديمقراطيّة والعلمانيّة والحداثة بوجه هذه الأنظمة سيجعلها ترضخ بالضرورة كونها مطالب حق، ولن تستطيع هذه الأنظمة اتهام دعاتها بالإرهاب أو الخروج عن القانون.

س18: أ. مراد غريبي: في مقاربتكم لفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة أين الفخ وأي أمن ثقافي من شأنه توليد حداثة عربية منسجمة مع سلطة الدين في حياتنا؟

ج18: د. عدنان عويد: دعنا نعيد تعريف الحداثة وما بعدها هنا قبل الإجابة عن هذا السؤال الهام في مضمونة ودلالاته.

إذا كانت الحداثة في سياقها العام، هي كل جديد في حياة الإنسان أغرزته بالضروة طبيعة العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة أثناء تطورها وتبدلها، إن كان هذا التطور والتبدل قد جاء بفعل داخليّ أو خارجيّ، وبالتالي سيجد هذا الجديد مجالاً حيويّاًّ له، وتقبّلا عند أبناء هذا المجتمع أو ذاك بسلبه وإيجابه. فإن ما بعد الحداثة هي نمط حياة تمثله الدول والمجتمعات الغربيّة بشكل عام وأمريكا بشكل خاص. فبعد انتهاء الحربين العالميتين وما تركته من دمار ماديّ وقيميّ على حياة الفرد والمجتمع الأوربيين، راحت تتجذر بشكل أكثر فاعليّة مسألة الضياع الإنسانيّ بعد أن ساد النظام العالميّ الجديد بقيادة الطبقة الرأسماليّة الاحتكاريّة – وما تمثله من قيم السوق (الربح) على كافة مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، حيث راح

الإنسان ذاته يُسلع في هذا النظام، ومع تسليعه وتشيئه واستلابه وتغريبه روحيّا وجسديّا، أدخلوه بالضرورة في عالم اللامعقول، فالحياة تحت مظلة هذا النظام التي أخذ يعبر عنها فلاسفة ما بعد الحداثة، لم يعد لها معنى أو حيويّة، حيث تبين أن كل قيم الحداثة الداعيّة إلى الحريّة والعدالة والمساواة والمواطنة ودولة القانون وغيرها قد تلاشت ولم تعد صالحة أو أثبتت فشلها، وبذلك تحولت الحياة كلها إلى عبث، وراحوا يؤكدون على موت القيم والدين والفن والأدب والكتل الاجتماعيّة، ليسود عالم من التذرير الاجتماعيّ، وليظل الفرد وحده سيد هذا الوجود، فكانت الوجوديّة بشقيها الماديّ والمثاليّ، وسادت العدميّة والعبثيّة دون أي ضابط أخلاقيّ. ومع سيادة هذه القيم راح يتذرر الإنسان ويتنمذج وفق ما يريده أصحاب الرأسمال المتوحش الذين يديرون سياسات العالم، بحيث لم يعد لهذا الفرد المنمذج (أي لون أو رائحة أو طعم، إلا لون ورائحة وطعم ما يريده إعلام وسياسة وثقافة وفن وأدب كباتنة الرأسمال المتوحش المتحكمين بالنظام العالميّ.

على العموم نستطيع القول: إن الحداثة قد انطلقت برأيي من أساسين اثنين هما: أساس طبيعيّ فرضته طبيعة حياة الإنسان الذي يبحث دائما عن حريته وتأمين حاجاته الماديّة والروحيّة، وهذا ما جعله يسعى في مناكبها كي يكتشف أسرارها ويسخر ما يستطيع تسخيره في هذا الحياة بشقيها الطبيعيّ والاجتماعيّ لمصلحته، وقد استطاع فعلاً أن ينجز الكثير في هذا المجال على المستويين الماديّ والفكريّ. فمن اختراعه للفأس الحجريّة وصولاً إلى اختراعاته بمستوياتها العليا في مجال التكنولوجيا، ومن اكتشافه للحرف وصولاً إلى مستويات عليا أيضا في التفكير واستخدامه في مجالات الفلسفة والفن وادلأب وكل مجالات العلم. هذه هي الحداثة والتجديد – على اعتبار أن كلاهما وجهان لقضيّة واحدة في نسقها الأول.

أما الحداثة في نسقها الثاني: فهي الحداثة التي شكلت نظام حياة، وقد تجسد عبرها جملة من التحولات الماديّة والفكريّة بقيادة طبقة جديدة هي الطبقة التجاريّة في بدايتها، التي شكلت بدورها مع بداية القرن الخامس عشر الحركة الأنسيّة في الحداثة في مدن إيطاليا التجارية(فلورنسا والبندقيّة)، ثم ظهرت الطبقة الرأسماليّة الصناعيّة التي تحولت تاريخيّاً من طبقة تقدميّة  كانت وراء عصر التنوير في القرن الثامن عشر، إلى طبقة استغلاليّة مارست وتمارس القهر على شعوبها وشعوب العالم الضعيفة والمتخلفة ومنها وطننا العربيّ منذ ظهور المرحلة الإمبرياليّة وصولاً إلى المرحلة الرأسماليّة الاحتكاريّة ونظامها العالميّ الجديد.

نقول: إذا كانت الحداثة هكذا هي في سياقها التاريخيّ، فالسؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا هو: أين نحن من الحداثة وما بعدها؟.

لا أحد ينكر أن العرب عبر امتدادهم التاريخي قد أوجدوا حضارات كبيرة لها عمقها التاريخيّ وتجلياتها الماديّة والروحيّة في بلاد الشام وبين النهرين وإفريقيا ومصر. ولكن هناك قطع تاريخيّ كبير قد حدث في مسيرة هذه الحضارات، حيث تحولت معالمها اليوم إلى مناطق سياحيّة يجوبها عشاق السياحة في العالم، أما الذي ساهم في تحقيق هذا القطع، فهي الحروب التي كانت تدور بين دولها قبل التاريخ من جهة، ثم سيطرة الرومان واليونان والفرس عليها وطبعها بميسمها من جهة ثانيّة، وأخيراً وهذا هو المؤسف حقاً، هو ظهور الإسلام بعظمته وسيطرة قوى اجتماعيّة ذات عقليّة بدويّة على مقاليد أموره وبالتالي إدخاله في عالم القبيلة والغنيمة أولاً، ثم ممارسة الاستبداد على الشعوب التي خضعت له روحيّاً وجسديّاً في المناطق التي انتشر فيها من قبل طبقة سياسيّة ذات عقليّة بدويّة فقدت منذ البداية قدرتها على فهم هذا الدين العظيم ومقاصده ثانياً، كما فقدت بالتالي سيطرتها على أمور قيادة الدولة والمجتمع والخضوع لقوى غريبة هم من أدخلوها السلطة، وراحوا فيما بعد بسبب صراعاتهم على هذه السلطة أن يتحكموا بهم وإيصال حلفائهم من الخلفاء إلى ببغاوات ينفذون ما يأمرهم به البويهيّ والبرمكيّ والسلجوقيّ وغيرهم.

إذن نحن قي عالمنا العربيّ فقدما زمام مقومات الحداثة في نسقها الطبيعيّ الذي أشرنا إليّه أعلاه، وإن بقي لدينا بعض من مقومتها فقد هُجرت بالقوة إلى سمرقند واستانبول وغيرها من عواصم الدول الغازيّة التي حكمتنا مئات السنين باسم الإسلام. الأمر الذي جعل الباحث الجبرتي يذكر في كتابه (تاريخ الجبرتي) عن مفردات بعض الحضارة الغربيّة التي دخلت مصر مع حملة بونابرت:( ولهم فيها أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا). أو كما يقول الطهطاوي بعد عودته من فرنسا: ( بأن هناك خمسة عشر علما تقوم عليها الحضارة في الغرب نحن نفتقد إليها في مصر، وسماها بالعلوم البرانيّة، أذكر منها: علوم التربيّة التي يدخل فيها الحساب والهندسة والجغرافية والرسم، وعلم تدبير العلوم كالحقوق الطبيعيّة والحقوق البشريّة والحقوق الوضعيّة، وعلم الاقتصاد كالمصارف وتدبير المعاملات والمحاسبات وحفظ بيت المال، وهناك العلوم العسكرية والبحريّة، وعلم السفارات، وفن المياه، وعلم الميكانيك وهندسة العمارة، وفن الرمي بالمدفع، وفن سبك المعادن، وعلم الكيمياء وصناعة الورق، وعلم الغلافة، وعلم الطبيعيات، وعلم الطباعة وفن الترجمة). هذا في مصر ذات الحضارة الفرعونيّة، فماذا عن حضارات المشرق العربيّ كالآراميّة والفينيقيّة والبابليّة والسومرية والأكديّة.؟. فهذا الكاتب النهضويّ “أحمد فتحي زغلول” يوصف حالة المشرق العربيّ المزريّة عام 1899 فيقول: ( نحن ضعفاء في كل شيء تقوم به حياة الأمم، متأخرون في كل شيء عليه مدار السعادة .. ضعفاء في الزراعة.. ضعفاء في الصناعة.. وليس منا إلا الفعلة والعتالون ومنفذوا إرادة الأجنبي ليبقى هو ونموت نحن، هذه المعامل الفسيحة والمصانع العظيمة التي أقيمت بين بيوتنا كلها للأجنبيّ. ثم يتابع قوله: نحن ضعفاء في التجارة والعلم، اللهم إلا علم مداره جهل حقائق الأشياء في الوجود، أما المفيد منه فقد اقتصرنا منه على ما يختص بعلاقة الأنسان مع ربه، والباقي حكمنا عليه بالإعدام.).

هذا ويجب أن نشير هنا إلى دور التقسيم الدوليّ للعمل وتأثيره على دول المتروبول ومنها وطننا العربيّ. حيث كان لهذا التقسيم آثاراً سلبية انعكست على حياتنا حيث وصفها أحد الأوربيين المقيمين في لبنان في نهاية القرن التاسع عشر بقوله: (إن مخازن هذه المدينة مليئة بالسلع من مصانع أوربا وأمريكا، ويكاد السائح يجد في كل شارع من شوارعها سلعاً وبضائع من جزر الهند الغربية… أقمشة قطنية من انكلترا…

وأجواخ من مانشستر… أقمشة اسكوتلىنديّة.. حرائر فرنسيّة.. ومناديل سويسريّة.. والذين يعرفون كيف كانت بيروت من سنة 1835 – إلى 1855. فهي أشبه بالفرق بين منتصف الليل ومنتصف النهار.). وهذا الوضع الاقتصاديّ تحت مظلة التقسيم الدوليّ للعمل دفع المفكر النهضويّ “نسيب شبلي” يكتب عام 1886عن الوضع الاقتصاديّ في البلاد العربية ومنافسة الاقتصاد الغربيّ له قائلاً: (يكاد المال أن يفرغ من يد أبناء البلاد، وما ذلك إلا لقاء سلع الأجانب علينا، ولا نرى ندحة من اقتنائها. ثم يتساءل: أين محصولاتنا؟. أين صناعاتنا؟. أين المواشي؟. أين المعامل؟. أين المصانع؟. أين الزراعة؟. أين كل أساليب التمدن؟. هذه كلها أسئلة يخجل المتكلم عن الجواب عليها.).

أمام هذا التردي العربيّ حضاريا مقارنة بالحضارة الغربيّة الغازيّة، تأتي دعوة المهندس الفرنسي “جومار” الذي وقف أمام البعثة الدراسيّة المصريّة التي أوفدها “محمد على باشا” إلى فرنسا خطيباً أثناء تخرجهم قائلاً: (أمامكم مناهل العرفان فاغترفوا منها بكلتا يديكم، اقتبسوا من فرنسا نور العقل الذي رفع أوربا على أجزاء الدنيا. وبذلك تردون لبلدكم منافع الشرائع والفنون التي ازدان بها عدة قرون في الأزمان الماضيّة، فمصر التي تنوبون عنها ستسترد بكم خواصها الأصيلة).

نعم إن دعوة “جومار” هذه، كانت دعوة لتبني الحداثة الغربيّة كنظام حياة وقد تبناها الكثير من الكتاب والمفكرين العرب من الطهطاوي مروراً بشبلي شميل وفرح انطون وأديب اسحق ومحمد عبده وسلامة موسى وطه حسين وكل المفكرين التنويريين اللاحقين من الجابري والعروي والتيزيني وجلال صادق العظم ومحمود أمين العالم وزكي نجيب محمود وحسن حنقي وغيرهم الكثير، ممن حمل لواء الحداثة على المستوى الفكريّ والعمليّ، بيد أن طبيعة الأنظمة الاستبداديّة التي تسيطر على حياة البلاد والعباد حالت دون تحقيق النهضة الحداثيّة، وحاصرت الفكر التنويريّ العقلانيّ، لتفسح في المجال واسعاً أمام الفكر الظلاميّ الأصوليّ الذي يعمل على تجهيل الشعب وإبعاده عن التفكير العقلانيّ بواقعه المعيش، وربط تفكره بالله واليوم الاخرة وعذاب القبر وناكر ونكير والجنة والنار وحور العين وأنهار الخمر والعسل وأرائك الاستبرق.

إذا كان هذا هو واقع الحداثة في علمنا العربي فما هو واقع ما بعد الحداثة.

إن من يتابع الحركة الفكريّة الفلسفيّة منها، والفنيّة والأدبيّة بشكل عام على الساحة الثقافيّة العربيّة، يجد الكثير من المفكرين والفنانين والأدباء قد انساق وراء تيار الحداثة وما بعد الحداثة، محاولين بشكل مباشر أو غير مباشر الاستفادة من هذه النظريات أو الأفكار، بأساليب ومفاهيم فكريّة جديدة تنتمي لهذه المدارس الفكريّة وامناهجها ، وخاصة الما بعد حداثويّة، أملا في تجاوز أزمة الواقع العربيّ المتردي في معطياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة. حيث أعطوا الأهميّة الكبرى لمضمون النص المقتبس من الغرب، أدبيّاً كان أو فنيّاً أو فلسفياً، بعد عزله عن محيطه، وجملة ملابساته السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة، على اعتبار أن هذا النص له عالمه الخاص به، وحركته وسياقاته التي تتم من داخله فقط، ولا تأثير عليه من المحيط الذي ينوجد فيه، أو ما يساهم في إنتاجه بالأصل.

إن هذا التوجه المنهجي التفكيكيّ أو البنيويّ، جاء برأي، عند هؤلاء المتبنين لمناهج ما بعد الحداثة، إما هرباً من عقاب السلطات الحاكمة المستبدة والشموليّة لكل من يحاول توصيف وتحليل أزمة الواقع المعيش عقلانيّا، وبالتالي إظهار أسباب أزمته وتخلفه، أو جاء نتيجة غياب للرؤية العقلانيّة النقديّة لديهم، وسيادة نزعة التقليد والتجريب، دون وعي أو إدراك للأسباب التي أدت إلى ظهور هذه المناهج في أوربا.

نقول: إن معظم محاولة التجديد التي تأتي من الحداثة أو ما بعدها مهما كانت طبيعتها، ولا تقوم على المستلزمات الأساسيّة لتطور المجتمع والدولة معاً، والسير بهما نحو التحرر والتقدم وفقاً للحاجات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة التي تتطلب بالضرورة تحطيم أو إقصاء ما أصبح تقليديّا ومترهلاً ومتخلفاً منها، والفسح في المجال لبناء بنى جديدة أكثر ملاءمة وحيويّة لخصوصيات العصر، إنما هي في

الحقيقة محاولات تجديد مفتعلة أو منفصلة عن سياقها التاريخيّ مهما كانت نيات حواملها الاجتماعيين،

أي هي حداثة دائرة في فراغ، ومفضيّة إلى فراغ، وبانتظارها فراغ جديد. وبالتالي هي اتجاه حداثيّ مغترب، لا يلامس الحالة الوطنيّة، ولا يقارب الواقع الموضوعيّ الملموس، أو المعيش. وهذا ما يجعلها ثقافة نموذجيّة للعقليّة الثقافيّة الزائفة التي تحاول بوعي أو بدونه، تخليد حالات الانفصال بين المثقف العربيّ والحاجات الضروريّة الملموسة لشعبه. الأمر الذي يجعل هذه الثقافة تعمل على تكريس وضعيّة اجتماعيّة معينة تخدم قوى اجتماعيّة وسياسيّة أو طبقيّة معينة ذات مصالح أنانيّة ضيقة في الغالب.

إذن، من هنا علينا أن نبين عمليّة الخلط ما بين الحداثة وما بعدها… ما بين الحداثة كتوجه عقلانيّ نقدي تفرضه الضرورة التاريخيّة لمسيرة المجتمعات نحو تقدمها ونهضتها، وهي فعل إيجابيّ يراعي خصوصيات الواقع دون الخضوع المطلق لهذه الخصوصيات بطبيعة الحال، وبين الما بعد حداثة، كتوجه حداثيّ سلبيّ يقفز فوق الواقع وخصوصياته، بغية تحقيق مصالح معينة تقوم على دوافع ذاتيّة إرادويّة بعلم حاملها الاجتماعيّ لخطورة هذا التوجه أو بدون علمه. لذلك أن الموقف المنهجيّ العقلانيّ النقديّ والأخلاقيّ معاً، يتطلب منا أن نكشف الأبعاد الحقيّقة لهذا النمط من الخلط المنهجيّ بين الحداثة وما بعدها وتحطيمه. فما قيمة الأدب والفن والفكر عموماً، إذا لم يعبر عن قضايا وهموم الفرد والمجتمع، أو ما قيمة أدب وفن وفكر يبحت عن وجود الإنسان في عالم الميتافيزيقا أو الغيبيات، أو عالم البنى الثقافيّة التقليديّة، أو تحت مظلة التخيل والتأمل السلبيّ، ملغيّاً الحاضر تحت ذريعة البحث عن المستقبل.. أي عن زمن غير زمننا ولا يلامس قضايانا ومشاكلنا، ووضع الحلول لها، في الوقت الذي تعاني منه مجتمعاتنا الجوع والقهر والظلم والتشيىء والاستلاب والضياع والغربة.

إن البحث عن واقعنا في تلك العوالم الفكريّة والأدبيّة والفنيّة المفارقة للواقع المعيش، هو ليس أكثر من البحث عن حداثة أو ما بعد حداثة الاغتراب الماديّ والقيميّ معاً، وبالتالى هذا ما يجعلنا نعيش فقط في سحر الكلمات وتراكيبها، وصورها الفنيّة وألوانها، وعالم أوهام شعر وأدب خالٍ من أي مضامين إنسانيّة سوى مضامين الدهشة التي تنتهي بانتهاء قراءتنا أو مشاهدتنا لتجلياتها. أي عالم الفن من أجل لفن وليس من أجل المجتمع.

س19: أ. مراد غريبي: الحياة العربية على ضوء دور الدين فيها تثير موضوعا جدليا في قبال الديمقراطية، أقصد الشورى، ماذا عن المواطنة في ظل مقتضيات أو شروط الشورى؟

ج19: د. عدنان عويد: دعنا بداية نتعرف على الديمقراطيّة والشورى.

الديمقراطيّة:

هي المشاركة الشعبيّة في قيادة الدولة والمجتمع، واحترام الرأي والرأي الاخر، وهي الاقرار بالمساوة بين الجنسين، وهي التعدديّة وتداول السلطة، وهي في المحصلة إلغاء كل حالات التمايز السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة من أجل سيادة المواطنة. والديمقراطيّة من جهة أخرى ليست شكلاً فحسب تتجسد في صناديق الاقتراع.. الديمقراطية جوهر.. وجوهرها تنمية الإنسان والعودة به إلى مرجعيته الإنسانيّة التي استلبت منه تاريخيّاً بفعل ضياعه في منتجاته داخل علاقاته الاجتماعيّة الاستغلاليّة من جهة، وبفعل القوى التي مارست عليه الاستبداد والاستغلال والتجهيل والضياع من جهة ثانية.. فالديمقراطيّة إذن هي مشروع إنسانيّ هدفه الإنسان، ووسائل تطبيقه في المحصلة هو الإنسان نفسه، ونقصد بالإنسان هنا، من يبحث عن إنسانيته الضائعة والمستلبة والمشيئة والمغتربة عبر الديمقراطيّة. هذا وللديمقراطيّة أساليب إدارتها ولها قيمها أيضاً.. فأساليب عملها هي المؤسسات التي تديرها إدارات محليّة ومجالس نيابيّة ودساتير، ومؤسسات إداريّة، وتمثيل شعبيّ، وصناديق اقتراع …الخ. أما قيمها

فهي السمات والخصائص الأخلاقيّة والقيميّة التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات أو أمّة من الأمم وبالتالي على المشروع الديمقراطيّ أن يراعي هذه الخصوصيات القيميّة عند كل مجتمع من المجتمعات، ولا نقوم بنقل تجارب ديمقراطيّة لأمّة ما إلى أمّة أخرى، ولكن علينا أن نستفيد من تجارب تلك الشعوب او الأمم إذا كانت تتوافق وواقعنا المعيش وقيمنا.

من هنا نقول: إن الديمقراطّيّة صيغ وليست صيغة واحدة صالحة لكل زمان ومكان.

أما الشورى:

فهي مشروع لتداول الرأي في قضايا تهم الفرد والمجتمع، أمر بها النص القرآنيّ بآيتين هما (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (- آل عمران159). (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38- آل عمران).

وهي في المصطلح، الوجه الآخر للديمقراطيّة، إلا أنها ظلت محكومة في فهم وتفسير القرون الوسطى لها، وبالتالي لم تحدد لها آليّة عمل أو وسائل تطبيق كما هو الحال في الديمقراطيّة، مع تأكيدنا بأن هناك رؤى إسلاميّة راحت تعمل على إعادة قراءة الشورى بفهم معاصر من حيث ألّيّة عملها ودور ومكانة الإنسان في تقرير مصيره عبرها كما هو الحال في الفهم الإخواني المعاصر لها، او فهم الثورة الإسلاميّة لها. ولكن ظلت آلية عمل الشورى محكومة بالنص المقدس وتشريعاته، وبالتالي هذا ما يحد من فتح آليّة عملها من قبل الإنسان كسيد نفسه ومن حقه أن يحقق مصيره وحياته وسبل عيشه وفقاً لرغباته لا وفقاً لما يريده النص المقدس.

أما بالنسبة لقضية المواطنة، فالديمقراطيّة تركز على مسألة الوطن والمواطنة، واعتبارهما هما المنطلق لتحقيق العدالة والمساوة والأمن والاستقرار ودولة القانون والمؤسسات الخاصة بشعب محدد أو أمّة محددة.

أما بالنسبة لموقع المواطنة في الخطاب الإسلاميّ بشكل عام والشورى من ضمن آليّة عمل هذا الخطاب، فهي تتجاوز بنية الوطن وبالتالي المواطنة، ففي الشورى هناك مسلم وليس سوريّاً أو مصريّاً أو عراقياً أو عربيّاً… الخ. لذلك هي تعتبر غير المسلم في الدولة الواحدة ذميّاً له حقوقه وعليه واجباته التي تختلف إلى حد كبير عن حقوق وواجبات المسلم، هذا من جهة. في الوقت الذي تعتبر فيه أرض الإسلام هي أرض كل مسلم ولا تمتلك هذه الأرض حق التخصيص لهذا الشعب أو ذاك أو لهذه الأمّة أو تلك غير الأمة الإسلاميّة، وعلى هذا الأساس فهناك داران في الخطاب الإسلامي، دار كفر ودار إيمان. من هذا المنطلق يفقد الوطن جذوره الجغرافيّة والسياسيّة، مثلما تفقد المواطنة سماتها وخصائص الوطنيّة أو القوميّة. وهذا ما اشتغل عليه الإخوان والقوى السلفيّة الجهاديّة ومشروع الثورة الخمينيّة في إيران ومن يواليها في العالمين العربيّ والإسلاميّ.

س20: أ. مراد غريبي: كيف تقرأون تمثلات الإسلام السياسي عربيا في الخمسين سنة الأخيرة وماذا عن حركة التاريخ في ذلك كله؟

ج20: د. عدنان عويد: إن من يتابع الحراك الفكريّ والسياسيّ في الخمسين السنة الماضية، يلمس وبكل وضح ذاك التوجه المحموم نحو شعار أو مقولة (الإسلام هو الحل)، وارتباط هذا الشعار بفكرة الحاكميّة التي بينا دلالاتها في موقع سابق من إجاباتنا، فمنذ سبعينيات القرن الماضي بدأت تظهر على الساحة العربيّة نشاطات دينيّة تدعوا إلى ضرورة العودة إلى الإسلام بعد أن فشل الحكام العرب في تحقيق انتصارات حاسمة، إن كان على مستوى القضية الفلسطينيّة، أو على مستوى مشاريعهم الوطنيّة أو القوميّة باسم الاشتراكيّة أو القوميّة، على

حياة الدولة والمجتمع، فهناك زيادة في نسبة الفقر والهجرة ورفض تداول السلطة ومحاربة الرأي والرأي الآخر، واختزل الديمقراطيّة والعلمانيّة بشعارات على مقاس القوى الحاكمة، وتكريس المرجعيات التقليديّة في السلطة وحتى داخل الأحزاب التي تدعي العلمانيّة. فمن هذه الوضعيّة المتردّية جاء التوجه الإسلاميّ المحموم الذي ساعد على تنشيطه قيام الثورة الإسلاميّة في إيران، وبدء تحرك الإخوان المسلمون من جديد تساندهم الثورة الخمينيّة، مثلما راحت بعض الأنظمة العربيّة تتناغم مع التيار الإسلاميّ عبر مؤسساتها الدينيّة محاولة الالتفاف على هذا التيار كما جرى في العراق وسورية ومصر وليبيا، ولكن من اعتمدت عليهم مشايخ ورجال دين كانوا أذكى من هذه الحكومات، ففي مصر قتلوا السادات، وفي العراق انهوا نظام صدام وكذلك الحال في ليبيا، وفي سوريّة ظهرت العشرات من فصائلهم المسلحة التي حملت السلاح بوجه الدولة.

لاشك أن دعاة التيار الإسلاميّ قد فشلوا حتى اليوم في مشروعهم الذي قاتلوا من أجل إقامته، والذي تجلى واضحاً في ما سمي بثورات الربيع العربيّ، وقد صفيّ جسديّاً الكثير منهم، وكان لتوجاتهم السياسيّة غير العقلانيّة التي لم تراع خصوصيات الواقع ولا التطور الزمني الذي حدث في بنيتي الدولة والمجتمع العربيين، ثم لعدم معرفتهم الحقيقيّة بطبيعة الأنظمة الحاكمة وآليّة عملها، فكل ذلك انعكس سلباً على دعاة هذا التيار، وعلى الدول والمجتمعات التي تحركوا فيها، ودفع الجميع الثمن باهضاً, وأرجاع البلاد والعباد مئات السنين إلى الوراء.

س21: أ. مراد غريبي: كيف يمكن لاهتمامك بالمجتمع المدني أن يفيدك في فهم ما يصلح للإنسان العربي وحياته المستقبلية؟

ج21: د.عدنان عويد: دعنا نتعرف على مفهوم المجتمع المدنيّ أولا، فالمجتمع المدنيّ في سياقه العام، هو المجتمع الذي تجاوز في علاقاته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، مجتمع العشيرة والقبيلة والطائفة، وهو المجتمع الذي راح يُحكم بالقانون ودولة المؤسسات، ولم يعد يحكم بالعرف والعادة والتقليد. وهو المجتمع الذي أصبحت فيه المواطنة جوهر العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، وبين الفرد والمجتمع والدولة من جهة ثانية، وهنا تلغى التراتبيّة في تحديد طبيعة هذه العلاقة من الناحيّة الاجتماعيّة والسلطويّة والاقتصاديّة، داخل المجتمع المدني، كما تسود في هذا المجتمع الثقافة العقلانيّة التنويريّة التي تركز على القيم الإنسانيّة واعتبار الإنسان سيد قدره ومصيره، لا ثقافة النقل والمطلق وتقديس الأفكار والأشخاص والثبات والسكون والتحجر والشكلانيّة. أو بتعبير آخر إقصاء ثقافة الأموات والهروب من الدنيا والتفكير بعذاب القبر والبحث عن حور العين وأنهار السمن والخمر والعسر وحور العين, أي تكريس ثقافة الأموات.

أمام هذه المعطيات المتعلقة بمفهوم المجتمع المدنيّ، يطرح السؤال التالي نفسه علينا وهو: أين واقعنا العربيّ بكل مستوياته أو مكوناته من هذا المجتمع؟.

لا شك أن الاجابة ستكون، بأننا بعيدون كثيراً عن عالم هذا المجتمع، ونحن لم نصل إلية في علاقاتنا السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، لا على مستوى حياة الفرد أو المجتمع أو الدولة. نحن لم نزل نعيش حياة المجتمعات التقليديّة المشبعة مرجعياتها التقليديّة، وسياستها القائمة على عقليّة البطل الملهم إن كان داخل بنية العشيرة أو القبيلة أو الطائفة أو الطريقة الصوفيّة أو الحزب أو قيادة الدولة. أما دولنا فهي دول ما قبل الدول، دول تمثلت في الشكل مهمة الدولة الحديثة، من حيث مؤسساتها وعلمها ودساتيرها وحتى صناديق انتخاباتها، ولكنها في الجوهر بعيدة كل البعد عن جوهر الدولة المدنيّة. فالدساتير في مضامينها النظريّة عند الكثير من دولنا العربيّة مليئة بمفاهيم الحريّة والعدالة والمساواة ودولة القانون والمواطنة، ولكنها في التطبيق بعيدة كل البعد عن هذه المضامين، حيث تتجلى في الممارسة سياسات القهر والظلم والاقصاء والاستبداد والتحكم بالسلطة ومحاربة المختلف، وعلى مستوى البرلمانات، تجري بطريقة تسويقيّة محددة نتائجها سلفاً, إما عن طريق التعيين من قبل الحاكم بأمر الله، أو تجري بطريقة ديمقراطيّة صوريّة مدروسة وموجهة لخدمة الحاكم بأمر الله أيضاً. أما على مستوى الاقتصاد فهناك أنماط متعددة للإنتاج يغيب فيها وضوح الخط الاقتصاديّ، فلا هو اقتصاد سوق رأسماليّ، ولا هو اقتصاد سوق اشتراكيّ، بل هو اقتصاد سوق هجين يعمل على خدمة القوى البرجوازيّة البيروقراطيّة التي تتحكم بالمواقع السياسيّة والإداريّة الهامة في الدولة ومن يدخل في نطاقها وخدمة لها من البرجوازيّة الطفيليّة في المجتمع. هذا عدا عن كونها لم تزل محكومة سياسيّاً وفكريّاً بأيديولوجيات أثبت الزمن فشلها وعدم قدرتها على مجاراة حركة الواقع، لذلك نجد أن حواملها الاجتماعيين من رجال دين أو رجال سياسية وضعيين عملوا وبشكل قسريّ على ليّ عنق الواقع كي ينسجم مع أيديولوجياتهم المفوته حضاريّاً.

هذا غيض من فيض التردي والتخلف في واقع دولنا ومجتمعاتنا، لذلك لا بد لنا من طرح رؤى وافكار واتخاذ سلوكيات تجاري الواقع من جهة، وتعمل على تغييره دائما لمصلحة الفرد والمجتمع من جهة ثانية. فنحن بحاجة لفكر عقلانيّ بعيد عن الفكر الأيديولوجيّ الجامد والمتحجر… نحن بحاجة لرؤى فكريّة سياسيّة واقتصاديّة وقانونيّة وإداريّة ومجتمعيّة تطابق واقعنا وتراعي خصوصياته، وهذا لن يتحقق إلا من خلال حوامل اجتماعيّة مؤمنة بوطنها وشعبها ومصالحهما، وهي تستطيع من خلال وصولها إلى السلطة عن طريق الشعب، وبوسائل انتخابيّة نزيهة، على إدارة شؤون البلاد والعباد لإخراجهم من مازق التخلف البنيويّ الذي هم فيه، وبالتالي محاسبة من يفشل في تحقيق هذه المهمة وإقصائه. وهذا الأمر لن يأتي بالنوايا الحسنة ولا بالدعاء وكثرة السجود، فلا بد من حراك شعبيّ غير حراك ما سمي بثورات الربيع العربيّ التي مارست حوامله كل موبقات الثورات، فكانت النتيجة كره الشعب للثورة وللديمقراطيّة وللحريّة، لتعود بعض الدول العربيّة كمصر وتونس والجزائر إلى حكم العسكر من جديد بعد ان أسقطت هذه الثورات أنظمتها الشموليّة.. نحن بحاجة لثورات شعبيّة معقلنة لا تستخدم السلاح والعنف السلبيّ، نحن بحاجة لثورات سلميّة تحاصر القوى المستبدة المتمسكة بالسلطة حتى ترضخ لمطالب الشعب العقلانيّة.

مرايا فكريّة – الحلقة (العاشرة)

 

المحور الأول: قضايا الفكر والهويّة والتراث:

س11: ا. مراد غريبي: ثمة تناقضات أيديولوجية حادة في التراث الدينيّ أربكت الفكر العربيّ المعاصر، حيث عقدت طرح الإشكالات الاستراتيجيّة، الأمر الذي بات يتطلب مراجعة نقديّة للتراث تذهب إلى جذور المآزق التاريخيّ في مدوناته وإفرازاته، من أجل تجاوز دوامة الإخفاق التي تحاصر الواقع العربيّ داخل دائرة فوضى التنظير، هل الخلاص في العلمنة أم الدين وأي حاجة لكلاهما؟

ج11: د. عدنان عويد: إن مشكلتنا مع التراث لإسلاميّ بشكل عام، والنص المقدس منه (قرآن وحديث) بشكل خاص، ابتدأت بعد وفاة الرسول عملياً وذلك من خلال الصراع على الخلافة بين المهاجرين والأنصار وتوظيف حديث (نسبوه) للرسول يقول: (الخلافة في قريش)، ثم راحت المشاكل تتفاقم عبر تاريخ الخلافة من خلال تفسير النص وتأويله فيما بعد, وخاصة في الاتجاه السياسي, الذي فتح مجالاً واسعاً في تأويل النص القرآني

وتفسيره, وفي ضع الأحاديث التي تجاوزت مئات الألوف كما تذكر مصادر الحديث وعلومه.

لا شك أن الرسول كان يدرك أن القرآن حمال أوجه وهو القائل: (القرآن ذلول حمال أوجه فخذوه على وجهه الحسن)، كونه يدرك دلالة الآية السابعة من آل عمران التي تقول: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). فالآية واضحة في دلالاتها المعرفيّة من جهة، وبالحوامل الاجتماعيّة ممن في قلوبهم زيغ، الذين سيوظفون هذا النص لمصالحهم ومصالح اسيادهم من جهة ثانية. لذلك على هذا الموقف المعرفيّ والسلوكيّ جاءت تلك الصراعات الفكريّة والسياسيّة التي كلفت الدولة والمجتمع منذ السقيفة حتى اليوم الكثير من الدماء، والتي لعبت على وترها السياسة، تحت مظلة تفسير النص الدينيّ وتأويله خدمة لأجندات كثيرة، أدت إلى انقسام المجتمع العربيّ الإسلاميّ إلى ثلاث وسبعين فرقة كل فرقة تقول هي الفرقة الناجية.

إن من يتابع المسيرة الفكريّة للخطاب الإسلاميّ من السقيفة حتى اليوم، يجد تلك التناقضات والخلافات على مستوى علم الكلام والفقه، فعلى مستوى علم الكلام، كان هناك المعتزلة وخطابهم العقلانيّ الذي يبجل العقل وحريّة الإرادة في تقرير الإنسان لمصيره، وقد اتكأ عليه المناوئون للسلطة الحاكمة الذين قالوا: إن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وإن السلطات الحاكمة يجب أن تحاسب على أخطائها لكونها من فعلها هي. وكان هناك الفكر

الجبريّ ممثل فكرياً بالأشاعرة والماتريديّة, وفقهياً بالتيار الحنبلي الذين اتكأت عليهم السلطة الحاكمة، وراحت عبرهم تسوق للرعيّة بأن سلطتها مقدرة من قبل الله وما عليهم إلا الطاعة والرضوخ لإرادة الله، وكل من يخرج على السلطات الظالمة سيخرج بالضرورة على ما قدره الله له، حتى ولو كان الحاكم فاسقا وفاسدا. وعلى هذا الصراع الفكريّ المتكئ أصلاً على النص المقدس كما أشرنا أعلاه، توقف عليه الموقف الفقهيّ ذاته، وظهور المداس الفقهيّة كالشافعيّة والمالكيّة والحنبليّة والحنفيّة وبقية المذاهب الأخرى كالظاهريّة وغيرها من المذاهب التي لم يعد الاعتماد فقهياً عليها والتي وصلت إلى أحد عشر مذهباً، علماً أن المذهب الحنفيّ من المذاهب الأربعة المتبقية يأخذ بالرأي، إلا أن بقية المذاهب الأخرى المغرقة بالجبر قد حاربت أصحاب هذا المذهب ذاته، وعملت على تحجيم دعاته، رغم أن السلطات الحاكمة تعتمد عليه أحيانا لتمرير مشاريع تصب في خدمة سير الدولة ومصالحها, مجاهلة موقف المذاهب الجبرية الداعمة لها, كما جرى في مصر في نهاية القرن التاسع عشر عندما أرادت الدولة استخدام الحنفيات في مياه الشرب والوضوء, حيث وقف الحنابلة والشافعية ضد المشروع فلجات السطة إلى أصحاب المذهب الحنفي لتمريره, ومن يومها سمية (الحنفية) نسبة إلى المذهب الحنفي.

إذن إن الصراع الفكريّ جاء من خلال تفسير وتأويل طبيعة النص المقدس ذاته كونه حمال أوجه من جهة، ومن موقف الذين في قلوبهم زيغ الذين فسروا هذا النص وأولوه لمصالحهم ومصالح القوى الحاكمة التي يعملون في خدمتها من جهة ثانية. أما الضحيّة فهم الرعيّة، الذين لا حول لهم ولا قوة… الرعيّة التي كان ولم يزل وعيها مغيباً عن حقيقة هذا النص المقدس، وعن

من قام بتفسيره وتأويله عقلانياً لهم. وبالتالي كانت الرعيّة في المفهوم القروسطيّ، والجماهير في المفهوم المعاصر، ليست أكثر من حطب وقود لأيديولوجيا مفوّته حضاريّا، ولقوى اجتماعيّة تشتغل عليها حتى اليوم خدمة لمصالح أنانيّة ضيقة. وأن كل ما جرى ويجري اليوم من حروب أهليّة وصراعات طائفيّة ومذهبيّة، وراءها قوى اجتماعيّة وسياسيّة لها مصالحها التي تريد تمريرها عبر الخطاب الدينيّ نفسه، مستغلة تلك التناقضات العميقة فيه التي أشرنا إليها أعلاه.

أما بالنسبة لمسألة الخلاص من المأزق الذي نحن فيه اليوم، أعتقد أن الخلاص منه لن يأتيّ بالنوايا الحسنة، ولا بالأمنيات أو الدعاء لله كي يخلصنا مما نحن فيه من مآسي، راحت تزداد علينا يوماً بعد يوم، بالرغم من تكاثر عدد المساجد في عالمنا العربيّ والصرف عليها مليارات الدولارات لتزيينها بالموزايك والصدف والأرابيسك وحتى بالذهب. ولن يأتيّ الخلاص أيضا من قبل القوى الحاكمة التي وظفت الدين لمصالحها الأنانيّة الضيقة، وتاجرت بالعلمانيّة والديمقراطيّة ودولة القانون، ووظفت كل ذلك لمصالحها أيضا. إن الخلاص بحاجة لقوى اجتماعيّة مؤمنة بوطنها ومصالحه، وبالتالي مصالح الجماهير المعذبة والمسحوقة والمغربة والمستلبة والمشيئة والمقموعة والخائفة.. إن الخلاص بحاجة أيضاً لثورة عقلانيَّة تنويريّة تؤمن بالإنسان ودوره في تقرير مصيره.

ربما يسأل الكثير اليوم من هي هذه القوى الاجتماعيّة المؤهلة لحمل المشروع النهضويّ التنويريّ في عالمنا العربي؟.. أقول: هي القوى التي ستظهر من أقبية الظلام والجهل والمعاناة والفقر والجوع والحرمان والغربة والتشيىء والاستلاب

والمحاصرة في حركتها وفكرها.. وإن كل الظروف القاسية التي تعيشها شعوب دولنا الشموليّة في مضمونها والعلمانيّة في شكلها ستخلق بالضرورة القوى الاجتماعيّة القادرة على تحقيق الخلاص لو وعت نفسها واستخدمت عقلانيتها استخداماً صحيحاً في العمل على تحقيق مصالح الشعوب. وهذا الفرق بين فكرة الإمام المنتظر لتحقيق الخلاص لدى الشيعة والسنة، أو المسيح المخلص لدى المسيحيّة وحتى اليهوديّة. وبين اعتبار إن المخلص هنا هم هذه القوى المسحوقة من الشعب التي فقدت كل شيء إلا كرامتها وقدرتها على التغيير.

مرايا فكريّة – الحلقة (الحادية عشرة)

 

المحور الأول: قضايا الفكر والهويّة والتراث:

س12: ا. مراد غريبي: التراث مستويات وكل مستوى متوقف على مدى تأثيره في الراهن، كما أننا في قبال الحداثة والتجديد والعلمانيّة يبرز عنوان التقليد والرجعيّة وما هنالك، فأي تراث نستهدف قراءته وتصحيحه وتمحيصه وماهي المستويات الأخطر فيه؟ وهل يمكن التعامل مع التراث بنظم التثاقف؟

ج12: د. عدنان عويد: نعم للتراث مستوياته المعرفيّة (الأبستمولوجيّة)، التي اختزلها الجابري على سبيل المثال لا الحصر في كتابه (بنية العقل العربيّ)، وهو محق في ذلك برأيي، حيث استطاع نمذجة هذا العقل نظريّا بطبيعة الحال، ما بين عقل بيانيّ، وآخر عرفانيّ، وآخر برهانيّ، وأخيراً العقل السياسيّ.

فالتراث العربيّ في سياقة العام هو هذه الأنساق المعرفيّة. فإذا كان العقل البيان قد تركز في اللغة وما تتضمنه من تشبية واستعارة وتمثيل وغيرها، ثم دور هذه اللغة بكل مفرداتها في

الاشتغال على ظاهر النص المقدس تأويلاً وتفسيراً وفقهاً وغير ذلك، فإن العقل العرفانيّ، هو العقل الذي اشتغل عليه المتصوفة في قراءتهم وتأويلهم للنص المقدس (القرآن) ذاته، والبحث في مضامينه عن كل ما يمنحهم القدرة والثقة على التأويل والتفرد في فهم النص، وفقاً لمواقف وجوديّة مثاليّة من الأرض والسماء معاً، وأهم ما في هذا المواقف الصوفيّة الوجوديّة هو أكراه المتصوف الجسد واقصائه عن عالمه الماديّ, أي الحياتيّ، ليتفرغ للروح وتنقيتها من أوساخ الواقع المعيش، والارتقاء بها إلى المصاف المطلق (الله)، هذا الارتقاء الذي وصل عند كبار شيوخ المتصوفة إلى الاتحاد مع الله، كما فعل الحلاج والسهروردي والبسطامي وذو النون، ولكن مشكلة هؤلاء المتصوفة الكبار أنهم كانوا مع الفقراء، وهذا ما جعل السلطات الحاكمة ومشايخهم يلاحقونهم وينكلون بهم تحت ذريعة الانحراف العقيديّ والخروج عن الملّة. اما العقل البرهانيّ فهو العقل الذي اشتغل على العقل النقدي ودوره ومكانته في حياة الإنسان، هذا العقل الذي تجسد دوره في التراث العربيّ الإسلاميّ أيضاً على إعادة قراءة وتأويل النص المقدس ولكن من خارج عالم الخيال والأسطورة والكرامة الذي اشتغل عليه المتصوفة. لقد تأثر هذا العقل في سياقه العام بالفكر الفلسفيّ اليونانيّ (المنطق الأرسطيّ) بشكل خاص، أي بأساليب قياسه واستنتاجاته واستقرائه واستدلاله وأحكامه المنطقيّة، فظهر من خلال التعامل مع هذا العقل البرهانيّ، مجموعة من المفكرين والفلاسفة الإسلاميين الذين كان العقل النقديّ منهجاً لهم في التعامل مع تفسير النص وتأويله وفقاً لمصالح الناس وليس لمصالح الحكام، الأمر الذي جعل الحكام ومشايخهم يقفون لهم بالمرصاد دائماً، حيث عملوا على حرق كتبهم واقصائهم وطردهم من الحياة الفكريّة

والسياسيّة والاجتماعيّة، ولم يتوانوا حتى في قتل بعضهم وتاريخنا المعاصر يشهد على ذلك, فالذي جرى لغيلان الدمشقي ولابن المقفع وابن رشد في العصور الوسطى مثلاً, جرى لفرج فوده ولحامد أبي زيد وجلال العظم في تاريخنا الحديث والمعاصر. أما العقل السياسيّ فقد تركز على مفهوم الخلافة وصفات وسمات الحاكم الأخلاقيّة والجسديّة، وكذلك التركيز على كيفيّة وصول الحاكم إلى السلطة وما هو موقف الرعيّة منه، وضرورة طاعته وغير ذلك، ومن الذين اشتغلوا على ذلك “الماوردي” في كتابه (الأحكام السلطانيّة)، و”بدر الدين بن جماعة” في كتابه (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام). و”ابو يعلى الفراء” في كتابه (الأحكام السلطانيّة).

هذا وعلينا أن نشير إلى أن العقل البرهانيّ اشتغل على قضايا علميّة وانتربولوجيّة، كما اشتغل على علوم تتعلق بالكيمياء والفيزياء والبصريات والرياضيات والطب والزراعة والاقتصاد وغير ذلك، ولكن السلطات الحاكمة ومشايخها من الذين انكروا هذه العلوم التي تقوم على تسخير العقل في المعرفة، حاربوا هؤلاء الفلاسفة والعلماء كما أشرنا قبل قليل.

هذه هي بنية العقل العربيّ، التي خيم عليها العقل البيانيّ والعرفانيّ والجبريّ لمئات السنين ولم يزل حتى تاريخ، هذه البنية الفكريّة المفوّتة حضاريّاً، لم تزل تخلق في عالمنا العربيّ المعاصر (أسرى الوهم)، هذا الوهم الذي تحول بدوره بفعل القوى السياسيّة الحاكمة المستبدة ومشايخها وبعض تيارات الإسلام السياسي صاحبة مشروع الحاكميّة إلى ايديولوجيا، راحت تُفرض فكريّاً وسلوكيّاً على المواطنين من قبل سدنة المعبد والحقيقة المطلقة ومستلبي السلطة.

إذا إن أسرى الوهم، أي أسرى الأيديولوجيا الدينيّة المغلقة، قد أسرتهم حقائق العقائد الدينيّة وشروحاتها وطقوسها ورمزها، ووعودها بتعويضهم عن ما عانوه من حرمان في واقهم المعيش، بالفردوس الذي سيجدون فيه ما يشتهون من خمر ولبن وعسل وحور العين وسندس واستبرق وقصور فارهة، الأمر الذي جعلهم يدورون في فلك الماضي بحثاً عن معرفة طريق الوصول إلى هذا الفردوس الذي بينته لهم الكتب الدينيّة وعقائدها وشروحاتها التي قدمها مشايخ وفقهاء العصور الوسطى، كمإ أن هذا الأسر ارتبط أيضاً في المستقبل الذي رسمته لهم هذه الكتب ذاتها حيث اُعتبر الحاضر عندهم دار رذيلة وشقاء وفساد يجب أن تهمل أو تترك رغبة بما تشي به أحلام المستقبل.. الجنة. مبتعدين حقيقة عن مقاصد الدين السياسيّة التي تركز على الأرض واعمارها وعلى عيش الحياة بسعادة كما يريدها النص المقدس ذاته.

إذن، إن أسرى الوهم الدينيّ يعيشون حياتهم محاصرين بماضٍ تكمن فيه معرفة طريق الخلاص الأبديّ، ولا بد من العودة إليه دائماً وتمثله فكراً وسلوكاً، وبحاضر يتطلب منهم رفضه أيضاً رغبة في تحقيق ما وعدهم به هذا الماضي نفسه في المستقبل. هذا الماضي الذي أصبح بالضرورة المنطلق الوجوديّ والمعرفيّ المقدس لهم، وكل محاولة للخروج منه أو عليه حباً بالحاضر الفاسد، هو تحدٍ لهذا المقدس وما يمثله، وهذا التحدي سيُدخل صاحبه في خانة الردّة والكفر والزندقة والالحاد وبالتالي البدعة التي ستحرمه من جنان الخلد لاحقاً، كما يدعي من جعلوا أنفسهم أوصياء الله على هذه الأرض، وهم بعض مشايخ الدين، أو ما نسميهم بسدنة الحقيقة المطلقة، هؤلاء الذين راحوا يمارسون قمعهم الوعظيّ على المتدينين حتى لا يخرجوا عن عالم ما رسمه لهم من فسروا الدين وأولوه من تجار الدين خدمة لهم

ولأسيادهم، تارة بالترهيب، كعذاب القبر أولاً، ثم عذاب جهنم بكل ما فيها من وسائل التنكيل، كالتعذيب بالنار والزمهرير والحديد ثانياً.. الخ. أو بالترغيب، كوعدهم بجنة تجري من تحتها الأنهار، فيها كل ما تشتهيه النفس الإنسانية وفي مقدمتها حور العين والخمر كما بينا قبل قليل.

على العموم إن ثقافتنا في سياقها العام لم تزل ثقافة شفويّة، وهي في أس جذرها وأصولها وامتدادها، ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، أو الصح والخطأ، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبيّة منها والايجابيّة فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجوديّ والمعرفيّ لكل ما هو تال.

أمام هذا العقل العربيّ، وثقافته الشفويّة، يأتي الشق الآخر من السؤل وهو أي ثقافة نستهدف، وعلى أي ثقافة نتكئ.؟

نحن اليوم أمام كل حالات التخلف التي نعيشها وخاصة التخلف الفكريّ المشبع بالهجانة والنقل، والبعيد كل البعد في معظمه عن المناهج العقلانيّة الحديثة، نحن بأمس الحاجة لقوى اجتماعيّة منسجمة مع ذاتها فكراً وممارسة، قوى اجتماعيّة مؤمنة بأوطانها وبالمواطنة ذاتها، تعمل على محاربة واقصاء المرجعيات التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب، ومؤمنه بالفكر العقلانيّ التنويريّ الذي يحترم الإنسان وعقله وحريّة إرادته، وأنه هو سيد قدره، والمؤمنة بالدولة المدنيّة القائمة على المؤسسات والقانون والتعدديّة. ربما ما أقوله هنا يشكل وصفة سحريّة عند من سيقرأها، وهذه حقيقة نعيشها تحت مظلة التخلف الذي نحن فيه، ولكن لا بد من الاشارة إلى الحلول لعل من هم في

موقع السلطة اليوم يحسون بآلام شعوبهم ومعاناتهم. ولقد صدق الخليفة عثمان بن عفان عندما قال : (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع في القرآن). ففي حالات التخلف الذي تعيشه المجتمعات، يعول كثيراً على السياسة في تحقيق تجاوز هذا التخلف، وهناك تجارب عديدة مرت بها بعض الشعوب عندما توفر لها حكام شرفاء يومنون بشعوبهم ومستقبل بلادهم ورقيها.

مرايا فكريّة – الحلقة (الثانية عشرة)

المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س13: أ. مراد غريبي: بحكم تخصصكم الأكاديمي لديكم اشتغال بقضايا علم الاجتماع، وهو علم واسع يشمل العديد من الحقول المعرفية، من بينها حقل الدين، فماذا عن مفهوم الدين سوسيولوجيا وموقعه ضمن التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافية التي شهدتها المجتمعات العربية المعاصرة؟

ج13: د. عويد: لا شك عندنا، بأن البعد السوسيولوجيّ (الاجتماعيّ) للدين يتحدد بالواقع المعيش، على اعتبار أن الدين نسق من أنساق الوعي البشري. فهو يتصل اتصالاً مباشراً ووثيقاً بالواقع. والواقع هو الذي يحدد طبيعة نصوصه المقدسة، أي هو الذي فرض ويفرض على النص المقدس أن يتعامل مع هذا الواقع بأبعاده الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة والقيمّة، وما يترتب على هذه الأبعاد من مهام ووظائف عبر الممارسة من جهة، والواقع ذاته هو من يفرض أيضاً على من يشتغل بهذا الخطاب الدينيّ أن يعمل على تفسير وتأويل نصوصه المقدسة بما يتفق ومصالح

الفرد والمجتمع وفقاً للمرحلة التاريخيّة المعيشة من جهة ثانية. والواقع أخيراً في حركته وتطوره وتبدله هو من فرض الناسخ والمنسوخ على هذا النص المقدس في الخطاب الإسلاميّ ذاته على سبيل المثال لا الحصر، وبالتالي التأكيد على أن الأحكام تتغير بتغير الأحوال من جهة ثالثة.

فهذا الشيخ الإمام “محمد عبده” يتعامل مع الفكر عموماً ومنه الفكر الدينيّ خصوصاً، بكل جرأة وعقلانيّة وفقاً لهذه الرؤية السوسيولوجيّة بقوله: (نعم إن الإنسان إنسان بكل فكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر ولا ينقطع الفعل والانفعال بين الأفكار والأعمال ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد) . (الأعمال الكاملة – محمد عبده- ج3- ص 286 وما بعد).

إذن إن للدين موقفاً وظيفيّا تفرضه كما قلنا أعلاه طبيعة المرحلة التاريخيّة المعيشة بالنسبة لحالات التطور والتقدم التي تصيب المجتمع والدولة تاريخيّاً أولاً، وبالنسبة لقوة حضور هذا الدين ودرجة فاعليته في حياة هذه الدولة والمجتمع بشكل عام ثانيّاً. ولكن يظل في المحصلة للدين دور وظيفيّ في شقيّه الإيجابيّ والسلبيّ في حياة الشعوب ودولها أدته حوامله الاجتماعيّة في الماضي (مشايخ ورجال دين)، ولم تزل تؤديه في تاريخنا المعاصر.

فالدين من الناحية الايجابيّة: يقوم بربط الفرد بالمجموعة، ويقدم له العون المعنويّ عند الضياع والخيبة والاحتجاج، أو عند

القناعة والرضى والرضوخ، كما يقدم له العون الماديّ أحياناً من قبل أصحاب هذا الدين أو ذاك أو تفريعاته الطائفيّة والمذهبيّة.

إن من وظائف الدين الايجابيّة ضبط وتعديل جملة التوازنات الممكنة بين الفرد وذاته، وبين الفرد والمجموع، كما أن آليات الضبط هذه تشتغل على وظيفة الفرد الاجتماعيّة والإداريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، أي وظيفته كإنسان في نهاية المطاف. ومن وظائفه الايجابيّة أيضاً، يشكل الدين في مفاهيم عدالته وموقفه من الظلم والاستعباد والاستغلال أحد الوسائل الأساس التي يتكئ عليها المحتجون أو المعارضون من الفقراء والمحرومين والمهمشين والمقصين من قبل الأنظمة السياسيّة المستبدة القائمة.

أما بالنسبة للمواقف السلبيّة التي يحققها الدين وخاصة في مواقف حوامله الاجتماعيين الاحتجاجيّة: فهي أن الدين يُعَمَمُ هنا على مجمل مستويات قوى الاحتجاج، أي يغيب البعد الطبقيّ عند القوى المحتجة إلى حد بعيد، طالما أن العدو واحد في مرحلة تاريخيّة محددة. ولكون الدين في رؤيته لمفاهيم العدالة بكل مستوياتها أو تفريعاتها تقوم على رؤى ثابته (معياريّة) غير قابلة عند الكثير من مشايخ الدين للنقد أو المراجعة أو التعديل، لذلك نجد الدين يَحُولُ دون تطور ونضوج قوى الاحتجاج وإيصالها إلى قوى تغييريّة شاملة قادرة على تحقيق ثورة حقيقيّة قد تكون أساسيّة وضروريّة في مرحلة تاريخيّة محددة من تاريخ الدول والمجتمعات التي تعيش حالات من القهر والظلم والاستبداد. فمكانة الدين كـ (أفيون للشعوب)، لا تستثمر الدين عقلانيّا وبما يتفق وروح العصر. ومن ناحية أخرى يظل لوظيفة الدين سلبياتها على حياة المجتمعات ودولها انطلاقاً من الوظيفة

الانتمائيّة للدين، هذه الوظيفة التي تتناقض مع تكوين الهويات الأخرى غير الدينيّة التي تقتضيها الوضعيات المعاصرة للأمم والشعوب، كالانتماءات الكبيرة مثل الانتماء للوطن أو للقوميّة، أو الانتماءات الصغرى مثل الحزب أو النقابة أو المنظمة… الخ.

إن الدين في وضعيته الانتمائيّة القائمة على العقيدة، يصبح هنا عامل تقسيم وتشرذم خصوصاً داخل المجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب، حيث تؤدي هذه الانتماءات الدينيّة الضيقة إلى صراعات دينيّة وأهليّة تهدد وحدة المجتمع ككيان حضاريّ وثقافيّ وسياسيّ.

تظل أخيراً هناك وظيفة سلبيّة للدين على درجة عالية من الأهميّة وهي، تحول الدين إلى أيديولوجيا بيد السلطات الحاكمة التي لا تعبر عن مصالح شعوبها، ففي تاريخناً الماضي والحاضر اتكأت السلطات الحاكمة المستبدة والشموليّة على الدين ووظفته تفسيراً وتأويلاً بما يحافظ على وجودها وبالتالي مصالحها. بل إن الدين ظل يحكم طبيعة السلطة ذاتها طوال الخلافة العربيّة الإسلاميّة, من حيث الانتماء الصلبيّ إلى البيت القرشي، أي الانتساب للرسول بالنسبة للدين الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر. وهذا التوجه القبليّ/العرقيّ ظل قائما في عالمنا الإسلاميّ حتى سقوط الخلافة العباسيّة. وهذا القانون السياسيّ الملفع بالدين منذ السقيفة, فرض على من استلم الخلافة من غير العرب أن يبحث له عن نسب عربي قريشي حتى يشرعن خلافته أو سلطته, والملفت للنظر أن من ينتمي لآل البيت من مشايخ الدين له حظوة اجتماعيّة كبيرة لدى المجتمعات الإسلاميّة إن كان من السنة أو من الشيعة.. كما أن من الآليات المهمة التي يعمل الدين عليها في توجهاته السلبيّة، هو التواطؤ الذي يقوم بين الطبقات

الحاكمة والكثير من علماء الدين نتيجة مصالح مشتركة بينهما، وذلك عن طريق بعض المؤسسات الدينيّة وعلمائها، هؤلاء العلماء الذين كانوا بغالبيتهم وفي مختلف عصور الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، خاضعين سياسيّاً واقتصاديّا للقوى الحاكمة. وهم من يقوم بعملية تفسير وتأويل النص الديني وإصدار الفتاوى لمصلحة هذه القوى السياسيّة الحاكمة أو تلك. أما الخطر في هذا التحالف المشبوه بين رجال الدين والسلطة، فيتجسد في تشجيع الفكر السلفيّ الغيبيّ الامتثاليّ وخاصة الأشعريّ والصوفيّ منه على وجه التحديد كونهما يعملان على محاربة العقل والإرادة الإنسانيّة من جهة، ومحاربة الفكر التنويريّ التقدميّ وحوامله الاجتماعيين، ونعتهم وأفكارهم بالزندقة والكفر من جهة ثانية.

مرايا فكريّة – الحلقة (الثالثة عشرة)

 

المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س14: أ. مراد غريبي: مقاربة الظاهرة الدينية في المجال العربي تثير اسئلة جوهريّة ذات علاقة بمباحث من قبيل: ماهية الإنسان، العلمانيّة، الاجتماع المدنيّ، القيم الإنسانيّة، الدولة، التطرف، التسامح، الاختلاف وما هنالك من قضايا كان لكم السبق في تناولها، هل التدين عربيّا لايزال بعيدا عن وعي هذه المباحث وكيف الإصلاح بنظركم دكتور عدنان؟

ج14: د. عويد: منذ أن أصدر الخليفة العباسيّ المتوكل عام (232) للهجرة، أوامره لرجال الدين بترك العقل والتوجه نحو النقل، مع فرض عقوبات صارمة أقرتها محاكم للتفتيش شُكلت لمن يخالف هذه الأوامر، لم يعد هناك مجال تحت مظلة الخلافة الإسلاميّة في المشرق العربيّ لأي نشاط فكريّ عقلانيّ خارج فهم

النص الدينيّ المقدس للقوى السلفيّة التي فسرت وأولت هذا النص وفقاً لرؤيتها، وبما يخدم مصالحها ومصالح أسيادها من القوى الحاكمة. فعلى أساس هذا الموقف الفكريّ الجموديّ توقف الاجتهاد العقلانيّ من جهة، وتوقف الاشتغال فكريّاً على العلوم الأخرى (الوضعيّة) التي تناولها فلاسفة ما قبل مرسوم الخليفة المتوكل من جهة ثانيّة، واقتصر العمل الفكريّ بشكل عام على علوم الدين من حديث وفقه وعلم كلام وتصوف وعبادات وغير ذلك. واعتبر أي خروج فكريّ عن هذه العلوم بدعة وضلالة، إن كان من حيث الاشتغال على الفكر الوضعيّ العقلانيّ، أو الخروج فكريّاً عن رؤية علماء الدين السلفيين في تفسير وتأويل النص الدينيّ المقدس، أو ما أَصَلَ له الشافعي في الفقه وأصوله. هذا مع تأكيدنا هنا, بأن هناك اتجاهاتٍ فكرّيةً عقلانيّةً محدودة راحت تتعامل مع النص الدينيّ وفهم الواقع إن كان في المغرب العربيّ، أو في الأندلس كابن حزم وابن رشد وابن خلدون وغيرهم، كون هؤلاء كانوا خارج توجهات سلطة القوى السلفيّة وداعميها بالمشرق العربيّ، بالرغم من أن بعض هؤلاء المفكرين الفلاسفة لم يسلموا من الحسبة على ما طرحوه من أفكار عقلانيّة كان للبعد السياسيّ دور فيها، كما جرى لابن رشد وابن خلدون على سبيل المثال لا الحصر.

إذن نستطيع القول: منذ تاريخ المتوكل حتى سقوط الدولة العثمانيّة كان هناك حصار قد فرض على التفكير العقلانيّ بشقيه الدينيّ والوضعيّ. ولا نستغرب أن علماء الأزهر وغيرهم في مصر قد اختلفوا في تاريخنا الحديث على النظر في مسألة السماح باستخدام (حنفيّة الماء) في الحياة العامة، فمنهم من رفضها باسم الدين ومنهم من قبلها باسم الدين أيضاً، كدعاة الفقه الحنفيّ، ومن هنا جاء اسم (الحنفيّة) نسبة إلى المذهب الحنفيّ. ولا

نستغرب أيضاً أن مشايخ الدين السلفيّ قد أفتوا بعدم صحة التعلم بالمداس الحكوميّة زمن محمد علي باشا عندما أسس الطهطاوي هذه المداس بأمر حكوميّ، الأمر الذي كان يدفع أولياء الطلاب بتوجه من مشايخ السلفيّة المتزمتة والجاهلة إلى ممارسات لا إنسانيّة بحق أعضاء أولادهم الجسديّة حتى لا يلتحقوا بهذه المدارس اللادينية. كقطع اليد أو الرجل أو فقع العين… الخ

على العموم مع بداية القرن التاسع عشر راحت تظهر توجهات عقلانيّة باتجاه العلم الحديث وخاصة في مصر محمد علىّ باشا، وفي تونس خير الدين التونسيّ، دون أن ننكر تلك الارهاصاتِ الأوليّةَ لهذا التحديث في المشرق العربيّ، كتجربتي فخر الدين المعنيّ في سورية، وطاهر باشا في العراق، إلا أن كلا التجربتين قد أجهضتا، وبقي لتجربتي محمد على باشا وخير الدين التونسي تأثيرها على تاريخنا الحديث والمعاصر. وراحت نتائجهما تظهر بوضوح في مصر مع الطهطاوي وتلامذته من جهة، ثم مع مدرسة جمال الدين الأفغانيّ ومحمد عبده من جهة ثانية. فهذه المدرسة التنويريّة الإسلاميّة راحت تتعامل مع مفردات أفكار الثورة الفرنسيّة، كالديمقراطيّة والحريّة والعلمانيّة وماهية الإنسان، والاجتماع المدنيّ، والمرأة، والقيم الإنسانيّة، والدولة، والتطرف، والتسامح وغير ذلك من مفردات وضعيّة، محاولين أسلمتها من خلال البحث عن نصوص دينيّة أو مواقف ذهنيّة لهذا الخليفة أو ذاك أو لهذا الفقيه أو ذاك تتوافق مع مضمونها. فالديمقراطيّة وجدوا مرادفة لها هي الشورى. والعدل والمساوة وجدوا له أحاديث وآيات وموقف ذهنيّة كموقف عمر بن الخطاب من قضية ابن عمر بن العاص.. والعلمانيّة وجدوا لها حديثاً للرسول وهو تأبير النخل.. وللمرأة وحريتها كان موقف عمر ابن الخطاب من المرأة التي حاججته وأخذ برأيها.. وهكذا

دارت أمور التحديث. وبالرغم من أن هذا التوجه التنويريّ راح يتسع فيما بعد مع بناء الدولة الحديثة وتوسع التعليم المدنيّ في كل مراحله، ودخول الاختصاص الفلسفيّ في الجامعات. إلا أن شهوة السلطة في الأنظمة العربيّة التي تحولت إلى أنظمة شموليّة حاصرت أصحاب التوجهات الفكريّة التنويريّة وفسحت في المجال واسعاَ للتيار السلفيّ كي يمارس دوره في الوقوف بوجه التيار العلمانيّ التنويريّ، والتصدي لرجالاته ومحاصرتهم وتكفيرهم والتشهير بهم كونهم مارقين عن الدين، ولم يتوانوا أحيانا في التعدي على بعضهم أو تصفيته جسديّا.

أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالكم حول الحل أو الاصلاح في عالمنا العربيّ للخروج من مأزقه، فالإجابة على مثل هذا السؤال الإشكاليّ ليست وصفة طبية لمعالجة مرض فيزيائيّ يصفها طبيب لمرض شائع، وإنما المرض الذي نعاني منه هو مرض اجتماعيّ واقتصاديّ وسياسيّ وثقافيّ. فإذا كان المرض الاجتماعيّ يتجسد في البنية الاجتماعيّة المفوّتة حضارياً، أي التي لم تزل مسكونة بمرجعيات تقليديّة سيطرت عليها روح وعلاقات القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب، والكثير من القيم الأخلاقيّة التقليديّة المحكومة أيضاً بالعرف والتقليد والعادة، و هي قيم معياريّة تعود إلى مئات السنين أشبعت بقيم الدين التي لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها، مع تأكيدنا أيضاً على انتشار الجهل والفقر والتخلف في الوجود الاجتماعي. فإن المرض الاقتصاديّ محكوم بدوره بقوى وعلاقات إنتاجيّة متخلفة وهجينة أو متعددة الأنماط يسيطر عليها اقتصاد السوق البسيط أو الصغير على مستوى الداخل، والاقتصاد الريعيّ والاستهلاكيّ على مستوى التعامل مع الخارج، وإن وجد هناك أسواق صناعيّة في بعض الدول العربيّة، فهي أسواق صناعيّة تجمعيّة أو ذات

اللمسات الأخيرة، ومعظم مكونات هذه الصناعة الأساسيّة مستوردة من الخارج. وهذا الواقع الاقتصاديّ المزري سينتج عنه بالضرورة اقتصاد متخلف غير قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي ، أو خلق أسواق قادرة على المنافسة مع الخارج ، وأخيراً غير قادر على إنتاج طبقة صناعيّة وطنيّة قادرة على وعي نفسها ودورها التاريخيّ وبالتالي التخلص من سماتها وخصائها الكومبرادوريّة، وتحقيق إمكانيات قيادتها للدولة والمجتمع. أما على المستوى السياسيّ فغياب المجتمع المدنيّ واقتصاد السوق المستقلة، سيؤديان بالضرورة إلى غياب البنية السياسيّة العقلانيّة بحواملها الاجتماعيين المؤمنين بتداول السلطة والمشاركة السياسيّة ودولة القانون والمواطنة.. الخ. وبناءً على ذلك ظلت البنية السياسيّة مرتبطة بحوامل اجتماعيّة تقليديّة يسيطر عليها شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة في الوجود الاجتماعي، أو يسيطر عليها الأمير والملك والزعيم والقائد الملهم وغير ذلك في الهرم السياسيّ. والملفت للنظر أن عدوى هذا المكونات السياسيّة التقليديّة انتقلت إلى الأحزاب التي تدعي التقدميّة والعلمانيّة حيث راح قادتها يخضعون لشهوة السلطة مما زاد في الطين بلّة بالنسبة لأزمة الخطاب السياسيّ في هذه الدول التي راحت تسير في خطابها السياسيّ كـِسيرِ (بول البعير)، أي الرجوع إلى الوراء. الأمر الذي كان وراء قيام ما سيمّي بثورات الربيع العربيّ التي كشفت عورات هذه الأنظمة وبينت مساوئها ومساوئ القوى المعارضة لها على السواء. أما بالنسبة للمسألة أو البنّية الثقافيّة, فقد أشرنا إلى تخلفها وهجانتها وسكونتيها ووثوقيتها وشفويتها واستسلام حواملها الاجتماعيين لما هي عليه، كما بينا دور القوى السياسيّة المتخلفة التي تدفع باتجاه تكريس هذا الثقافة المفوّتة حضاريّاً خدمة لمصالحها, يساعدها في ذلك مشايخ السلطان

ومؤسساته الدينيّة والعديد من المثقفين والاعلاميين من المطلبين والمزمرين الذي يعملون ليل نهار على تكريس التخلف وتغييب الفكر العقلانيّ التنويريّ، ومحاربة حوامله الاجتماعيين، إما عن طريق سجنهم كأصحاب رأي أو دفعهم للهجرة خارج الوطن، أو تحريض مشايخ السلطان عليهم للتشهير بهم، تحت ذريعة الكفر والالحاد من جهة، أو الفسح في المجال للقوى الأصوليّة الجهاديّة على قتلهم والتنكيل بهم من جهة ثانية.

مرايا فكريّة – الحلقة (الرابعة عشرة)

 

المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س15: أ. مراد غريبي: الإنسان العربي يرنو لمجتمع حداثي بكل عناوينه المدنية والمواطنة والعدالة وما هنالك، لكن يا ترى هل التحليل السوسيو ثقافي للظاهرة العربيّة المعاصرة يوحي بأفق حضاري منسجم مع ما هو حداثي وتقليدي بالنظر لمركزيّة الدينيّ والسياسيّ في الوعي الجمعيّ العربيّ؟

ج15: د. عدنان عويد: الناس على دين ملوكها أو حكامها كما يقال، فإذا كان الحاكم تنويريّاً يهمه مصلحة شعبه، فهو يسعى جاهداً لتكريس قيم الحداثة، من علمانيّة وديمقراطيّة وحريّة للرأي، وتكريس لفكرة المواطنة، ودولة المؤسسات، واحترام المرأة ودورها ومكانتها في المجتمع، ونشر التربية والتعليم، والثقافة التنويرية العقلانيّة والعمل على تطوير البنيّة الاقتصاديّة والسياسيّة في دولته ومجتمعه. والعكس صحيح أيضاً، فعندما يكون الحاكم مستبداً وتملكه شهوة السلطة، فهو يسعى جاهدا إلى نشر الجهل والتخلف بكل أشكالهما بين صفوف شعبه، كما

يمارس التسلط على رقاب أبناء هذا الشعب، من خلال تحكمه بالسلطة والتفرد بها، ومحاربة الرأي والرأي الآخر، وتغييب فكرة المواطنة على حساب تسييد سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة، مثلما يعمل على نشر الفكر الدينيّ الغيبيّ الامتثاليّ الاستسلاميّ الوثوقيّ ورجالاته. فلو أخذنا مثالاً واحدا من أجل تأكيد هذه الفكرة في عالمنا العربيّ، مع تأكيدنا على نسبيّة القيم التي يتبناها هذا الزعيم أو ذاك ومدى قدرته على تطبيقها في الواقع. ففي مصر على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن ما أسس له “جمال عبد الناصر” في فترة حكمه من قيم ذات توجه علمانيّ حداثي طال الكثير من بنية الدولة والمجتمع، يختلف كثيراً عما اشتغل عليه أنور السادات بعد استلامه دفة الحكم، حيث تصدى للقوى التنويريّة، وفسح في المجال واسعا لنشاط القوى الإسلاميّة الأصوليّة السلفيّة التي لم ترضيها سياسات السادات نفسه، فراحت تطالبه بأسلمة الدولة نهائيّاً.

إذن، تأتي مقولة عثمان بن عفان (“إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.). صادقة تماماً في تطبيق قيم الدين وشريعته، أو تطبيق قيم الدولة العلمانيّة الحداثيّة ومؤسساتها أيضاً.

عموماً إن الحداثة بكل مفرداتها تفرض نفسها شيئاً فشيئاً حتى على الأنظمة الأكثر قهراً وحصاراً لشعوبها، والحداثة في سيرانها أو جريانها برأيي تشبه جريان الماء تحت أساسات البناء، ربما لا تظهر نتائجها بشكل مباشر لسنوات طويلة، ولكنها تظهر فجأة وبمساحة واسعة في حياة الشعوب عندما تصل في درجة تحولاتها الكميّة إلى حالة التحولات النوعيّة. والانفجار هنا هو تلك التحولات النوعيّة العميقة في حياة الشعوب، التي قد تأتيّ لأسباب سياسيّة أو اقتصاديّة أو فكريّة. فهذه المملكة العربية

السعوديّة تقدم لنا مثالاً حيّاً عن تلك التحولات التي فرضتها الطبيعة السياسيّة في بنية الدولة مع مجيء وليّ العهد “محمد بن سلمان بن سعود”، الذي استطاع بقرارات سياسيّة شخصيّة لها طابع سلطويّ أن تُظهر كل المستور من قيم الحداثة لدى الشعب السعوديّ فجأة بعد أن كان هذا الشعب مكبوتاً في حريته وإرادته ورغباته والتعبير عن شخصيته، فها هو اليوم يمارس الحداثة وخاصة الاجتماعيّة منها بحريّة بغض النظر عن مدى توافقها مع قيم الحداثة في جوهرها, وهذا دليل على أن الشعوب كما جاء في سؤالك هي تعشق الحداثة والتغيير، وهي قادرة على ممارستها عندما تسنح لها الفرصة. ولكن الأنظمة الشموليّة المستبدة هي برأيي من يعرقل تطبيقها وتقدمها في حياة الكثير من مجتمعات دولنا العربيّة، التي تحاصر الحداثة أمام فسح المجال واسعاً للقوى الأصوليّة وفكرها الظلاميّ كي ينشطا بحريّة.

 

مرايا فكريّة – الحلقة (الخامسة عشرة)

د. عدنان عويّد

 

المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س16: أ. مراد غريبي: ننتقل لمسألة الخطاب الديني خاصة التقليدي، ماذا عن نشأته وتجذره في البناء المجتمعي العربي وكيف يمكن تجاوز المأزق الذي يشكله كتيار مهدد لكل صور المجتمع المدنيّ ودولة الإنسان ومجتمع المعرفة والحقيقة البديهية.؟.

ج16: د. عدنان عويد: نقول هنا: إذا كان الشافعي (أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ 150-204هـ / 767-820م) هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعيّ في الفقه الإسلاميّ، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث، قد أسس في القرن الثاني للهجرة أصول الفقه السلفيّ، في كتابه الرسالة، حيث حدد مصادر التشريع بالقرآن والحديث والاجماع والقياس، وبناءً على هذا التأصيل، حوصر العقل والمنطق وحرية الإرادة الإنسانيّة لدى الفقيه ذاته فيما بعد أمام هذا التأصيل, وبالتالي إغلاق باب الاجتهاد, من جهة، ثم الوقوف وبحزم بوجه كل من حاول أن يستخدم عقله في قراءة النص الدينيّ المقدس من خارج هذه المدرسة السلفيّة من جهة ثانية، وهذا ما ساهم في تجذير مدرسة النقل المعروفة في تراثنا الإسلاميّ، حتى أصبحت تفاسير وتشريعات أتباعها وخاصة الحنابلة منهم نصوصاً مقدسة لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها. وأصبح عندهم كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

نعم إذا كان “الشافعي” قد أصل فقهيّاً، لما جئنا عليه هنا مع بن حنبل، فإن “الخليفة المتوكل” قد أصل سياسيا لهذه المدرسة عندما وصل إلى الخلافة عام 232 للهجرة كما بينا في إجابات سابقة، بإصدار فرمانه السيئ الصيت القاضي بمنع استخدام العقل نهائيا والعودة إلى النقل, بعد أن أخذ العقل المعتزليّ مجده في زمن المأمون والمعتصم والواثق. ومنذ ذلك التاريخ وصولا إلى زمن أبي موسى الأشعري الذي أصل بدوره لهذه المدرسة فلسفيّاً من خلال علم الكلام الذي اشتغل عليه، وجعل من العقل ذاته وسيلة لتثبيت النقل والتأكيد عليه، مما أعطى الفكر السلفيّ السنيّ دوره ومكانته في الحياة السياسيّة والفقهيّة (التشريعيّة)، حتى عصرنا الحديث، هذا إذا ما أشرنا أيضاً إلى المدرسة الفقهيّة الشيعيّة وخاصة الجعفريّة منها التي انطلقت منذ جعفر الصادق، وراح يتواجد لها فقهاؤها الأصوليون. فكان من أبرز سمات هذه الأصوليّة الشيعيّة الجعفريّة هو اعتمادها على المراجع التقليديّة في المسائل الفقهيّة، وهي مصادر التشريع عند الأصوليين السنة، عدا القياس: الذي استبدلوه بالعقل، ولكن أغلب اعتمادهم في التشريع جاء على القرآن وروايات آل البيت وأحاديثهم, ومن أبرز الفقهاء الشيعة في العصر الوسيط يأتي:

1- الشيخ المفيد (413هـ-1022م). ففي رسالته (الأصوليّة) قام بإعادة تأسيس المعارف الإماميّة، وتأصيل أصول التفريع الفقهي، وذلك بعد أقل من قرن كامل على الغيبة الكبرى. ويعدّ كتابه أوّل كتاب مسقل يتناول علم أصول الفقه عند الإماميّة.

2- ثم يأتي السيد المرتضى (440هـ-1048م) الذي حدد وفصل في كتابه «الذريعة إلى أصول الشريعة» المباحث الأصوليّة التي عرّفها الشيخ مفيد، وذلك للتشويش الذي ظهر في عصره. وذكر في مقدمته أن هذا الكتاب منقطع النظير في إحاطته بالاتجاهات الاصوليّة.

3- ثم قام الشيخ الطوسي (460هـ-1068م) بتطوير المدرسة الاجتهاديّة وبدأ بممارسة الكتابة، فكتب كتاب «عدّة الاصول» وميّز فيه البحوث الأصوليّة عن الفقهية. حيث جعل مصادر الاستنباط وأدلّة الفقه أربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل.

4- وفي القرن العاشر دخل الاجتهاد عند مدرسة الاصوليّة الشيعيّة مرحلة جديدة على يد المحقق الأردبيلي (993هـ-1585م)، حيث يظهر الاتجاه العقليّ بصورة واضحة في مجال الفقه الاجتهاديّ.(1) الويكيبيديا.

إذن ما نريد التأكيد عليه هنا هو، إن الفكر الأصوليّ الفقهي بتياراته انعكس بالضرورة على علم الكلام والفلسفة ماضياً وحاضراً، وظل هو الفكر الأكثر حضوراً وقوة وتأثيراً على الحياة الفكريّة العامة والخاصة، لا سيما وأن كلا التيارين السنيّ والشيعيّ وجدا من يدعمهما وبقوة من قبل الحكومات القائمة وخاصة السنيّة منها التي وجدت في الفكر الأصوليّ الأشعريّ سنداً وعوناً لها في تغطية وتبرير ظلمها ومفاسدها، على اعتبار أن أصحاب هذا التيار يبررون للحاكم فساده وظلمه للرعيّة، وإن كان لدى بعضهم احتجاجاً على هذا الظلم فهم يبررون ذلك بقولهم إن مجيئ هذا الحاكم الفاسد الظالم، هو انتقام من الله للرعيّة الذين حادوا عن اتباع الدين الحنيف وفقاً لرويتهم هم له. وبالنسبة لتيار الشيعة فقد لعبت إيران دوراً كبيراً في دعم هذا التيار بعد قيام الثورة الخمينيّة، والعمل على نشر الفكر الجعفريّ في المحيط العربيّ والإسلاميّ.

أما كيفيّة تجاوز هذا الفكر المتغول في عقول ونفوس المسلمين من جهة، ووجود من يدعمه سياسيّاً من جهة ثانية.

نقول: إذا كانت إجابتنا على الشق الثاني من السؤال الثاني المتعلق في كيفيّة الإصلاح وبناء المجتمع المدنيّ والدولة المدنيّة، أو بناء الحداثة وترسيخها بشكل عام في واقعنا العربيّ المترديّ، فإن إجابتنا هنا ستقتصر بالضرورة على إشكاليّة الفكر المتخلف السائد في الساحة الفكريّة لوطننا العربيّ، ويأتي في مقدمته الفكر الأصوليّ التكفيريّ الامتثاليّ الاستسلاميّ اللاعقلانيّ.

إن من يتابع الواقع الثقافيّ السائد في الساحة الثقافيّة العربيّة بشكل عام، ويتعرف على أبرز سماتها وخصائصها، سيجد أن هذه الثقافة السائدة هي الثقافة الشفويّة.

فالثقافة الشفويّة في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكايا والأمثال الشعبيّة، دينيّة كانت أو وضعيّة, التي يتداولها الناس في أي مجتمع من المجتمعات بشكل يوميّ، وبكل ما تتضمنه هذه الثقافة من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه أو بالمجتمع والطبيعة معاً. يضاف إلى ذلك أنها ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي، وأصبحت متوارثة، ولم تزل تُجتر ويتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتيّة اليوميّة المباشرة في الفكر والممارسة، على اعتبارها أصبحت تشكل قيماً (معياريّة) ناجزة اختزلت التجربة الإنسانيّة وراحت تضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع، مثلما هي قادرة عند حملتها الاجتماعيين اليوم على تحقيق هذا الضبط والتوجيه حاضراً ولاحقاً، كونها جزءاً من الفردوس المفقود اولاً، وأن معطيات الواقع المتخلف تساعد كثيراً على إعادة إنتاجها ثانياً.

إذن بتعبير آخر نقول: إن الثقافة الشفويّة الأصوليّة اللاعقلانيّة في معظم حمولتها الفكريّة، تظل في جذورها وأصولها وامتداداتها، ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، أو الصح والخطأ، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبيّة منها والايجابيّة فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة حتى زمننا المعيش، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجوديّ والمعرفيّ لكل ما هو تال.

إن أي متابع لجذور هذه الثقافة، سيجدها تمتد في عمق تاريخنا، وأن فروعها وأغصانها ظلت تمتد عبر السنين اللاحقة، وخاصة بعد ظهور الدعوة الإسلاميّة التي شكلت عقيدتها وقيمها الأخلاقيّة المعياريّة المساحة الأكبر في وعيّ المواطن العربيّ بشكل خاص والإسلاميّ بشكل عام. حيث استطاعت هذه الثقافة الشفويّة ممثلة هنا في قسمها الأكبر بالوعيّ الدينيّ (الفقهيّ) أن تعرش على وعيّ أبناء هذه الأمّة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلاميّة جاء في صلب ما جاءت من أجله، هو إنهاء هذه الثقافة الشفويّة وتحويلها (من ثقافة الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول وهي: (اقرأ)، من جهة أولى، ووضع حدً لتمسك الناس بأفعال آبائهم بِعُجْرِهَا وبُجْرِهَا من جهة ثانية. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفكر ويفعل آباؤنا ظلت مسيطرة وفاعلة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). مع تأكيدنا هنا على الدور الذي مارسته السلطات الحاكمة في تاريخ الدولة العربيّة السياسيّ في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضويّة التقديسيّة، بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم، حيث وجدت القوى الحاكمة المستبدة في سياسة التجهيل، سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها الطويل إلى محاربة الثقافات الإبداعيّة التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها، إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلاميّة من قبل كبار كفار مكة، أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة العربيّة الإسلاميّة التي تتخذ من الدين مرجعيّة دستوريّة وتشريعيّة لها حتى تاريخ دولنا المعاصرة.

نقول: من خلال عرضنا أعلاه، نستطيع تحديد أهم سمات وخصائص هذه الثقافة:

1- هي ثقافة ماضويّة، أنتج معظمها في الزمن الماضي، وغالباً ما يطغى عليها الطابع الدينيّ (الفقهيّ) في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الأهم للمعرفة، وحتى الثقافات الوضعيّة التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفيّة منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها، ظلت محكومة بالدين أيضاً، على اعتباره هو من يحلل ويحرم التعامل مع هذه الظاهرة العلميّة أو الاجتماعيّة أو تلك.

2 – هي ثقافة جماهيريّة، أو بتعبير آخر، هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة، فغالباً ما تجد

الناس في كافة مفردات حياتهم اليوميّة يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبيّة ونصها المقدس، خدمة لمصالحهم اليوميّة المباشرة، أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقيّة والشرعيّة، في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.

3-هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني أو حديث أو رأي صحابيّ أو فقيه، إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع، لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين والفضيلة.

4- هي ثقافة تركز كثيراً عند حملتها ودعاتها على القيم الأخلاقيّة، وخاصة قيم السلف الصالح، الذين أسسوا بناء الدولة الإسلاميّة وحضارتها. وبالتالي شكلت هذه القيم ت عند دعاتها ومريديها الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة، أو تجاوزها الزمن. وإذا أرادت هذه الأمّة أن تعود لمجدها وعزتها، فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقيّة تلك، (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).

5- حازت هذه الثقافة على صفة التقديس، كون معظم مكوناتها مرتبط بالدين، وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد الغث والسمين في هذه الثقافة، وبالتالي فكل خروج عن سمين هذه الثقافة هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

6- هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة)، كون أصلها شفهيّ، وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبويّ وأقوال الصحابة والتابعين.

7-هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين، الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا، وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقيّ في هذه الثقافة، إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينيّة، أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعيّة.

8- هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقيّة القائمة على الاستغلال، من منظور أخلاقيّ، يقوم على مناجاة الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة، عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً، والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحيّة ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح، كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون، وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينيّة قدوة للحاكم والرعيّة أيضاً في نشر العدل بين الناس، دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخيّة من حيث ظروفها الموضوعيّة والذاتيّة ومكوناتها الاجتماعيّة وحدودها الجغرافيّة، ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه, وطبيعة القيم الأخلاقيّة السائدة فيها .

9- هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجريّة الثلاث الأولى، أو ما حدده فقه (الحاكم) في الأنظمة السياسيّة الحديثة، وخاصة في الدولة الشمولّيّة، وبالتالي هي تعمل على محاربة الحريّة الفرديّة والإرادة الإنسانيّة والرأي الآخر.

10- هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجيّة مغلقة، تعتبر الحقيقة قد أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد، وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجها، وليّ عنق الواقع كي ينسجم معها. أي هي ثقافة ضد النسبيّة والحركة والتطور والتبدل.

على عموماً ما نريد قوله في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفويّة: إنها ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها، العقل الإيمانيّ والتسليميّ على المواطن العربيّ، بحيث لم يزل النص المقدس وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفيّة والقادة السياسيين، يشكل المرجع المعرفيّ والسلوكيّ للفرد والمجتمع مع غياب فاضح للضبط المنهجيّ وللرأي الآخر. أي هي من يشكل اَلْحُكُمَ أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. هذا إضافة لاستغلال وتوظيف ثقافة الخوارق والخرافة والأسطورة، وتطبيق الخاص على العام، أو الجزء على الكل في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع، وكذلك الانخراط بالموروث والمحافظة على الشكليات فيه، كالدعوة إلى التمسك بالرحمة والتسامح، وعند الضرورة لا بد من التمسك بالجهاد أيضاً انطلاقا من التكليف بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى والتناقض في هذه الثقافة الشفويّة وبخاصة الجانب الفقهيّ فيها على سبيل المثال لا الحصر، كون هذا الجانب يتعامل مع مسائل الوجوب والإباحة والمحرم، والعقل والنقل وطريقة الحصول على المعرفة.

من خلال عرضنا هذا لطبيعة الثقافة السائدة في عقولنا وتجذرها، لا بد لنا من ثورة ثقافيّة حقيقة لكشف أبعاد هذه الثقافة ومكوناتها وآليّة عملها والقوى التي تشتغل عليها وتساعد على استمراريتها وتعميقها وإعادة إنتاجها في عقول الموطنين بغية تحقيق أهداف يوجد وراءها قوى اجتماعيّة لها مصالحها الأنانيّة الضيقة. بيد أن هذه الثورة الثقافيّة التي نقول فيها، هي ليست ثورة مجرة من مكوناتها الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسيّة، بل هي ثورة مركّبة من كل هذه المكونات.

مرايا فكريّة – الحلقة (السادسة عشرة)

د. عدنان عويّد

 

المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س17: أ. مراد غريبي: لديكم مقاربات للإنسان بلحاظ التاريخ والتربية والثقافة والمواطنة، هل الأوهام التي ناقشتموها شكلت سياجاً دوغمائياً في صياغة الإنسان العربي المتخلف باسم الحاكمية؟

ج17: د. عدنان عويد: إن ما جئنا عليه في إجاباتنا السابقة بالنسبة لواقعنا المأزوم بثقافة شفويّة وبنى اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة متخلّفة، يشير وبكل وضح هنا إلى أن هذه التخلف البنيويّ محكوم ليس بحاكميّة أصوليّة دينيّة فحسب، بل هو محكوم بحاكميّة أنظمة وضعيّة شموليّة أيضاً، يضاف إليها حاكميّة التخلف المعيش بكل مفرداته، إن كان على مستوى العرف والعادة والتقليد، أم على مستوى حاكميّة الكثير من القوانين الوضعيّة التي فاتها الزمن المطبقة على واقعنا الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ .

أقول: إن معظم ما قمت بطرحه من قضايا فكريّة وفلسفيّة وأدبيّة تتعلق بالحداثة ومفرداتها، إن كان على مستوى الوطن والمواطنة والانتماء والقوميّة والديمقراطيّة والعقلانيّة والعلمانيّة والاستبداد والدولة الشموليّة والليبراليّة وقيمها, وما بعد الحداثة وطبيعة المجتمع الاستهلاكيّ ورأسماليّة الدولة الاحتكاريّة, والثقافة والمثقف, والمثقف العضويّ وغير ذلك ن قضايا تتعلق بتخلفنا ونهضتنا. فكلها تشير في الحقيقة إلى قضيّة أساسيّة هي: إن هناك واقعاً عربيّاً متخلفاً ومأزوماً حضارياً، وقد تقدمت عليه الكثير من دول العالم وحتى المتخلفة منها، ونحن للأسف لم نزل كـ (بول البعير) نرجع إلى الوراء، وبطريقة يندى لها الجبين، فواقعنا أكثر ما يقال عنه، أنه يعيش تحت مظلة أنظمة شموليّة استبداديّة، ذات توجهات مرجعيّة طائفيّة أو قبليّة أو عشائريّة مأزومة، جوعت بعض هذه الأنظمة شعوبها وأفقرتها، ودفعت الملايين منها إلى الهجرة وترك الأوطان، ليبقى فيها بعض السفلة والمجرمون وتجار الوطن والدم, والفقراء المعدمين الذين ليس لهم قدرة على ترك الوطن أو الدفاع عنه.

من هنا تأتي أهمية العمل على تغيير طبيعة الأنظمة السياسيّة القائمة، وبالتالي أصبحنا هنا بحاجة ملحة لثورة سياسيّة بعيدة عن العنف والعنف المضاد، فثورات الربيع العربيّ اثبت فشلها الذريع بسبب غياب الوعيّ الثوريّ لدى حملتها الاجتماعيين، وخاصة عندما استخدمت العنف ضد هذه الأنظمة المشبّعة بمعرفة كل أشكال العنف الناعم منه والقاسي، فمثل هذه الأنظمة بحاجة لحراك اجتماعيّ واعي لطبيعة النشاط السلميّ وبأن الحل يكمن في هذا النشاط، كي لا يترك مجالاً لقادة هذه الأنظمة أن يجعلوا من حراك المعارضة قوى إرهابيّة, دون أن ننكر ان هناك من كان إرهابياً بكل معنى الكلمة في هذه المعارضة

كونه فسح في المجال واسعا لدخول القوى الأصوليّة التكفيريّة لفرض دولة الخلافة باسم الحاكمية كداعش والنصرة والإخوان. إن رفع شعارات الديمقراطيّة والعلمانيّة والحداثة بوجه هذه الأنظمة, سيجعلها ترضخ بالضرورة كونها مطالب حق، ولن تستطيع هذه الأنظمة اتهام دعاتها بالإرهاب أو الخروج عن القانون.

كاتب وباحث من سوريّة

d.owaid333d@gmail.com

https://www.almothaqaf.com/c/d5/960517

 

 

 

 

 

 

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً