هل نتغير فعلاً / سناء ابو شرار

+ = -

سناء ابو شرارالتغيير الحقيقي هو اكتشاف جديد للذاتوالتغيير الزائف هو تكرار للذاتمثلما تمر الأشجار بمراحل تطور ونمو وتتغير وتتبدل حسب الظروف، نحن كذلك، فحتى الجبال بقسوتها وثباتها تتغير مع السنوات وتكتسب لون جديد أو يبهت اللون القديم، تصبح أكثر صلابة أو تضعف أمام عوامل التعرية، ونحن كذلك. حتى الأنهار تكون شابة ثم تهرم، ونحن كذلك. جميع ما في هذا الكون يمر بمراحل التغيير والتحول، قد نلاحظ هذا التغير وقد لا نلاحظه ولكنه يحصل بكل ثانية وفي جميع المخلوقات.المخلوق الوحيد الذي يرفض التغيير ويعانده ويُكابر على مر السنوات هو الإنسان، لذلك اخترع البشر صبغة الشعر وعمليات التجميل، وتحايل على جسده بان يُبقيه قوياً لأطول فترة من حياته، ولكنه بلحظة ما لا يستطيع أن يستمر في التحايل أو المكابرة، بلحظة ما يعتريه الضعف وتطالبه نفسه بالتوقف لأنها لم تعد تستطيع تحدي المد القادم من السنوات الطويلة.وهذا نوع من التغير تفرضه الطبيعة علينا جميعاً ولكن هناك نوع من التغيير يحدث للبعض منا وهم قلة قليلة، إنه التغيير الذي يحرر النفس من قيودها وأوهامها تجاه الحياة وتجاه الآخر؛ والقليل من الناس من يصل لهذه المرحلة المتقدمة من فهم الذات والحياة، وهذه الفئة لابد وأن تكون مرت بامتحانات صعبة في الحياة كي تصل لهذه النتيجة وجميعنا نمر بامتحانات صعبة ولكن هذه الفئة لم تختار أن تبحث عن الحلول من الخارج ولكنها حفرت بأعماقها الذاتية لتجد الحلول وأدركت أن جميع الحلول تبدأ من الداخل ثم يصبح لها خيوط مع العالم الخارجي، وحتى إن لم يكن لها ارتباط مع العالم الخارجي فهذه الفئة أتقنت إيجاد الحلول من أعماقها دون البحث عنه عند الآخرين ودون انتظار معجزة خارجية.هناك تغيير يكون في القشور الخارجية للنفس، وما تقوم به ليس سوى تغيير هذه القشور من حين لآخر ومن ظرف لآخر ولكن الذات الحقيقية لم تتغير بقيت كما هي لذلك تتكرر الأخطاء ويعود الغرق ومن جديد في الأوهام. التغيير الحقيقي لا يكون في القشور بل في الأعماق الذاتية للإنسان، فما كان مهماً فقد أهميته، والذين كان لهم قيمة في الحياة لم يعد لهم قيمة، والكلمات التي كان لها صدى واسع المدى أصبحت كلمات جوفاء لا تتجاوز أضيق مجال للسمع، ثم تأتي النتيجة الذهبية وهي فقدان الحاجة للآخرين.فحين يتم منح القيمة العليا لما بأعماق الإنسان، وحين يمعن التفكير بتفاصيل حياته وسبب وجوده والحكمة من هذا الوجود، وحين يدرك أن من حوله يأخذون حجماً عملاقاً بنفسه لا يستحقونه هنا فعلاً تتغير حياته، وتأخذ الأشياء والأشخاص حجمهم الطبيعي.رحلة التغيير الحقيقة تفرض على الإنسان الواقعية والنظرة المجردة لمن حوله، وألا يتوقع منهم أكثر مما يستطيعون تقديمه، ألا ينتظر الراحة النفسية لديهم كلما طرأت مشكلة ما، التغيير الحقيقي هو الاستقلالية النفسية والفكرية والروحية، والاكتفاء بالذات في كل المواقف، حتى في مواقف الفرح.وهذه المرحلة المتطورة مع الذات لها ثمن كبير لن يستطيع أن يدفعه أي شخص، فهناك عناصر هامة لها منها الصبر والصمت، الحكمة والتخلي عن التمسك بأي شيء وبأي أحد، إنها أن تكون في الحياة مجرد عابر سبيل مر من هنا ولا يلبث إلا أن يغادر، ولا يمكن لأي إنسان أن يصل للتغيير الحقيقي الذي يحرره من قيود من حوله وقيود الحياة دون التعلق بالله الخالق وان يدرك أن كل ما في هذا الوجود لا يتغير ولا يتبدل إلا بمشيئته، فمن تعلق قلبه بالله حرره الله من التعلق بالبشر.

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً