غابة وقمر/ قصة: سعيد الشيخ

+ = -

قصة: سعيد الشيخ

 

تبدو المدينة خلفهما كطبق نحاسي في هذا الوقت الذي يسبق الغروب بقليل.

هو وهي في الهواء الطلق يلوذان بين الاشجار بعيداً عن الأنظار.

في هذه الساعة تهيج روائح النباتات باعثة في النفس مشاعر مختلطة تؤنس الروح ليقظات تذيب اصفاد الجسد.

وإذ تذوب اصفاد الجسد تصهل هي كمهرة ويزأر هو كأسد.

وربما اصبحت هي مهرة وتحوّل هو الى أسد، طالما أنّ الغابة هنا بقيت غابة تفرض قانونها وتكوينها على باقي المجسدات.

السكون يلف جنبات الاخضرار الغامق والطيور قد سكتت عن زقزقاتها، عند هدوء الجسدين اللذان يبدوان تحت هالة ضوئية.

كان بصرها قد تشبث فجأة بقطعة صغيرة من سماء صافية فيها بعض النجوم المختلفة بكميات ضوئها، وعلى طرف منها كان ثمة هلال يطل وئيدا من خلف تشابك الاشجار. تخيلته يقف هنهية ويمسح الغابة بنظرة حانية. قالت:

– انظر هناك، أنه القمر كأنه يحرسنا… هل تراه؟

وقبل ان يقول شيئا، قالت:

– أريده!

– ماذا… تريدين القمر وأنت قمر الأقمار.

– اريد منك البرهان على حبك لي، أريدك أن تجلب لي القمر.

تشاغل عن كلامها وراح يشدها اليه وهو يطبع قبلا سريعة على أنحاء مختلفة من جسدها. بالحنو الذي يهيله عليها كان يعتقد أنه يبدد من رأسها فكرة جلب القمر.

– لا تراوغ ،أريد القمرالآن.قالت.

في صوتها آيات من الدلال والرجاء.ترددها ارجاء الغابة، تدوي في اذنيه وترعد. تقترب وتحاصره، يشعر بها رماحا طويلة توخزه.

حين تيقن انّ لا مفر له ولا مناص استلّ سكينا حادا، ودون تردد حزّ عنقها، طاح الرأس مرتفعاً في الهواء ثم هبط متدحرجاً الى الارض مرات عدة.

رفع الرأس الى أعلى نحو الشجرة التي تبدو كسيدة الاشجار وقال بصوت جهوري كأنه ليس صوته وستردده الغابة بعد حين:

  • أيتها الشجرة العالية .. هاتي بأغصانك القمر الذي في السماء، وارفعي رأس حبيبتي مكانه ليراه الناس قمرا خالدا على مر العصور.

حصل ان تطاولت سيدة الاشجار بأغصانها حتى وصلت كبد السماء.

اختلت الاوقات والتقاويم.. رأى اهل المدينة على غير موعد قمرا كاملا هو غير كل الاقمار، يشع نورا ساطعا يغشي الابصار.

حصل ان القمر ما عاد يأفل بتاتا..بتاتا!

* كتابة مكثفة لقصة “أقصى الحب..أقصى الموت” من مجموعة للكاتب تحمل نفس العنوان صادرة عام 2000.

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً