يوسف تسوّل له نفسه أمراً ما / ابرهيم موعد

+ = -
ابرهيم موعد
-دعني أساعدك يا سيّدي .
يخترق الصوت الزحام ، يعقبه خنجر يغوص في بطني حتى ألمقبض . بادىء الأمر ، لا أشعر بالألم . أسير بضع خطوات (ثمة مسافة ينبغي إجتيازها) قبل أن أسقط مطبقاً عينيّ على وجه أسمر نحيل سعيت إلى إعدامه آوان تألّقي في خدمة الشرطة .
لا يهب أحد لنجدتي . ينتابني القلق ويخيّل إليّ أني مت. ( هل يدرك المرء موته حقاً ؟ ) لكنهم يأتون أخيراً .  يرفعونني عن الأرض ، ويربّتون على كتفي قائلين : إذهب الى البيت .
بيد أني أكون ظامئاً ، فألج حانة تقدم فيها الشراب امرأة ليّنة كالماء . تمتد يد المرأة اليّ . تنزع قميصي ، فينكسر الضوء على صدري الذي ينضّح بالعرق . أهمّ بالمرأة كذئب : لنحتفل بزواجنا السعيد .
يلتفت الجميع نحوي ويهتف أحدهم : هذا يوسف…
أخرج الى الليل ثملاً . تتراءى حياتي أمامي كسهب شاسع ، تتخلله رعود وبروق وظلال بائسة .
عند المنعطف ، امرأة من نار ، لها مخالب لبؤة ، تتلوّى كألسنة النار . تقدّ قميصي ، وتفحّ في وجهي كأفعى : لقد إنتظرتك طويلاً ، يا يوسف .
أطلق ساقيّ للريح . أتعثّر ، وأهوي في غياهب الظلام… عيون ماكرة ، تحوك ألمؤامرة في جوف الليل . تغسل أياديها بعناية ، وسرعان ما تبتعد .
شمس الصباح في المرعى . في المرعى ، ذئب وشاة وسنبلة . يتقدّم الذئب من ألشاة بخطى واثقة.. يبتسم … أني بريء من دمك. منذ الآن ، حرام علي اللحم .
تثغو الشاة ، وتبقى عينها على الذئب . وعندما يحين موعد الأكل ، تشمخ السنبلة بمئة حبة ، وتتضاءل الشاة ،فتغدو بحجم جرذ .
أرتدي قميصي ، وأمتطي صهوة الريح ، الى المدينة أسعى .
إنها الظهيرة الآن . سيّدي في المكتب محاط برجاله . أتمسّح بثوبه ، وأقبّل يده ، وأنوح
كغريق : الرحمة ، سيّدي…
يثور سيّدي . يصفعني ، ويركلني . يأمر رجاله بقذفي بعيداً . أتدحّرج مثل كرة . في الباب ، أعاند الجميع . يهجم الرجال عليّ من جديد . يضربونني ويدوسونني في الساحة كأنهم يسوّون وجه قبر . متسوّل عجوز يرثي لحالي . أتوكأ على كتفه ، ونسير في دهليز أصّم . بغتة ، يجهز العجوز عليّ . يجدع أنفي ، يشّق شفتي ، ويكسر ذراعي . يتوسم بي خيراً ، ويجد لي ركناً في سوق المتسوّلين… مع الأيام ، أصير نجماً ، وتصبح ” المرسيدس”طرازي المفضّل .
أنا الآن في كامل زينتي . وجه مرمم وثوب أنيق . عمّالي يوزّعون المعونات على الناس . في آخر الطابور ، شیخ نزق يتفلّت كالعاصفة ، أشّم فيه رائحة أبي . ألقي ما بيدي . أهرع اليه . أحتضنه بقوة ، فيما تتأجج بين أضلعي ، نار طفولتي .
ينزعج الشيخ ، ويلطّخ رذاذ فمه وجهي . ينكرني ويصيح : لست إبني .
أطعم ثوبي للنار ، وألوذ الى نفسي خائباً .
من شرفتي في الطابق الرابع ، أرى المارّة يروحون ويجيؤون . رؤوس فارغة ، تسندها أقمشة ملوّنة تخفي أرجلاً متفاوتة .
في شقتي إمرأتان : الأولى تغزل ناراً ، فتحرق نفسها . والثانية بنكهة الشيطان ، تلهو بمسدس .
أحذّرها : لا تعبثي بالنار…
لكنها تصوّب المسدس نحوي ، وتطلق النار… أشهق … أترنّح … أحزن ، لأن أطفالي لن
يبصروا النور البتة . يختنق صوتي :
أولادي.. أولاد.. أولا … أو… أ…
ثم لا شيء . صمت ثقيل ، ووحشة ألموت .
                                                     ( قطع).
فرغ يوسف من قصته ، وقصد غرفته لينام . وعندما إستعدنا ما روى ، ظهر لنا أن روايته تفتقر الى الكثير من الدقة . فقررنا إستنطاقه من جديد .
كانت الغرفة خالية . لا ضوء ، لا صوت … فقط شلال سراب .
تناهى الى أسماعنا ، أنه غادر الفندق خلسة . وحدسنا أنه قد يكون سافر الى إحدى عواصم القرار . فتشابكت الإتصالات بين واشنطن وموسكو ولندن وباريس وبكين . ثم توسّعت لتشمل طوكيو ، روما ، القدس ، دمشق ، طهران ، بیروت ، اسطنبول ، بيونس ايريس ، برازيليا ، وبرلين . جاءت الردود سلبية ، الى أن زعم مزارع انه قابل شخصاً غريب ألأطوار يكلّم الأشياء . فجزع وإتصل بالشرطة . لكن الشرطة لم تحضر . كما أن المزارع استغرق في النوم . وعندما أفاق ، زعم أن السلّم الذي يستخدمه في التصليحات المنزلية استطال فجأة ، ورأى في آخر درجاته ، نفس الرجل الذي كان يئّن كالجن .
كان زعماً كاذباً بلا شك . ومع ذلك ، تساءلنا : این ذهب يوسف؟ هل يكون صعد الى السماء ؟ هل يكون خرق الأرض؟ أم سوّلت له نفسه امراً ما ؟
ابرهيم موعد
كاتب فلسطيني
تموز 2001

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً