رسالة أنيس الصايغ إلى غسّان كنفاني | أرشيف

+ = -
أنيس الصايغ (1931-2009)

العنوان الأصليّ: «رسالة إلى غسّان كنفاني».

المصدر: «مجلّة الآداب».

الكاتب (ة): أنيس الصايغ

زمن النشر: 1 تمّوز 1992

 


 

من فوق التراب إلى تحت التراب، والموت واحد وإن اختلف الموقع. والدفن واحد وإن اتّسع ما فوق التراب ليشمل العالم كلّه حيث انتشر الفلسطينيّون وضاق ما تحت التراب فانغلق على جثمان وحيد.

فشل القَتَلة وإن نجحوا في تغييبك، ونجحوا في تغييب غيرك وإن فشلوا في قتلهم. ولو كان القتلة يعلمون أنّهم بقتلك يُطْلِقونك من عالم مجنون، متخاذل، ومستسلم باع شرفه وأرضه وحقّه ومبادئه بثمن زهيد أو حتّى بدون ثمن، لكانوا تردّدوا قبل وضع الأصابع المتفجّرة في سيّارتك في صباح ذلك السبت المشؤوم قبل عشرين سنة. إنّ انفجار سيارة «الفولسفاكن» حرَّرَكَ من هذا العالم وأبعَدَكَ عن المأساة الّتي نعيش، وأخفى عن عينيك عيوب الحاضر وجرائمة وانهزاماته. فأغمضْتَ عينيك على صورة جميلة من صور النضال والإيمان والثورة والقيم. وفي عشرين سنة خَبَتْ هذه الصور، وبَهتت، وأخذت مكانها صور قاتمة وتعيسة.

كم توهّمتُ، بعد استشهادك بعشرة أيّام، بأنّ وحشيّة العدوّ الّتي نالت منك لم تنل منّي تمامًا، فبقيت أتنفّس وأتحرّك وأرمِشْ، وإن خفّ السمع والبصر إلى ما يقارب الزوال. ولكنّي، وبعد عشرين سنة من اقتراف هاتين الجريمتين، أغبطك وأغبط مصيرك ولا أغبِطُ مصيري.

ماذا كنت ستسمع يا غسّان، وماذا كنت ستشاهد، لو كنت تشاركنا الجلسات هذه الأيّام؟

كنت ستسمع أنّ الصهيونيّة ليست حركة عنصريّة استيطانيّة معادية، بل هي حركة سياسيّة تقف في وجه حركة سياسيّة مقابلة، كلاهما من طينة واحدة: تدافع الأولى عن «حقوق» جماعة (اليهود) وتدافع الأخرى عن حقوق جماعة ثانية (العرب)، تمامًا مثلما نَصَّ «وعد بلفور» قبل استشهادك بخمس وخمسين سنة: إنّ وطنًا قوميًّا لليهود يقام في فلسطين بشرط ألّا يمسَّ بمصالح «الجاليات» المقيمة في ذلك البلد؛ وكما كان السير ماركس سايكس، أحد بطليّ الاتفاقيّة المشؤومة، يزعم بأنّ الصهيونيّة والقوميّة العربيّة صفحتان لورقة واحدة.

وكنت ستسمع أنّ «إسرائيل» بلد مثل سائر البلدان، له حقوقه وأمنه وحدوده ووجوده ومصالحه. وما علينا إلّا أن نعترف له بذلك حتّى يكفّ عن التعدّي علينا. فـ «إسرائيل» أصبحت «جارًا» ولم تَعْد عدوًّا. وللجار حقوق، وما الجدار الّذي يفصل بيننا إلّا جدار وهم وخيال نَصَبَهُ التعصّب والجهل في قرن من الزمان.

كنت ستسمع أنّ فلسطين ليست فلسطين؛ أنّ نصفها اسمه إسرائيل، ونصفها الآخر اسمه الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. وكنت ستسمع أنّ القضيّة الفلسطينيّة هي قضيّة ما سقط عام 1967 من أرض فلسطين، وأنّ استعطاء حكم ذاتيّ يجعلنا أحرارًا في شؤون الصحّة وجمع القمامة وفتح الدكاكين وتعليق اليافطات، ويغنينا عن المطالبة بتحرير محبوبتك عكّا والعودة إلى محبوبتي طبريّا. بل إنّ قضيّة فلسطين امّحت وذابت في ما أصبح يسمّى «قضيّة السلام في الشرق الأوسط».

وكنت ستسمع أنّ التفاهم بالحُسنى، أو الاتّفاق بالتراضي، هو شرف «الثورة حتّى النصر»؛ وأنّ شرف الجلوس مع مندوبي العدوّ في هذا البلد الأوروبيّ أو الأميركيّ أو الآسيويّ أو ذاك، في ظلّ الرعاية الأمريكيّة «الصديقة»، هو النصر بحدّ ذاته. فقد فاتك أنّ أميركا لم تعد دولة استعماريّة أو إمبرياليّة وعدوّة للشعوب، بل أصبحت صديقًا عزيزًا حاميًا لحقوقنا وجنديًّا مخلصًا لاستعادة حقوقنا. لم يَعُدْ هنري كيسنجر «عزيزًا» لوحده، بل أصبح الطاقم السياسيّ الحاكم في أميركا كلّه عزيزًا على قلوبنا.

لو كنت لا تزال حيًّا يا غسّان لكنت تشاهد وتسمع أصدقاء مشتركين لك ولي (وبعضهم أصابته قنابل العدوّ مثلما أصابتك وأصابتني)، ويقولون هذا الكلام وأكثر. ويسيرون في جنازة الحقّ الفلسطينيّ مزهوّين بالانتصارات الوهميّة. لقد سقطت الأقواس حول اسم «إسرائيل»، وأصبح الاستمرار في استعمالها غباءً وتحجّرًا وسماجة لا تليق بنا ونحن نجالس الإسرائيليّين ونستعطفهم، ونتملّقهم، ونغازلهم، ونمنحهم بركات الشرعيّة. والصحيح أنّ الأقنعة سقطت عن وجوههم هم بمجرّد إسقاطهم تلك الأقواس.

ألا توافقني، بعد هذا، أنّ مثواك تحت التراب أرحب وأرحم من منازلنا الفخمة وطائراتنا الخاصّة وعروشنا والبسط الحمر تحت أقدامنا؟

لكنّه ذنبك أنت يا غسّان، أنّك أتحت لهم أنّ يغتالوك. ركبتَ «الفولسفاكن»، ولم تكن تركب «المرسيدس 500» المصفّحة، تحيط بك حراسات مسلّحة تفتح لك الطرقات وتغلقها عن غيرك. تمامًا كما كان الذنب ذنبي حسب رأي أحد كبار قادتنا العباقرة الّذي صرّح مستنكرًا أنْ أفتح المظروف المفخّخ، الأمر الّذي جعل القنبلة تنفجر بين يديّ. قال:”أليس عنده سكرتيره تقوم بفتح الرسائل عنه؟”، وكأنّه أراد أن يقول:”لتُبْتَر أصابع السكرتيرة، أمّا أصابعه فلا”. فالموت للمساكين وليس للمسؤولين.

وهكذا تتحوّل المسألة من جريمة صهيونيّة قذرة ضدّ الفكر الفلسطينيّ إلى خطأ نقترفه نحن وندفع ثمنه حياتنا أو بعض حياتنا.

لقد هدّدوك وحذّرك «العارفون» قبل أيّام من الجريمة واسخففْتَ فنالوا منك. وهدّدوني، وحذّرني بعض «العارفين» قبل أيّام من الجريمة فَسَخِرتُ ولم اتّعظ منك، ونالوا منّي. وهكذا كان الحال مع الكثيرين غيرنا، رحم الله الموتى وشفى الجرحى والمصابين وغَفَر للمتخاذلين وهداهم. إنّ وحش الموت، كما يقول المثل الدانمركيّ، يلتهم الأدسم بين ضحاياه. تُرى، هل كانت لدينا رغبة خفيّة في التنافس والتدافع أمام الوحش ليختارنا نحن من بين آلاف المقاتلين بالبندقيّة أو بالقلم؟

لقد أراحك الموت من سؤال سخيف كان المحقّق سيطرحه عليك مثلما طرحه عليّ وأنا أستلقي على سريري في المستشفى بين الموت والحياة:”من تعتقد أنّه وراء الجريمة؟ هل هناك خصومة بينك وبين جار أو زميل أو منافس؟”، ولو كانت لديّ قدرة على الكلام لكنت أجبت:”نعم، هناك خصومة بيني وبين العقل والمنطق، عقل هذا الزمان ومنطقه اللا عقلانيّ واللّا منطقيّ”.

يبدو أنّهم هم العقلاء والمنطقيّون، ونحن كنّا المغفّلين. المغفّل فقط يرثُ الرضى الذاتيّ، وراحة الضمير، وشرف النضال. وهم يرثون كلّ شيء آخر رنّان، من لقب إلى ذهب.

أنت وأمثالك تعيشون في المخيّم وتناضلون في الخندق وتشربون الماء الآسن وتقتاتون الفتات. وأمّا وجهاء النضال الكلاميّ والخطاب السياسيّ المهرجانيّ ومحترفوه فقد جنوا ثمار ذلك النضال، ألقابًا فخمة تحتضن أسماءها، ومباني ضخمة تنطح بأعناقها السحب، ومواسم الترف ومهرجاناته وأعراسه الّتي قصرت عنها ليالي الألف ليلة وليلة.

 

***

 

أخي العزيز غسّان: لقد متّ مرّة، ونموت نحن كلّ يوم ألف مرّة.

أكاد أسمعك تسأل: أليس من أخبار غير هذه التعاسات؟ نعم.

فايز وليلى يرفعان اسم فلسطين واسم والدهما عاليًا، بكفاءاتهما ونشاطاتهما ونجاحهما. وآني وفيّة لك في وفائها لقضيّة زوجها الّتي أصبحت قضيّتها، مثابرة تنجز ما يعجز عنه العشرات. ورفاقك على إيمانهم وسلاحهم وأصالتهم. و«جبتهك» صامدة بالرغم من الإغراءات الّتي تستميل الضعاف وتَشُدُّ الأقوياء. والحكيم القائد يزداد مرضه قسوة وتزداد عزيمته قوّة. وكتبك ورواياتك وقصصك تجتذب القرّاء المعجبين طبعة بعد أخرى. ومجلّة «الهدف» تتحدّى وتواصل الصدور. والواحات النادرة في صحارينا الواسعة لا تزال خضراء، وينابيعها لم تجف، وإن أعرض الكثيرون عنها ولم يعد ماؤها الزلال يروي لأنّ عطشهم هو إلى نوع آخر من المشروبات.

وبكلام آخر؛ لم تغب الشمس بالمرّة، وإن كانت العتمة تلفّ حياتنا. فلا بدّ للشمس من أن تشرق ثانية، إنّ دماء الشهداء، الأموات منهم والأحياء، ستظلّ تشعّ نورًا يضيء لأجيال قادمة.

وحده هذا الأمل يمنعنا من الاستسلام/ الانتحار.

فسحة- عرب48

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً