ظاهرة الحفظ دون فهم في المجتمعات الإسلامية – إلى متى؟/ مولود بن زادي

+ = -

مولود بن زادي

 

“لا يمكننا أن نحلَّ مشاكلنا ونحن نفكِّر بتلك الطريقة التي صنعناها بها“، عبارة رددها عالم الفيزياء الألماني ألبرت إنشتاين. وما يقصده هو أننا لن نتغلب على مشاكلنا بأذهان جامدة وإنما بعقول مفكِّرة ناشطة. يتجسد التفكير العقلاني الحر بامتياز في المجتمعات الغربية وينعكس في أنظمتها التربوية التي تعتمد على أساليب مبتكرة تفاعلية ديمقراطية تركز على التنمية الذاتية وتطوير المهارات الشخصية وتنظر إلى الفرد على أنه مستقل بذاته وأفكاره، ومشارك نشيط في عملية التعلم وليس مجرد مستمع أو مراقب خاضع لإرادة المدرِّس. في المقابل، ما زالت المجتمعات الإسلامية ترزح تحت وطأة أنظمة تقليدية عقائدية مغلقة وأحادية تعتمد على نقل المعرفة في اتجاه واحد. من أبرز مميزاتها ظاهرة الحفظ المتوارثة عبر العصور. فما مدى انتشار هذه الظاهرة في عالمنا؟ من يدعمها؟ وما مبررات بقائها في عصر التكنولوجيا الرقمية؟

 

تحظى بمباركة الفرد والأسرة

استشرى الحفظ في ربوع المجتمعات العربية والإسلامية وفي أنحاء إفريقيا وآسيا. وها هي عدواه تنتقل إلى بلدان المجتمعات الغربية مثل بريطانيا من خلال الجاليات العربية والمسلمة المقيمة فيها، وهو ما آمُلُ في الإحاطة به في مقال آخر. ويحظى هذا الحفظ بمباركة ودعم الأفراد والأسر وهو ما يردده كثيرون في مجتمعاتنا، وهو ما نلمسه على سبيل المثال في تصريح إحدى الأمهات النيجيريات – نشرته صحيفة نيجيرية صادرة باللغة الإنكليزية: “عاد ابني إلى المدرسة (القرآنية) في سن التاسعة وتخرج في سن الثانية عشرة. أمضى ثلاث سنوات في حفظ القرآن كاملاً. إنه مسعى جدير بالاهتمام ونحن نقدره حق التقدير. إنهم (معلمو المدارس القرآنية) يبذلون قصارى جهدهم في أقصر وقت ممكن لتحقيق هذا النجاح “.

 

تدعمه أكبر دول إسلامية

ويحظى الحفظ أيضا بدعم دول كبيرة، نذكر منها إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة في العالم، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 240 مليون نسمة، 94% منهم مسلمون. تمنح السلطات الإندونيسية حفظة القرآن مزايا لا ينعم بها غيرهم من أفراد المجتمع –

مفرّقة بين أبناء الوطن الواحد – حيث تسمح جامعات الدولة لحفظة القرآن بالدخول المجاني إلى الجامعة من خلال برامج “مسار الإنجاز” والإعفاء من اختبارات القبول التي تديرها الجامعة والتي تُفرض على غيرهم. وتشارك في ذلك أفضل جامعات البلاد على منوال جامعة بوجور الزراعية في إقليم بوجور، جاوة الغربية، وجامعة ديبونيغورو في سيمارانج، جاوة الوسطى.

 

واسع الانتشار في إفريقيا

من الدول الداعمة أيضا تانزانيا، الوطن الأصلي للأديب عبد الرزاق غورناه المقيم في بريطانيا. قال الرئيس حسين مويني إن الوقت قد حان لأعضاء المجتمع المسلم في زنجبار لتعزيز الاحترام والقيمة لمعلمي المدارس القرآنية، تقديرا لمساعيهم الحميدة في تعليم الأطفال وتربيتهم. الرئيس مويني قام شخصيا بزيارة جزيرة زنجبار، ترأس فيها افتتاح مدرسة قرآنية جديدة تحمل اسم مدرسة مريمو في قرية مفينسيني، منطقة أونغوجا الحضرية الغربية، وفيها ألقى كلمة أكد فيها على ضرورة تقدير الجهود التي يبذلها هؤلاء المدرسون والعناية بهم. وقد أحسن عبد الرزاق غورناه، الفائز بجائزة نوبل للآداب 2021، تصوير المعاناة من هذه الظاهرة والإشارة إلى عدم جدواها في رواية (قلب من حصى)، “بحلول موعد مغادرة المدرسة القرآنية، كان في وسعي قراءة القرآن بطلاقة دون أن أفهم الشيء الكثير”.

 

دعوة إلى المراجعة والمواظبة

أنصار الحفظ لا يكتفون بالدعوة إلى الحفظ بتجنيد المزيد من الطلبة، إذ نراهم يؤكدون أيضا ضرورة المواظبة على المراجعة حتى لا ينسى الحافظ ما تعلمه، وهو ما يلح عليه مدير إحدى مؤسسات حفظ القرآن في نيجيريا، الأستاذ إبراهيم أفوابي، معبرا عن ارتياحه للانتشار الواسع لمراكز تعليم القرآن في البلاد، “قليلون هم الذين كانوا يستطيعون إتقان تلاوة القرآن، ولكن الآن تغيرت الأمور ومرت الأزمنة، فأصبح عدد مدارس تحفيظ القرآن معتبرا، تنتج أعدادا من حفظة القرآن.”

هذه المدارس لا تنتج حفظة فحسب، بل تسعى لرعاية هؤلاء الحفظة ودعم ما اكتسبوه من حفظ حتى لا يضيع مع مر الزمن، عملا بوصية الرسول، إذ يقول، “هذا إنجاز عظيم لكن ثمة جوانب لابد من مراعاتها مثل المراجعة، فبفضل المراجعة، يبقى الحافظ حافظاً حتى الموت، عملا بوصية الرسول ‘تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا’.”

 

 

الحفظ يجعلك مسؤولا

كثير من الأطفال في تانزانيا ودول أخرى كثيرة في إفريقيا والعالم يلتحقون بهذه المدارس ليس اختيارا وإنما تلبية لرضا أوليائهم وضغط مجتمعاتهم، وهو ما يدعونا حتما إلى التساؤل عن مبررات حرص هذه المجتمعات على الحفظ دون فهم في العصر الرقمي. ترد على سؤالنا الكاتبة والإعلامية النيجيرية شاكيرة أدونولا في مقال نشرته صحيفة الجارديان النيجيرية بعنوان (لماذا يجب على الآباء المسلمين التفكير في حفظ القرآن؟)، “مع التجلّي الكبير لاضطراب الشباب في المجتمع، حدد الآباء المسلمون حفظ القرآن الكريم كأداة لبناء حياة الشباب ليكونوا مواطنين مسؤولين. بالنسبة لهم، توفير التربية الدينية للشباب في سن مبكرة له تأثير كبير على السلوك الفردي”

وهكذا تشهد المدارس القرآنية في نيجريا اليوم اهتماما كبيرا وانتشارا واسعا. وتقدم بعض المدارس تدريسا مكثفا يسمح للطفل بحفظ القرآن في مدة قياسية تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات.

 

يقيك من كل ذنب

من المدافعين عن الحفظ (أكاديمية تي في كيو) التي أسِّست ضمن مشروع للدعوة وهي اليوم تُعنى بتصميم المواد التعليمية المرئية والمسموعة والنصية لتسهيل عملية حفظ القرآن. في مقال بعنوان (ثمانية أسباب لضرورة قراءتك القرآن يوميا وإن لم تفهمه)، يبرر الكاتب بابا سلام، أحد مؤسسي هذه الأكاديمية ضرورة قراءة القرآن دون الحاجة إلى فهمه بجملة من الأسباب – يشترك كثير من الدعاة في الإشارة إليها والدفاع عنها. فقراءة القرآن حسب هؤلاء تساهم في تطهير القلوب وحمايتها من الذنب والفسق وكل أنواع الشرور، وتزرع في النفوس طمأنينة والسكينة والسلام.

 

يغدق عليك حسناته

من جملة هذه الأسباب أيضا السعي للفوز بالأجر والثواب. فقراءة القرآن – مثلما يؤكد أنصار الحفظ – تُكسب المؤمنَ عشرة أضعاف الحسنات. فكل حرف يقرأه في كتاب الله يكسبه 10 حسنات، بغض النظر عما إذا كان يفهمه أم لا. وها هو الكاتب بابا سلام يضرب لنا مثالا على ذلك قائلا، “خذ على سبيل المثال سورة

الكوثر، ويقدر عددها بـ 39 حرفًا. يمكنك قراءتها في أقل من 20 ثانية، وتكتسب منها ما لا يقلّ عن 390 حسنة. وإن كررت السورة ثلاث مرات كسبت 1،170 حسنة على الفور. الآن تخيل لو أنك أنفقت 15 دقيقة من وقتك في قراءة القرآن، فكم من حسنات ستجني؟”

 

قراءة بلا معنى

وهكذا في وقت تسارع المجتمعات المتقدمة إلى إدخال وسائل تفاعلية متطورة في منظوماتها التربوية ومناهجها التدريسية، وتنظر إلى الطالب على أنه عضو فاعل يساهم في بناء ذاته بأفكاره، ها هي مجتمعاتنا الإسلامية تصرف أموالا طائلة وأوقاتا طويلة في عمليات حفظ دون فهم. وها هم أفراد المجتمع يتهافتون على القراءة وترديد كلام لا يعون معناه، لا شغفا بالقراءة ورغبة في المطالعة والفهم والتعلم وإنما كسبا لأضعاف الحسنات.

أنصار الحفظ في دفاعهم المستميت عن الحفظ، لم يعرضوا علينا حججا دامغة أو أدلة علمية مقنعة عن جدوى القراءة دون فهم في وقت تجمع فيه الأبحاث على أهمية الأساليب التفاعلية ودور التفكير الناقد في المسار التربوي. فالحفظ – مثلما يتجلّى في المبررات سالفة الذكر – إرضاء لله وخدمة للدين أكثر منه لبناء الذات وخدمة الأفراد والمجتمعات. وما ذكره بابا سلام عن مفهوم القراءة ينم عن سوء فهم لغوي. فالقراءة بمفهومها الحديث الصحيح لا تعني ترديد الكلمات أو ترتيلها دون فهمها وإنما “إدراك معنى المادة المكتوبة أو المطبوعة واستيعابها بتفسير الأحرف والرموز”، وهو ما جاء في تعريف معجم أكسفورد الإنكليزي. فلا جدوى لقراءة دون علم، ولا طائل من معرفة دون فهم، مثلما أكد العلامة ألبرت أينشتاين القائل، “في وسع أي أحمق المعرفة، فالصعوبة تكمن في الفهم لا المعرفة”، ويبقى السؤال قائما: إلى متى ستستمر ظاهرة الحفظ (دون فهم) في هذه المجتمعات؟

 

 

“لا يمكننا أن نحلَّ مشاكلنا ونحن نفكِّر بتلك الطريقة التي صنعناها بها“، عبارة رددها عالم الفيزياء الألماني ألبرت إنشتاين. وما يقصده هو أننا لن نتغلب على مشاكلنا بأذهان جامدة وإنما بعقول مفكِّرة ناشطة. يتجسد التفكير العقلاني الحر بامتياز في المجتمعات الغربية وينعكس في أنظمتها التربوية التي تعتمد على أساليب مبتكرة تفاعلية ديمقراطية تركز على التنمية الذاتية وتطوير المهارات الشخصية وتنظر إلى الفرد على أنه مستقل بذاته وأفكاره، ومشارك نشيط في عملية التعلم وليس مجرد مستمع أو مراقب خاضع لإرادة المدرِّس. في المقابل، ما زالت المجتمعات الإسلامية ترزح تحت وطأة أنظمة تقليدية عقائدية مغلقة وأحادية تعتمد على نقل المعرفة في اتجاه واحد. من أبرز مميزاتها ظاهرة الحفظ المتوارثة عبر العصور. فما مدى انتشار هذه الظاهرة في عالمنا؟ من يدعمها؟ وما مبررات بقائها في عصر التكنولوجيا الرقمية؟

 

تحظى بمباركة الفرد والأسرة

استشرى الحفظ في ربوع المجتمعات العربية والإسلامية وفي أنحاء إفريقيا وآسيا. وها هي عدواه تنتقل إلى بلدان المجتمعات الغربية مثل بريطانيا من خلال الجاليات العربية والمسلمة المقيمة فيها، وهو ما آمُلُ في الإحاطة به في مقال آخر. ويحظى هذا الحفظ بمباركة ودعم الأفراد والأسر وهو ما يردده كثيرون في مجتمعاتنا، وهو ما نلمسه على سبيل المثال في تصريح إحدى الأمهات النيجيريات – نشرته صحيفة نيجيرية صادرة باللغة الإنكليزية: “عاد ابني إلى المدرسة (القرآنية) في سن التاسعة وتخرج في سن الثانية عشرة. أمضى ثلاث سنوات في حفظ القرآن كاملاً. إنه مسعى جدير بالاهتمام ونحن نقدره حق التقدير. إنهم (معلمو المدارس القرآنية) يبذلون قصارى جهدهم في أقصر وقت ممكن لتحقيق هذا النجاح “.

 

تدعمه أكبر دول إسلامية

ويحظى الحفظ أيضا بدعم دول كبيرة، نذكر منها إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة في العالم، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 240 مليون نسمة، 94% منهم مسلمون. تمنح السلطات الإندونيسية حفظة القرآن مزايا لا ينعم بها غيرهم من أفراد المجتمع –

مفرّقة بين أبناء الوطن الواحد – حيث تسمح جامعات الدولة لحفظة القرآن بالدخول المجاني إلى الجامعة من خلال برامج “مسار الإنجاز” والإعفاء من اختبارات القبول التي تديرها الجامعة والتي تُفرض على غيرهم. وتشارك في ذلك أفضل جامعات البلاد على منوال جامعة بوجور الزراعية في إقليم بوجور، جاوة الغربية، وجامعة ديبونيغورو في سيمارانج، جاوة الوسطى.

 

واسع الانتشار في إفريقيا

من الدول الداعمة أيضا تانزانيا، الوطن الأصلي للأديب عبد الرزاق غورناه المقيم في بريطانيا. قال الرئيس حسين مويني إن الوقت قد حان لأعضاء المجتمع المسلم في زنجبار لتعزيز الاحترام والقيمة لمعلمي المدارس القرآنية، تقديرا لمساعيهم الحميدة في تعليم الأطفال وتربيتهم. الرئيس مويني قام شخصيا بزيارة جزيرة زنجبار، ترأس فيها افتتاح مدرسة قرآنية جديدة تحمل اسم مدرسة مريمو في قرية مفينسيني، منطقة أونغوجا الحضرية الغربية، وفيها ألقى كلمة أكد فيها على ضرورة تقدير الجهود التي يبذلها هؤلاء المدرسون والعناية بهم. وقد أحسن عبد الرزاق غورناه، الفائز بجائزة نوبل للآداب 2021، تصوير المعاناة من هذه الظاهرة والإشارة إلى عدم جدواها في رواية (قلب من حصى)، “بحلول موعد مغادرة المدرسة القرآنية، كان في وسعي قراءة القرآن بطلاقة دون أن أفهم الشيء الكثير”.

 

دعوة إلى المراجعة والمواظبة

أنصار الحفظ لا يكتفون بالدعوة إلى الحفظ بتجنيد المزيد من الطلبة، إذ نراهم يؤكدون أيضا ضرورة المواظبة على المراجعة حتى لا ينسى الحافظ ما تعلمه، وهو ما يلح عليه مدير إحدى مؤسسات حفظ القرآن في نيجيريا، الأستاذ إبراهيم أفوابي، معبرا عن ارتياحه للانتشار الواسع لمراكز تعليم القرآن في البلاد، “قليلون هم الذين كانوا يستطيعون إتقان تلاوة القرآن، ولكن الآن تغيرت الأمور ومرت الأزمنة، فأصبح عدد مدارس تحفيظ القرآن معتبرا، تنتج أعدادا من حفظة القرآن.”

هذه المدارس لا تنتج حفظة فحسب، بل تسعى لرعاية هؤلاء الحفظة ودعم ما اكتسبوه من حفظ حتى لا يضيع مع مر الزمن، عملا بوصية الرسول، إذ يقول، “هذا إنجاز عظيم لكن ثمة جوانب لابد من مراعاتها مثل المراجعة، فبفضل المراجعة، يبقى الحافظ حافظاً حتى الموت، عملا بوصية الرسول ‘تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا’.”

 

الحفظ يجعلك مسؤولا

كثير من الأطفال في تانزانيا ودول أخرى كثيرة في إفريقيا والعالم يلتحقون بهذه المدارس ليس اختيارا وإنما تلبية لرضا أوليائهم وضغط مجتمعاتهم، وهو ما يدعونا حتما إلى التساؤل عن مبررات حرص هذه المجتمعات على الحفظ دون فهم في العصر الرقمي. ترد على سؤالنا الكاتبة والإعلامية النيجيرية شاكيرة أدونولا في مقال نشرته صحيفة الجارديان النيجيرية بعنوان (لماذا يجب على الآباء المسلمين التفكير في حفظ القرآن؟)، “مع التجلّي الكبير لاضطراب الشباب في المجتمع، حدد الآباء المسلمون حفظ القرآن الكريم كأداة لبناء حياة الشباب ليكونوا مواطنين مسؤولين. بالنسبة لهم، توفير التربية الدينية للشباب في سن مبكرة له تأثير كبير على السلوك الفردي”

وهكذا تشهد المدارس القرآنية في نيجريا اليوم اهتماما كبيرا وانتشارا واسعا. وتقدم بعض المدارس تدريسا مكثفا يسمح للطفل بحفظ القرآن في مدة قياسية تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات.

 

يقيك من كل ذنب

من المدافعين عن الحفظ (أكاديمية تي في كيو) التي أسِّست ضمن مشروع للدعوة وهي اليوم تُعنى بتصميم المواد التعليمية المرئية والمسموعة والنصية لتسهيل عملية حفظ القرآن. في مقال بعنوان (ثمانية أسباب لضرورة قراءتك القرآن يوميا وإن لم تفهمه)، يبرر الكاتب بابا سلام، أحد مؤسسي هذه الأكاديمية ضرورة قراءة القرآن دون الحاجة إلى فهمه بجملة من الأسباب – يشترك كثير من الدعاة في الإشارة إليها والدفاع عنها. فقراءة القرآن حسب هؤلاء تساهم في تطهير القلوب وحمايتها من الذنب والفسق وكل أنواع الشرور، وتزرع في النفوس طمأنينة والسكينة والسلام.

 

يغدق عليك حسناته

من جملة هذه الأسباب أيضا السعي للفوز بالأجر والثواب. فقراءة القرآن – مثلما يؤكد أنصار الحفظ – تُكسب المؤمنَ عشرة أضعاف الحسنات. فكل حرف يقرأه في كتاب الله يكسبه 10 حسنات، بغض النظر عما إذا كان يفهمه أم لا. وها هو الكاتب بابا سلام يضرب لنا مثالا على ذلك قائلا، “خذ على سبيل المثال سورة

الكوثر، ويقدر عددها بـ 39 حرفًا. يمكنك قراءتها في أقل من 20 ثانية، وتكتسب منها ما لا يقلّ عن 390 حسنة. وإن كررت السورة ثلاث مرات كسبت 1،170 حسنة على الفور. الآن تخيل لو أنك أنفقت 15 دقيقة من وقتك في قراءة القرآن، فكم من حسنات ستجني؟”

 

قراءة بلا معنى

وهكذا في وقت تسارع المجتمعات المتقدمة إلى إدخال وسائل تفاعلية متطورة في منظوماتها التربوية ومناهجها التدريسية، وتنظر إلى الطالب على أنه عضو فاعل يساهم في بناء ذاته بأفكاره، ها هي مجتمعاتنا الإسلامية تصرف أموالا طائلة وأوقاتا طويلة في عمليات حفظ دون فهم. وها هم أفراد المجتمع يتهافتون على القراءة وترديد كلام لا يعون معناه، لا شغفا بالقراءة ورغبة في المطالعة والفهم والتعلم وإنما كسبا لأضعاف الحسنات.

أنصار الحفظ في دفاعهم المستميت عن الحفظ، لم يعرضوا علينا حججا دامغة أو أدلة علمية مقنعة عن جدوى القراءة دون فهم في وقت تجمع فيه الأبحاث على أهمية الأساليب التفاعلية ودور التفكير الناقد في المسار التربوي. فالحفظ – مثلما يتجلّى في المبررات سالفة الذكر – إرضاء لله وخدمة للدين أكثر منه لبناء الذات وخدمة الأفراد والمجتمعات. وما ذكره بابا سلام عن مفهوم القراءة ينم عن سوء فهم لغوي. فالقراءة بمفهومها الحديث الصحيح لا تعني ترديد الكلمات أو ترتيلها دون فهمها وإنما “إدراك معنى المادة المكتوبة أو المطبوعة واستيعابها بتفسير الأحرف والرموز”، وهو ما جاء في تعريف معجم أكسفورد الإنكليزي. فلا جدوى لقراءة دون علم، ولا طائل من معرفة دون فهم، مثلما أكد العلامة ألبرت أينشتاين القائل، “في وسع أي أحمق المعرفة، فالصعوبة تكمن في الفهم لا المعرفة”، ويبقى السؤال قائما: إلى متى ستستمر ظاهرة الحفظ (دون فهم) في هذه المجتمعات؟

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً