غبار نجمة / ابرهيم موعد 

+ = -
ابرهيم موعد 
 قالوا أنه قتل دركيّاً . والصحيح ، أنه شطب وجهه بسكّينه ذي الست طقّات ، وولّى ألأدبار .
حدث ذلك ،  ذات مساء قائظ ، حين كان جالساً أمام باب داره ينشد نسمة طريّة عندما إنتصب أمامه دركيّان ، لم يكتفيا بالتدقيق في هويّته  ، بل أصرّا على تفتيشه . فضبطا بحوزته سكّيناً ، وقررا  إقتياده الى ألمخفر . فثارت ثائرته ، واستطاع أن ينال من أحدهما ، ويلوذ بالفرار .
 عدا في الليل البهيم بين البساتين كفأر الحقول ، فأدمى ركبته ،ولوى كاحله . ومع هذا ، واصل عدوه حتى بلغ برّاكيّة تنك مهجورة ،كان في بابها كلب حمل عليه ، فهرب .
ألقى بتعبه فوق كومة من الصناديق الخشبية إهتزت تحته بشدة . فشعر كأنه يهوي في واد سحيق . وبين آهة وأخرى ، تراءى له مئة دركيّ كانوا يطاردونه كالكلاب المسعورة . كانوا يصيحون ويطلقون النار في شتى الجهات . وكان قائدهم يعوي كذئب قبل أن يتحوّل الى تنين أخذ ينفخ في وجهه ناراً عظيمة أشعلته كحطبة . ثم تلقّفه من عرقوبه وألقى به داخل فمه المتّقد كمرجل . وبينما كان يتلظّى على أرصفة أسنانه ، صرخ وصرخ ، بلا جدوى .
أفاق وكان ما يزال يصرخ . أدرك أنه كان يتخبّط في لجّة كابوس . أشعل سيجارة ، وراح يفكّر  بتعاسته الطارئة ، حتى غلبه النعاس وغفا . لكن نومه كان متقلقلاً ، وكان بين فينة وأخرى ، يفتح عينيه على مصراعيهما خشية أن يدهمه كابوسه مرة ثانية ، أو يباغته الدرك فيقبضون عليه .
نهض عند الظهيرة . نظر الى سقف التنك ألمليئ بثقوب قبيحة أشبه بنجوم منطفئة . لم يكن في وسعه البقاء داخل البرّاكيّة التي تحوّلت بسبب القيظ ، الى فرن جهنمي .
في ألخارج ، كان ثمة فناء يعجّ بالنفايات وألأتربة والحجارة وألأغصان ألمتكسّرة . وكان يسوّر الفناء جدار متداعٍ ، تعشش في شقوقه السحالي والحراذين وألأعشاب الميتة . وخلفه مباشرة ، إمتد طريق ترابي كان يثير غباراً كثيفاً كلما سلكته سيّارة . كان هنالك حنفية صدئة ودالية متيبسة وشجرة تين إلتهم ألغبار أوراقها وأفسدت مناقير ألعصافير أكوازها . كان يعرف ألمكان جيداً ، إذ كان يقصده  في صغره مع أقرانه فيطاردون السحالي وألأفاعي وينصبون ألأفخاخ للعصافير . ورغم أنه لم يكن بعيداً عن المخيم ، لم يساوره ألقلق ، إذ كان ألمكان قليل ألمارّة .
 نهشه الجوع ، فإمتدت يده الى كوز تين مسح عنه ألغبار وأكله . أعاد الكرّة ، فحظيَ بثلاثة أكواز ناضجة . جلس في الظّل وأشعل سيجارة وراح يتسلّى بمراقبة النمال والسحالي . قبض على سحلية مررها على يده لبعض الوقت قبل وبعبث طفولي ، أن يقطع ذيلها . تحرّك الذيل قليلا ً، وحالما همد ، تراكمت فوقه النمال وسحبته الى خليّتها في قافلة طويلة .
بعد حين ، دب فيه الضجر . فتثاءب وتململ طويلاً . نهض وعالج ألحنفية بحجر . إنسكب فوق رأسه ماء شحيح أمدّه بإنتعاش ضئيل . وما لبث أن ضاق صدره ، فإستسلم للكآبة . وجد نفسه يتخبط في ورطته مثل جثة تلقّت العديد من الطعنات القاتلة.  تدحرج أمامه حجر دفعه الى التفكير بصلف ألأيام وخبث لسعاتها . أخرج سكّينه ، تأمّلها لثوان ، وسرعان ما أجهش في البكاء .
حلّقت في الفضاء طيور كبيرة سوداء . فهدأت نفسه قليلاً وتمنّى لو يحلّق مثلها غير اَبه لنزق الريح وخداعها . ثم هبّ نسيم  لطيف ، فهفتْ روحه صوب حبيبته نجمة . تخيّلها خلف ماكينة ألخياطة حزينة وغاضبة لا تقوى على حبس دموعها التي ستنهمر بلا شك بسبب فعلته الخرقاء . بيد أنه لن يجزع من بكائها ، فوجنتاها الحمراوان بسبب دموعها الغالية ستزهران وردتين بطعم الندى . إلّا أنه أمل أثناء بكائها ، أن تخرّب فستان تلك السيدة المتعجرفة التي تبخسها دائماً أجرها . تأٌوه ونشج : آه يا نجمتي ؛ أي بؤس جلبته لك !!!
 لدى نفاد سجائره ، خرج الى الدرب وقبع في ظل شجرة زنزلخت بإنتظار عابر سبيل يعطف عليه ببعض التبغ . بعد قليل ، مرّ به راعٍ أخبره أن جراح الدركيّ ليست خطيرة كما يعتقد ، فهي بالكاد خرمشة ، وإنهم يهوّلون عليه بقصد إخافته . أعطاه الراعي رغيفاً وتبغاً ، وتابع طريقه محذّراً إياه بعدم دخول ألمخيّم . أشعل سيجارة وراح يراقب جلبة ألخراف حتى صارت نقطة غبار في آخر الطريق . داس عقب سيجارته بقسوة ، وعاد الى مقبرته بصمت .
لم يستسغ طعم الرغيف ، فأكتفى بجرعة ماء وراح يدخن وهو يحدّق في الليل الذي نثر نجومه بسخاء . رأى في دخيلته أن لا مكان له في هذا ألعالم . فقرر الرحيل حالما تسنح له ألفرصة . تذكّر حبيبته نجمة وراح يكابد شوقه اليها . تملّكته الرغبة بأن يراها بأي ثمن ، فعُميت بصيرته ، وتسلل تحت جنح الظلام الى ألمخيّم .
كان الليل يغطي بمعطفه الثقيل سائر ألأشياء ، بينما كان يشع في غرفة نجمة نور عجوز ينبعث من سراج بدت زجاجته التي شابها السواد ، كغراب يجثم على رفّ من طين متفسّخ . كانت حبيبته نجمة خلف ماكينة ألخياطة تخيط فستاناً . ولدهشته ، لم تكن تبكي . أبصرها تنهض وتفرد الفستان على جسمها الخفيف كريشة ، وتروح  تتأمّله بإهتمام أمام ألمرآة التي كان يشوبها خدش كبير . أصدر صفيراً للفّت إنتباهها . لكنها لسوء ألحظ ، لم تنتبه ، بل أطفأت السراج وإختفت في ألعتمة كشبح خائب . إنتابه ألأسى ، وطفرت من عينه دمعة وهو يغادر المكان .
في ألخارج ، لم يسعفه الظلام . كان الدرك يطوقّونه . تنهّد بوهن ، ورفع يديه مستسلماً .
ابرهيم موعد
كاتب فلسطيني
تشرين الثاني  2014

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً