نويل خرمان.. صوت فلسطيني حالم ويتجلى

+ = -

 

يمكن وصف صوت نويل خرمان بكلماتها الخاصة «حالم ويتجلى» التي صاغتها بنفسها وتشدو بها في إحدى أغانيها، فهي تكتب وتعبر عن المعاني التي تغازل خيالها وما يشغل عقلها من أفكار، باللغة العربية الفصيحة واللهجة العامية واللغة الإنكليزية، وتعد الكتابة واحدة من المواهب المتفرقة بين مناحي النفس أو المجتمعة فيها، حيث توجد أيضاً موهبة التلحين والتعبير بالموسيقى، إلى جانب المنحة الأكبر، الصوت الذي يروق المستمع بوداعته وهدوئه، وتلك النضارة المشرقة التي تفيض بالعذوبة.
هذا الصوت يلمس القلب برفق لكن أثره لا يمضي، ومنذ اللحظة الأولى لا يتردد المستمع في قبوله، ولا يشك في سلامته وجماله، ويجد في حناياه ما يشجي، ثم يكتشف بعد ذلك التنغيم الحلو ونعومة اللفظ وترقرق الحروف، وصبا الجمال الذي أنضجه الحزن مبكراً، لكنه لا يزال محتفظاً ببراءة الطفولة النقية، وكم يشبه جمال صوت نويل جمال وجهها، وتتوافق النغمات مع القسمات، فمن يطالعها وهي تغني يشعر بمدى الانسجام بينهما.
تعمل المغنية الفلسطينية الشابة على تعميق تجربتها الفنية، التي لا تزال في مراحلها الأولى، وبناء مشروعها الغنائي الخاص، الذي لم يكتمل بعد، وتنفتح بصوتها على الموسيقى العربية والأجنبية، وتمنحه حرية الانطلاق نحو ألوان متعددة من الأداء، ومن خلالها يمكن الاستماع إلى أنواع غنائية مختلفة بأكثر من لغة، كالإنكليزية والفرنسية والإسبانية، وقد يكون قليلاً أو نادراً إجادة الغناء بكل هذه اللغات كما تفعل نويل، ما عدا نجوم الأوبرا بالطبع الذين يتدربون على ذلك بشكل احترافي، وبهذا تتفرد نويل إلى حد بعيد، وهي طراز وحدها بشكل عام، سواء في الغناء العربي أو الأجنبي، أو إعادة أداء بعض الأعمال لمن سبقوها أو المعاصرين لها، وكذلك في إبداع أغنياتها الخاصة، التي لها الأهمية الأكبر في إظهار جوانب الموهبة كافة، والتعبير عن ما يدور في داخلها وما تريد أن تقوله، قد تتيح الأغنيات الأخرى والقديمة منها خصوصاً، استخدام الكثير من تقنيات الغناء، وعرض جماليات الصوت والانفعال بالمعاني الشعورية، لكن المرء يتطلع باهتمام إلى ما تنتجه هي من أعمال وأغنيات تبدعها وإن كانت قليلة، لأنها الاتصال المباشر بهذه الروح الفنية رقيقة الحس.
ومن هذه الأعمال الخاصة أغنية Home التي كتبتها نويل ولحنها الموسيقي الفلسطيني فيليب هلون، وهي أغنية رائعة حقاً، فلا يتذكر المرء أنه استمع من قبل إلى اللغة الإنكليزية والعربية الفصيحة واللهجة العامية في أغنية واحدة، وأن يكون ذلك على سبيل الجد لا التهريج، وبهذا الارتباط والتماسك والتكامل أيضاً، والانتقال الناعم من لغة إلى أخرى، حيث يتبدل اللفظ والتنغيم، وتتجاوب الموسيقى مع كل هذا، بلا انتقالات عنيفة، فتبدأ الأغنية باللغة الإنكليزية حيث تغني نويل بمصاحبة الغيتار، وعندما تبدأ في الغناء بالعربية قائلة «يسترسل فحوى عيونك حالم ويتجلى» تصير الموسيقى أكثر ثراء وغنية بالإيقاع، لكن دون ان يتحول الأمر إلى موسيقى شرقية خالصة، حتى إن بدت كذلك في الجزء الخاص باللهجة العامية المتكرر في الأغنية «ودق يا قلبي بسحر هواك» فيشعر المستمع بأن الأغنية قد تنفلت راقصة لكن ذلك لا يحدث، ولا تتردد نويل في أن تمنح الغناء الإنكليزي لمسة عربية تزيده جمالاً، مع احتفاظها بقوة النطق واللكنة بالطبع، لكنها تمنحه الإحساس العربي الذي يضفي عليه طلاوة ويقربه إلى المستمع الذي لا يهوى الاستماع إلى الغناء الأجنبي، وجميل هو إحساس نويل في غناء المقاطع كافة على اختلافها، وتعبيرها عن التوق والتلهف وهي تطلق أسئلتها التي ليس لها جواب.

أما أغنية مرات فهي من كلمات وألحان نويل، كتبتها باللهجة العامية وألفت لها موسيقى حزينة، وتضمن الغناء بعض الآهات، ويتوقف المستمع أمام هذه الأغنية وكلماتها الحقيقية المركزة، التي تلخص الكثير من الآلام في هذه الحياة، التي لم تختبرها بعد فتاة في مثل سن نويل بالقدر الكافي لتصل إلى هذه الحقائق، وهنا أيضاً تطلق نويل أسئلتها «بفكر لأعرف السر، كيف الاشيا راح تنحل، والقدر علينا ما يضل يقسى» وتغنيها بصوت هادئ فيه من الشجن والحزن ما يعبر عن معاني كلمات تستطيع أن تجد مكانها في النفوس، ومن أجمل هذه الكلمات وربما أصعبها تحقيقاً «مرات ما فينا نجادل، نتعلم نترك وما نكابر، مرات نتقبل الصورة، الله راسمها من جذورها، ومرات نجرب نكمل، نتكل عالدنيا ونأمن».
ومن كلماتها وألحانها أيضاً تغني نويل «مش كفاية» وهي أغنية عاطفية ذات لحن جميل يعلق في ذهن المستمع، ويظل دائراً في عقله حتى بعد الانتهاء من سماعها، أما الكلمات فكتبتها نويل باللهجة العامية، التي تستطيع أن تعبر من خلالها عن أفكارها ومشاعرها بعمق ورقي وحكمة بسيطة صادقة، ومن أجمل مقاطع هذه الأغنية عندما تقول: «الجرح دا عابر وأنا قد الانتظار، تنقلب نظرتي وتتغير عاللي صار، وبتبقى الذكرى تنذكر بس باختصار».
أما أغنية غمض عينك فتغنيها نويل وهي تتحرق أسى، وقد كتبت هذه الأغنية بالإنكليزية واللهجة العامية، وتم تصويرها بطريقة جديدة ومؤثرة، رغم أنها قصيرة ومختصرة، حيث تنعكس على وجه نويل، أو نرى من خلاله وفي الخلفية أيضاً، لمحات من جرائم الاحتلال الإسرائيلي، ولحظات القتل وموت الأطفال والعمارات السكنية المتهاوية، ويبدأ الغناء بالإنكليزية مصحوباً بترجمة للكلمات بالعامية، وعندما تغني بالعامية تظهر الترجمة الإنكليزية، لكن الجزء المكتوب أصلاً بالعامية هو الأقوى من ناحية المعنى والأثر والعاطفة الصوتية والصورة المتخيلة، حيث تقول: «اعطيني أيدك حطها بأيدي رايحين لأماكن بعيدة، بدي أحكيلك إني بحبك كتير، غمض عينك ما تفتحها راح يكون أهون لك وقتها، ما راح تفهم شو اللي عم بيصير» تغني نويل هذا المقطع لمرة واحدة فقط ولا تكرره، ثم تُرى صورة محمود درويش ويُسمع صوته وهو يلقي بعض أبياته التي قد تكون الأقرب إلى قلب المغنية حتى ضمتها إلى أغنيتها الصادقة.
وإلى جانب أغنياتها الأصلية تعيد نويل غناء بعض الأعمال لفنانين آخرين، وتختار أغنية عربية لتمزجها مع أغنية أجنبية، وتصنع منهما تجارب فنية جميلة جديرة بالسماع، فتغني مثلاً كيفك إنت لفيروز مع هاللو لأديل، وأخيراً قالها مع ديسباسيتو، وتتميز أيضاً في الغناء الروحي بأداء الترانيم أو أغنيات المناسبات الدينية كطفل المغارة ويا نبع المحبة، أما الغناء للوطن فلا يوجد أجمل من نشيد موطني بصوت نويل التي تعيد غناء هذه القطعة الفنية الرفيعة والعتيقة، التي يعود تاريخها إلى الثلاثينيات، وهي قصيدة كتبها إبراهيم طوقان ولحن ألفه محمد فليفل، وقد يكون هذا النشيد من أصدق الأناشيد الوطنية على الإطلاق، بالرجاء المخلص ووصف الألم الواقعي بعيداً عن الإنكار والفخر الزائف والعاطفة المصطنعة، حتى تمجيد الوطن في هذا النشيد ووصف جماله وسحره ومعناه الوجداني، هو تمجيد حقيقي ووصف يخلو من أي مبالغة، وبصوتها الرقيق توصل نويل كل هذه المشاعر إلى أعماق المستمع الذي من الطبيعي جداً أن يشعر بأن هذا النشيد نشيده وإن لم يكن فلسطينياً.

القدس العربي

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً