افتتان البوهيمية (Bohemian Rhapsody*) / ابراهيم موعد

+ = -
ابراهيم موعد
أكان ما عشته واقعاً حقاً ، أم أن ألأمر برمته محض خيال ؟ محتجزاً بين شتات نفسي ، حيث لا مهرب من واقعي ألمرير ، سمعت هاتفاً يقول : إفتح عينيك ، وانظر الى السماء ، فترى . وفعلاً فعلت ، وأبصرت وجه أمي كوجه مريم ، يسطع كشمس إستطاعت أشعّتها ألباهرة التملّص من براثن ألكون كتملّص إمرأة من ذراعيّ مسخ . إنتابني سرور عارم وأنا أنعم النظر في وجه أمي قبل أن يجتاحني حزن شديد أعادني الى واقعي الثقيل . حدث ذلك ، لدى زوال مفعول ألمخدّر الذي كان ذات يوم ، بمثابة فطوري . أيقنت أني مجرّد فتى ذليل لم أنشد يوماً عطف أحد . بدوت سهل ألإنقياد ، آتٍ بسهولة ، وذاهبٍ بسهولة ، كبندول ساعة يتحرك جيئة وإياباً برتابة هائلة لتحديد ألوقت ، بينما الوقت يجري ويجري ، ولا أحد يملك سلطة إيقافه . قد أسعد قليلاً ، وقد أحزن قليلاً ، لا فرق . كيفما تهّب الريح ، بأية طريقة ، أو بأي إتجاه ؟ أيضاً ، لا فرق . بالنسبة لي ، لا شيء مهم  .
لكن ، أواهٍ يا أمي ، شيء واحد فقط ينغّص عليّ . لسوء حظي أو لحسنه ، لا أدري بالضبط . لقد قتلت شخصاً للتوّ . صوّبت مسدسي الى رأسه ، وبكل بساطة ، ضغطت على الزناد . هو ميت ألأن ، ولكنني أجهل من هو ألقتيل ؟ هل كان شخصاً حقيقياً ، أم إفتراضياً ، أم كنت أنا ألقتيل ؟ ألغريب في ألأمر ، أن جثة القتيل إختفت ، بل أقسم أنه لم يكن هنالك جثّة ، ألبتة .
ها هم يا أمي ، يطاردونني بقسوة ، كفرقة أشباح أحسّها ، ولا أراها . ها أنذا ، أسمع نباح كلابهم ، وأزيز رصاصهم يطير فوق رأسي . وأثناء هروبي ، أيقنت أن حياتي بدأتْ للتو . وجدتني يا أمي ،  ويا لشقائي ، مضطّراً الى الرحيل ، مخلّفاً ورائي وبلا أسف ، حياتي السابقة التافهة والبغيضة .
أه ٍ يا أمي ، لم أقصد أن أجلب لك ألمتاعب قط . فأرجو أن تكفّي عن البكاء من أجلي . حتى لو لم أعدّ الى حضنك غداً ، أرجو أن تتقبّلي ذلك ، وتواصلي حياتك كأن شيئاً لم يكن . فكما قلت لك من قبل ، لا شيء مهم .
يبدو لي يا أمي ، أن عذاباتي حان وقتها ألآن . ها هي الرعشات اللعينة التي ورثتها عن أبي ، تسري في أسفل عمودي الفقري كمرض عضال . وها هو جسمي الذي نسجه غبار ألكون ، يؤلمني طوال الوقت . ليس لي إلّا أن أقول للجميع ، وداعاً . يجب أن أذهب . سأدعكم خلفي جميعاً ، ولا بد لي من مواجهة الحقيقة .
أواهٍ يا أمي ، (كيفما تجري الريح ) لا أريد أن أموت . وددتُ غالباً ، لو أني لم أُولد أصلاً . ها أنذا ، أعدو في طريق تتلوّى أمامي كأفعى عملاقة تنفث سموماً تفسد عليّ أنفاس براءتي التي خسرتها منذ أمد . فأكاد يا لبؤسي ، أختنق .
من بعيد ، أشّتم رائحة خيال ضئيل حالما أتلمّسه ، يقدّم لي نفسه على شاكلة رجل غريب ألأطوار أسمه سكاراموش . يسألني الرجل بتهذيب بالغ : هلّا يا عزيزي ، نؤدي رقصة الفاندنكو ؟ لكن ، يا هذا ، قلت للشبح :  الصواعق والبروق من حولي تخيفني جداً . ولأجل ذلك ، أجدني أتمتم بغاليليو (اسم يُطلق على المسيح ) مخلّصي ألقديم خمس مرات ، وأهذر بأسماء مبهمة مثل فيكارو ، ومانفيكو . ووو … وأعيد تكرار لازمتي بأني مجرد فتى مسكين لا يحبني أحد .
مكثت حوالى ست دقائق ، أكرر تلك اللازمة ، وكان ألجمهور يهتف ويصفّق لي بحرارة ، حتى نالت مني الشرطة أخيراً . لم يصغِ أحد لتوسلاتي ، الى أن سمعت أصواتاً خفيّة تؤازرني بسخط عارم : هو مجرد فتى مسكين ، ينتمي لعائلة فقيرة . دعوه وشأنه ، وجنّبوه كل هذه البشاعة . إنه يأتي بسهولة ، ويذهب بسهولة ، فهلّا أطلقتم سراحه ؟
في مقر الشرطة ، لم يسألني أحد عن أسمي أو تهمتي . ثم زُجّ بي في زنزانة قذرة مكتظّة بسجناء بائسين يأكلهم القمل وألإحباط ، رغم أن بعضهم كان من وجهة نظري ، في مصاف الرسل . هنالك ، صادقت الفتى الذي راودته التي هو في بيتها عن نفسه ، فلم يصبُ إليها ، لئلا يرتكب ألخطيئة ، فيقضي حياته يصارع أحابيل التوبة . وسعدت عندما أفتاني بأنه كيفما جرت الريح ، فلن تأكل الطير من رأسي . كان عكس ذاك الشيخ ألمتعجرف الذي كان يلهو بربه ، حيث كان تارة ، يخرجه من جيبه ، وتارة أخرى ، يخفيه تحت عمامته ، أثناء حثّه لنا على التوبة نصوحاً ، للظفر طبعاً ، بجنّات النعيم . وذات مرّة ، أشار بأصبعه إليّ وقال بصوت هادر كالرعد : أمّا هذا فلا . فهلّا جلبتم لي رأسه على طبق من ألأرّز ؟ فإرتعدت فرائصي ، وبتُّ منذ ذلك ألحين ، أتحسّس عنقي صبحاً ومساءً .
وفي صبيحة يوم مكفهّر سيق بي الى الساحة العامّة ، حيث مثلت أمام حشود وقضاة وشيوخ . وبغتة ، إنبثق صوت ضعيف يقول : دعوا الفتى وشأنه . وسرعان ما إرتفعت وتيرة الصوت ، وإنفجر كالموج الهادر : أطلقوا سراح الفتى .
لكن كبير القضاة أو الشيوخ ، جابه الجموع بالرفض . فتح فاه مثل تنين ينفخ ناراً ، وقال بصلافة : بسم الله . لا ، لن نطلق سراحه .
هنا ، تذكّرت أبي يوم أشعل ناراً للتعّبد ، فأتت النار على كل البيت ، وبتنا في العراء لبضع سنين . أعاد كبيرهم الكرّة ، وزعق في وجهي :  بسم الله ، لن ندعك تذهب .
وحين جاء دوري للدفاع عن نفسي ، توزّع نظري بين الحشود وهيئة المحلّفين . ولم ألبث أن ركزّت عينيّ على كبيرهم وقلت : أرجوكم ، دعوني أذهب . أنا لم أقتل أحداً . وإذا كان هنالك ثمة قتيل ، فإنه بكل تأكيد ، أنا ، وإلّا أين جثة الشخص الذي أرديته ؟ أردت في ألحقيقة ، أن أغيّر نمط حياتي ، أن أبدّل جلدي ، أن أغيّر أسمي . فأية جريمة في ذلك ؟ وختمت : من فضلكم ، دعوني أحيا حياتي كما أشتهي . رددتْ الجوقة كما ألقاضي : لا ، لن ندعك تذهب .
كررتُ : دعوني اذهب .
أكّدوا : كلا . لن ندعك تذهب .
توسّلت بعينين دامعتين : دعوني أذهب .
وكلازمة لأغنية مبتذلة ، صرخوا : لا . لا . لا .
هنا ، لمحتك يا أمي بين الحشود . كان وجهك عابساً وغاضباً غابت عنه تعابير السيدة مريم . سمعتك تطالبين برأسي وتقولين : خلّصوني من هذا الفتى العّاق .
زاد رعبي وتوسّلت إليك : أواهٍ ،  يا أمي ، بربك ، دعيني أذهب . حتى الشيطان بعلزبول بعدما يئس من غوايتي ، أبعد شيطانه عني . ثم نظرت بإحتقار الى كبير هيئة ألمحلّفين وصرخت في وجهه : أتعتقد أنه إذا رجمتني  ، أو بصقت في عينيّ ، تكون بذلك تطهّرني ؟ أتعتقد أنك بذلك تريحني وأنت تسلّم رقبتي لحبل ألموت . أه ، يا عزيزي ، ليس في وسعك أن تفعل هذا بي . فلتخرج من هنا فحسب . فقط أريد الذهاب . أواهٍ، أجل ، لا شيء يهم مطلقاً . اي شخص يستطيع أن يرى . لا شيء مهم ، لا شيء مهم بالنسبة لي . بأي طريقة تأتي الريح ، وكيف تهب ، واين تذهب ؟ لا يهمني ذلك ، ألبتة .
بيد أنه لم يكن هنالك أدنى إستجابة لي ، حيث تفرّقت الجموع ، وواصلت الريح عواءها بلا هوادة .
فغرت فاهي مستسلماً ، وتمتمت : حقاً ، لا شيء مهم .
ابراهيم موعد
تمّوز 2018
*هذا النص مستوحى بتصرّف من أغنية Bohemian Rhapsody للفريق البريطاني Queen ، الذي أُشتهر في سبعينيّات القرن العشرين .

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً