أحدث الأخبار

 تغريبة سعيد الشيخ السويدية / ابرهيم موعد

+ = -
ابرهيم موعد

من صديقنا العزيز سعيد الشيخ المقيم في السويد ، الذي فقدنا أثره لأكثر من ثلاثين عاماً ، وصلتنا هدية قيّمة هي عبارة عن رواية من تأليفه تحمل عنوان تغريبة حارس المخيّم . وتحوي الرواية مقدمة واربعة فصول وخاتمة ،وهي بمجملها تتناول عيش الراوي يوسف في السويد التي لجأ اليها قسراً على أثر مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 . ويبدو أن تيه اللجوء نمط متأصل في حياة الفلسطيني الفرد الوحيد في هذا الكون الذي ليس له وطن .

اللافت في هذه الرواية أن المؤلف نجح في مزج السياسي المباشر مع أحداث الرواية الواقعية والمتخيّلة على حد سواء ، من دون أن يعاني  القارئ (أقلّه كاتب هذه السطور) من جفاف السرد . يفرد الكاتب الفصل ألأول لمجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها القوى الانعزالية بحماية اسرائيلية في منتصف ايلول وعلى مدار ثلاثة أيام ، بحق سكّان المخيميّن من فلسطينيين ولبنانيين حيث بلغت حصيلة الشهداء نحو 3500 شخصاً . أطفال ورجال من شيوخ وشبان قضوا بالرصاص والبلطات ، ونساء أُغتصبن وقتلن بوحشية يندى لها جبين ألإنسانية . ومع ذلك ، لا تزال تجد هنا في هذا البلد العجيب من يحدّثك بلا حرج ، عن فضائل القوى الانعزالية وتضحياتها ! يرصد الرواي هذه الوحشية بتفاصيل صادمة، من خلال ثقب في لوح زينكو ، على مسافة أنفاس من موت كان على وشك أن ينقضّ عليه . ولعمق السرد وأدق تفاصيله ، تشعر أن ألمؤلف كان هنالك بكل جوارحه ، في قلب المجزرة. إزاء هذه الفظاعة، لا يجد الراوي يوسف وزوجته أمينة مناصاً سوى اللجوء الى السويد مصطحبين إبنهما عمر والرضيعة بالتبنّي زهرة التي انتزعاها من حضن أمّها ، إحدى ضحايا ألمجزرة.

في الفصول التالية يتحدث الراوي عن حياته في السويد ،ولا تفوته عذابات وآلام شعبه في البلاد العربية، فيرصد حرب المخيّمات بين حركة أمل والفلسطينيين بحجة الحد من النفوذ العرفاتي . ويرصد أيضاً ، أبرز الأحداث اللتي تمر بها القضية الفلسطينية كانتفاضة  1987، واتفاق أوسلو 1993، الذي منح الفلسطينيين دولة وهمية ، حيث عاد القادة يا للغرابة ، الى فلسطين من دون الشعب ، مقابل الاعتراف المجاني بحق إسرائيل في الوجود .

في الواقع، ينتقل الراوي من غربة الى أخرى، من غربة الجحيم الى غربة الجنة من غير  ان يحوز على الإستقرار السياسي و الإجتماعي رغم اريحية العيش في المنفى . هنالك تكبر عائلته ، ويعاني بعض أفرادها من إختلاف ألقيم وألعادات بين عالمين. وأقسى ما يتعرّض له يوسف، ادعاء ابنته منى التي تشربت القيم السويدية عليه لأنه صفعها. وهذا الإدعاء بنظرنا قاسٍ ومجحف ترك في نفس الراوي جرحاً بليغاً لا يلتئم. وألمفارقة، أن ألإبناء من صلبك يكونون أحياناً قساة عليك، بينما ألإبناء بالتبنّي يكونون رحماء بك . لو أن هذا الحادث وقع لي ، فأني لن أسامح قط . أما طامته الثانية ، فكانت التحاق ابنه بلال بالجماعات المتطرفة التي أشعلت ثورات الخريف ألعربي.

كما يتحدث الراوي عن زيارته لفلسطين كسائح اجنبي وليس كمواطن شرعي في هذه البلاد . وما يُفرح هنا ، أن الراوي أثار حنينا الى بلاد كان يجب أن نكون من مواليدها . كما ألمفرح أيضاً ، حفل زواج ابنه عمر. ما هذا البذخ يا سعيد؟ مناسف بالمكسرات، وعشرة خراف مشوية؟ هذا ما يجعلنا نفكر بالحجر عليك ، لولا تلك المسحة التفاؤلية التي أنهيت بها روايتك ، والتي تشي حتماً ، بأننا الى فلسطين سنعود.

هذا ليس نقداً أدبياً ، بقدر ما هو إنطباع . وعلى ما يبدو بحسب تشيكوف ، فإن الإنطباع الفردي برأيّنا ، يفوق كل ألأوصاف .

ابراهيم موعد/ كاتب فلسطيني

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً