مسار التاريخ بدون نهاية حتمية / أحمد شحيمط

+ = -

أحمد شحيمط

مسار التاريخ بدون نهايات قطعية سوى ما يرسمه التاريخ لنفسه من غايات تستدعي أدوات ومجموعة من الشروط الموضوعية والمادية في عملية الانتقال العسيرة نحو الممكن، مسار متصل ومنفصل، تراكمات الماضي وتلك الإضافة النوعية في التجديد، حصيلة النتائج الممكنة في مجال العلم والتقدم التقني، قطعية التطور مهمة للنوع البشري في السيطرة على الطبيعة، والتقليل من الصراعات، تتقدم المجتمعات نحو الأمام، وتقاس عجلة التاريخ بمقياس المعرفة العلمية والفلسفية، وتلك التغيرات التي تصيب العقليات، وينتج عنها عالم بديل، تلك القطائع في المجال المعرفي، وما يتعلق ببنية المجتمع من خلال عوامل داخلية، ومختلف التفاعلات بين مكونات المجتمع، التي تساهم في تحريك الجمود، وحل الأزمات المستفحلة، وبالتالي التقليل من الحاجة عند السيطرة على الموارد وترشيدها، زحزحة البنيات الثابتة نحو آفاق أرحب للتغيير، الذي لا يستند على ترسبات الوقائع التاريخية، بل التقدم كذلك مبني على طفرات وقفزات من الداخل بعيدا عن التاريخ المتصل . منطق التاريخ يعني السير نحو الأمام للتقدم والتغير، أحداث عرضية تصنع العالم، وأخرى جوهرية تساهم في تغيير الحياة عندما يلتف الإنسان الذكي والفاعل في الإمساك الجيد بالأهداف ومعرفة الغايات، هنا تلتقي غايات التاريخ مع نوايا الإنسان كما قال هيجل للدفع بالحرية نحو التحقق، هنا يتحرك التاريخ نحو الأمام وتخطو البشرية مسارات مهمة في التغيير، الذي يعتبر من سنن الكون، فلا شيء في العالم ثابت، كل الأشياء تتغير وتتبدل، إنها الصيرورة التي عبر عنها بعض الفلاسفة، انتقال وجدل يصيب الأفكار، وصراع ينتهي نحو أفق مغاير يرسم فيه الإنسان الأمل في انبثاق حياة جديرة بالعيش الكريم، بعيدا عن الاستعباد والقهر .

قانون التطور التاريخي لا يعترف بالاكتمال أو النهايات الحتمية، زمن الأفول والظهور هو ما يميز الحياة، لا بد من النشأة والتطور والتقهقر على خطى ابن خلدون، ملامح المجتمعات وسر تفوقها في طبيعة العمران البشري، الحضارة هنا نقيض للبداوة، والتأنس ضد التوحش والخشونة، انطفاء في الروح أو وهج في العبور بالأمم نحو الرقي، روح الأمم تهفو نحو التغيير للأفضل، لذلك حاولت أقلام في مجال الفلسفة والقانون والاقتصاد تشكيل آراء ونظريات للبحث عن النماذج الممكنة للعبور بالتجارب الإنسانية للمستوى المرغوب، نماذج مثالية وأخرى مبنية على قراءة جدلية بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والمجتمع، تلك الروح الراغبة في الحرية والتحرر من نير الاستبداد والتفرد في السلطة، فلا يعيد التاريخ نفسه بالكيفيات المطابقة، لكن صيرورة الحياة تقتضي الانتقال بكيفيات مختلفة، من مرحلة لأخرى، مراحل تطور البشرية على خطى فلسفة التاريخ عند هيجل، بداية البشرية في غياب القانون وهيمنة الحرية المطلقة، ثم مرحلة فرض السلطة القهرية بقوة السلاح والإرغام، وأخيرا بلورة القانون الوضعي وسيادة القيم العقلانية . مسارات لا تنتهي في النموذج المعين، أو تنتهي النماذج نحو صعود طبقة معينة وانتهاء مرحلة من أنماط الإنتاج، وإحلال أخرى باليات جديدة، ليست النهاية هنا حتمية، هناك فكرة التجاوز والتجلي، الفتور والتوهج، سيكون التاريخ مبنيا على رؤية سكونية وليس رؤية تطورية دينامية، ابن خلدون الذي جال في التاريخ الخاص بالأمم والأمصار، أدرك منطق التاريخ، وقدم رؤية منهجية للتأريخ والتحري في نقل الأخبار وتتبعها، التمس من الوقائع التاريخية غايات التاريخ وأسرار قيام الأمم ونهايتها .

منطق التاريخ يسير بخطى حثيثة نحو التقدم، ما يصيب الحضارات عند اختلال التوازن بين المنطق الروحي والمادي في حالة تلاشي العمران، وهيمنة روح البداوة والغلبة والتسلط، أيام الدول معدودة، وعمر الحضارات يخفيه المنطق الخفي للتاريخ، وما يشاع في خطاب النهايات، من قبيل نهاية التاريخ في نموذج الديمقراطية الليبرالية وقيم الحرية، وبالذات في مزايا النظام الرأسمالي، كما يُنظر له “فوكومايا” و”صمويل هنتغتون”، وكل المدافعين عن المجتمع المفتوح وأفضل الأنظمة، لا بد أن يصيبهم شيء من الخوف على النموذج المهيمن، نجدهم يلتمسون ما هو تاريخي ومستقبلي في اكتمال النموذج الذي يشيع الرخاء، ويقلل من الاحتقان الطبقي، ويرسي دعائم الرفاهية في عالم منفتح ومتعدد قائم على المواطنة وفلسفة حقوق الإنسان والمنافسة الشريفة، بغض النظر عن السياسة الأمريكية الميالة للقوة واحتواء الأمم الصاعدة المخالفة في الايديولوجيا، سياسة تسويق الليبرالية، وعولمة النموذج المكتمل في العالم غالبا ما يكون مقبولا في مستويات معينة دون الأخذ الكلي بكل مضامينها، يصنع الإنسان التاريخ، ومنحى التطور في انتقال من حضارة لأخرى . فمن مرحلة ما أو نمط إنتاج معين نحو مرحلة بديلة بفكر مغاير، عندما يستحيل التطابق والتوافق بين البنية التحتية والبنية الفوقية، عندما تصير الأوضاع العامة داخل مجتمع ما تستدعي الصراع الطبقي، وبالتالي يتحقق التغيير في الفكر الماركسي بطريقة قطعية . ينتهي الصراع بصعود القوى العمالية ونهاية الرأسمالية وإزالة الملكية الخاصة . فالنهاية هنا قطعية في الفكر الماركسي لأنه فكر قائم على نظرية تنبؤية للمستقبل البعيد، أفكار تعكس أحلام الإنسان في بناء عالم بدون طبقات .

لا توجد هناك استمرارية حتمية، ولا تعني كذلك السقوط النهائي، حضارات عريقة عاشت في سبات عميق وعادت من جديد، وأخرى نهضت من رماد، بعضها صمد والآخر تلاشى من الوجود، وأخرى لازالت تقاوم عوامل الزمن. فالصعود والنزول مبني على عوامل أهمها الاستجابة والتحدي، الانحلال والوحدة، أو بفعل الكوارث الطبيعية تنهض الحضارات ويختفي بريقها، هكذا فإن عامل الزمن كفيل بإظهار قوة الإنسان في تغيير التاريخ، فما يطرحه الفكر الغربي الليبرالي عن نهاية التاريخ يعتبر طرحا فلسفيا وسياسيا مغلفا بالرغبة الجامحة لاستمرار القيم الرأسمالية التي جاءت بفعل الإصلاح الديني، وظهور المذهب البروتستانتي في تفسير السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر، عولمة النموذج المثالي في الفعل والسلوك لأنه النموذج العقلاني المناسب لإقامة مجتمعات ديمقراطية بعيدا عن النماذج المغلقة، من شيوعية وتيارات دينية وقومية، الفعل الهادف مصدره قيم الحرية، والدولة الناشئة فكرة موجودة في العرف والقيم، ذاتية التكوين وموضوعية البناء، تنزيها استلزم الإرادة الكلية، ورغبة الجماعة في الحفاظ على الحق الطبيعي والحقوق المدنية، رواسب من التفكير الفلسفي والسوسيولوجي عن التطور الذي يصيب الروح والوعي، وعن الفكر النابع من القيم البروتستانتية، حيث تكتمل الرؤى في تحقيق الديمقراطية والعقلانية بدون مسار حتمي ونهائي غير ما تهدف إليه الدولة في تذويب التناقضات، وتفعيل القوانين للزيادة في وظيفتها للحماية والضبط .

لا توجد بدائل حتمية ونهائية، صيرورة التاريخ تعني البحث عن النموذج العقلاني، والسعي إلى تطويره وتجديده، وليس الإجهاز عليه. فالليبرالية كفلسفة في الحكم تصارع الأنظمة الشمولية، والحكم العسكري، وكل أشكال الحكم المطلق، وتعلن عن نهاية الأيديولوجية الشمولية والقبضة الحديدية، نهاية التاريخ واكتماله تعني بالأساس انتصار القيم الليبرالية الأحادية، وتعميم الديمقراطية، والنظر بعيدا من أجل وحدة العالم في نمط واحد . فالحتمية التاريخية الخاصة بماركس، تعني سقوط البورجوازية، وصعود القوى العمالية، ونهاية نمط الإنتاج الرأسمالي، الحتمية التاريخية مبنية على قراءة مادية للتاريخ، فكرة الحرية والتحرر من الاغتراب والاستلاب، شروط موضوعية تفضي للنهاية القطعية للرأسمالية، نهاية الرأسمالية كامنة وظاهرة في اختلال التوازن بين الطبقة البورجوازية والطبقة العمالية، مرحلة مهمة للعبور نحو النهاية المرغوبة في اختفاء الطبقات، لإعادة توزيع الثروة مناصفة بين الكل. ينتهي نمط الإنتاج الرأسمالي بانتصار العمال، والنهاية تعني حاجة المجتمعات الإنسانية إلى نظام عادل يعيد الاعتبار للإنسان وينتشله من الرتابة، إنها الشيوعية، النمط المثالي حسب ماركس التي تبشر الناس بالرخاء الاقتصادي والمساواة، واختفاء الملكية الخاصة، نهاية قطعية في محو البؤس والقضاء على الفوارق، تفكير طوباوي أو قراءة علمية للممكن في عالم ينفلت من التحليل والفهم .

تتوخى النظريات الدقة والشمولية في قراءة علمية للواقع وللمراحل التاريخية، فكل النظريات المتعلقة بالمستقبل غالبا ما تكون براقة تخترق الوجدان والوعي، النظرية الماركسية مغلفة بالجدل والقراءة المادية للتاريخ، وتتبع مسار التطور التاريخي. تنطلق الماركسية من حتمية الصراع الطبقي، يُنتج الجدل الفكرة ونقيضها، وغالبا ما يفرز النتائج القطعية في نهاية الاستغلال والتبشير بالمجتمع الواحد المهيمن على الخيرات، سيطرة الإنسان على نفسه وبيئته بفعل ما يمتلك من قدرات وخبرات في العمل والتخطيط. فالعالم الذي يوضع في قالب نظري خالص غالبا ما تنفلت التنبؤات من صيرورة التاريخ ومنطقه الخاص، يجري القول دائما أن الأفكار الواعية التي يمتلكها الإنسان فعالة في تبدل أحوال المجتمعات، وننسى أن التاريخ محدد بالغايات دون نهاية حتمية .

لا يدري الناس الزمن الذي تتغير فيه الأحداث، التغير نتاج للظروف المادية التي تصنع الأحداث. فالفرد بقدر ما يمتلك من حرية وإرادة يلتف على الظروف، يصبح أحيانا أداة في الفعل رغم إدراكه بالوعي للشروط المادية المناسبة للتغيير، إنه مجرد أداة محركة للوقائع، يختفي بمجرد تطور عجلة التاريخ، ويدخل في خانة الأرشيف، كما يبقى كذلك ملهما للقوى الراغبة في التغيير، أبطال من العالم القديم والحديث والمعاصر، أولئك الذين عاشوا الصراع، وأثبتوا للعالم قدرتهم وإرادتهم في التغيير، رسموا ملاحم من البطولات والمغامرات، كانت نواياهم واعية وإرادتهم قوية، نهايتهم حتمية وآثارهم باقية، وعندما نقرأ في أمجادهم، ندرك بالفعل أن الغايات كانت بالفعل متشابكة، ما يرمي إليه التاريخ من غايات، وما يرمي إليه هؤلاء من أهداف خفية معلنة، مكر التاريخ كما يسميه هيجل، قوة الفهم والإلمام بالتناقضات، شهامة وقدرة في إقناع الجماهير على الالتفاف، والسير خطوات حثيثة نحو التغيير، واستعادة الإنسان لأدواره. يأتي التغيير من الداخل أكثر من الخارج، القوى الرافضة والمناهضة للأوضاع، تثير القوى المهيمنة، والصراع المرير يفضي إلى تفاهمات وتنازلات . الصين في سباتها الطويل والصراعات المريرة التي عاشتها كقوة عريقة بتاريخها، إضافة للتدخلات الأجنبية في تاريخها الطويل كانت تجارب صعبة، حكماؤها أدركوا نهايتها بمجرد الانجرار للحروب خارج حدودها، ظلت على حالها حتى تبدلت سياستها الداخلية، وتقوت بفعل الصراعات والتناقضات الداخلية وسياسة الإصلاح، ثورتها شاملة في مجال الفكر والقيم، نهجت سياسة صارمة في الانضباط للقواعد السائدة في التدبير والتسيير، وعمل الحزب الشيوعي الصيني على التجديد والتطوير من أدائه. عندما يأتي قائد ما يضيف شيئا جديدا في الحكم، وهكذا لا يمكن القول أن المرحلة الماوية كانت لحظة نهائية في التقدم، بل مرحلة مهمة في توحيد الصين، ومعالجة مخلفات الحروب، مرحلة تطبيق الاشتراكية، انتهت إلى ميلاد أفكار جديدة تجمع بين ثقافة الانضباط والعمل، ونزوع السياسة نحو برغماتية ناجحة في الانفتاح على العالم اقتصاديا وتجاريا، أما العالم العربي، فلازال يصارع من أجل تثبيت الديمقراطية فكرا وممارسة، ترسيخ هذه القيم الجديدة لاستنباتها في البيئة العربية، ليس أمرا يسيرا ولا مستحيلا في واقع تعليمي لا ينهل من هذه القيم، لا يأخذنا التفكير نحو ماضينا لاستجلاء الحقائق التي ترسخت في الذهن. يجب تعرية الماضي للكشف عن التناقضات في عملية تشريح مهمة للذات العربية في نواقصها .

التاريخ مادة معرفية مهمة، وليس ترفا معرفيا في عملية الفهم، صدق العلامة عبد الرحمان ابن خلدون بالقول عن التاريخ أنه فن عزيز المذهب، جم الفوائد، لا يزيد ظاهره الإخبار بأحوال الأمم، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، قيمته المعرفية أخذ العبر والاستنارة بناء على القراءة المنفتحة للوقائع، وكأنها لحظة عابرة تدفعنا نحو التغيير والتجديد، أما مسألة الاكتمال فهي فكرة غير دقيقة، لأن التاريخ الإنساني يسير في خطى متصاعدة بدون نهايات حتمية . فمن يعتقد في النهاية القطعية فهو مطالب بإعادة قراءة التاريخ وتجارب الأمم، مرحلة تأتي وتتلوها مراحل بديلة للتطور، وما يشهده العالم اليوم، بداية النهاية لفكرة العولمة ولأطروحة نهاية التاريخ الذي تبلورت بانهيار جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة، حتى تبدأ مرحلة جديدة قوامها معطيات مادية، وشواهد من الاحتقان العالمي بين الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض القوى الصاعدة، ومنها الصين . ما نراه اليوم من انتشار فيروس كورونا، وحرب اللقاحات، والتهديد النووي، وتصاعد الخطر البيئي الذي يهدد الوجود البشري، هناك الزيادة في الاحتباس الحراري، وذوبان الجليد، كذلك متاعب العالم في ظاهرة الهجرة، واختلال التوازن والهوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب، بالموازاة هناك تنصل القوى الصناعية من الالتزام بالمعاهدات

والاتفاقيات الدولية، مخاطر محدقة يمكنها إغراق العالم في الفوضى والتفكك، وتنذر بالنهاية الحتمية لأحلام الناس وتطلعاتهم في عالم أفضل، من شدة الأزمات يبدأ تاريخ جديد، يولد من الكوارث والأزمات، أو يكون نتيجة دخول القوى الكبرى في حرب شرسة بأسلحة مدمرة تسفر عن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، تنتهي ريادة الغرب في قيادة العالم، وتعود الحضارة من جديد للشرق، منبعها الأول، أو ينتهي التاريخ التصاعدي والتقدم البشري في العودة خطوات للوراء، للحياة البدائية، خارج سياق الثورة العلمية والتكنولوجية. الحياة في صورتها الأولى كنهاية للعصر التقني والثورات العلمية، أي نهاية للنماذج السياسية والفكرية، نهاية لكل ما تراكم من معارف وخبرات، وتلك دروس يمكن استخلاصها في الحفاظ على الحضارة بعيدا عن الميولات والغرائز الهدامة المنسفة للوحدة والتعايش .

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً