أحدث الأخبار

الموجودات تبتسم لي / ابرهيم موعد

+ = -
ابرهيم موعد

تملّكني ذعر شديد عندما حاولت النهوض من فراشي، فلم استطع. كان ظهري يؤلمني، وحين تحسّست ساقيّ، كانتا متخدّريتن تماماً. رويداً رويداً، سرى الدم فيهما ، فاستعادتا مرونتهما.

نهضت بتثاقل، واتّجهت صوب الحمّام . بشّ الباب في وجهي، وأفسح لي الطريق كأنني ملك. جادت الحنفيّة بمائها على رأسي، فانتعشّت. استقبلت ارضيّة الرواق اقدامي الخفيفة برضى بالغ .تهيّأ المطبخ للعمل بكل سرور. قفزت ركوة القهوة الى الحنفيّة، فملأت جوفها بالماء، وتربّعت على عرش الغاز ككوز ذرة. سمحت لي الكرسي بالجلوس عليها بكل ممنونيّة. فتحت الطاولة عينيها، وأسّدت لي صنيعاً بأن وضعت مرفقيّ عليها. سعت ركوة القهوة الى الفنجان، الذي ضيّفني بكرم، وجرّعني القهوة وأنا في غاية الإمتنان. ناوش السّكين قالب الزبدة ومرطبان ألمربّى، ومسح ما حمله بنعومة على قطعة الخبز. انفرجت الملعقة بكامل سعتها، واطعمتني طبق الكورن فلكس بإغتباط . مسحت الفوطة فمي، ولاذت الى مكانها المعتاد.

في غرفة النوم، هرع قميصي اليّ. وكذلك ، فعل البنطال. ابتسمت لي ربطة العنق، فيما ربّت معطفي على كتفي بحنان.

في الخارج، رحّبت بي الطريق. شكرتها، وتبادلت الإبتسامات مع سائر الموجودات.

زهوت كثيراً في دائرة العمل، إذ تلقيّت لأناقتي، كمّاً هائلاً من الإطراءات.

عند المساء، عدت الى البيت وواجهتني مشّقة في الدخول . كان الباب متجهّماً، وتطاول عليّ . لذهولي، قابلتني أشيائي ببرود. كانت في منتهى العبوس. جهدت لأفهم ذلك، بلا جدوى. وظهر لي أن انقلاباً ما قد حدث. تمرّدت اشيائي عليّ، فصفعني الباب، ولم تسمح لي الكرسي بالجلوس. ضجّت الطاولة مني، فطارت وكادت أن تشّج رأسي. سبب لي السكين جرحاً بليغاً في كفّي، وغافلتني الشوكة، ووخزتني في مؤخّرتي . قذفتني الحنفيّة برصاص الماء، فصرخت متألماً. وظننت أن منشفتي أشفقت عليّ حين اقتربت مني لتجفيف وجهي. لكنها إلتفّت حول عنقي كأفعى، ولم يكن بيني وبين الموت سوى ثوان . التقّطت أنفاسي، فرششت غالون بنزين  في أرجاء البيت، وأشعلت النار وقفزت الى الشارع.

بتُّ بلا مأوى ، ولم أنشد شفقة أحد . بيد أن أيّامي كانت قاسيّة جداً ، حيث شهدتُ على تفكك أوصالي. زحفت الى شجرة قريبة، فأسندت ما تبقّى مني الى جذعها. غلبني النعاس ونمت.

كاتب فلسطيني

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً