أحدث الأخبار

سلام نوبل.. يقرع حرباً على الدوام  / ابرهيم موعد

+ = -
ابرهيم موعد

 إبتهج . ثمة جائزة في طريقها اليك . فلجنة نوبل على ما يبدو ، قد نظرت اليك هذا العام . فإذا كنت ملمّاً بتبييض ألأموال ، وإحتساب الضريبة على القيمة المضافة ، حتماً ، ستكون نوبل الإقتصاد من نصيبك . واذا كنت نطاسياً ماهراً تجيد الختان والفصد والحجامة (كاسات الهوا ) ، فجائزة الطب سوف تزيّن عيادتك ، وستجلب لك ملايين الزبائن من شتى ألأرجاء . واذا كنت مشعوّذاً ، قادراً على تركيب محلول يشفي مدعّي الشعر من قرض الشعر ، فجائزة الكيمياء ستكون في جيبك . واذا استطعت أن تبرهن أن الشمس تدور حول الارض ، ( هذا ينبغي التفكير به ، فنحن نقول أشرقت الشمس ، وغربت الشمس ) ، عندها ستصبح فيزيائياً مخلّداً . وتقديراً لبرهانك ، ستُحجب جائزة الفيزياء لخمسة أجيال على ألأقل . وإذا كنت ضليعاً في الشعر فترجزه على طريقة الشاعر شوقي أبي شقرا : عامود الكهرباء طويل البال ، أو محلّقاً في عالم الرواية فتميت أباك ، مكان أمّك ، ستكون البير كامو آخراً . عندها ، ستظفر بنوبل ألأدب ، وستبّز شيكسبير وأباه . مع الملاحظة ، أنت هنا ، سارق أبيض ، مقارنة بالزعماء الذين غالباً ما يسرقونك ، أو يسجنونك ، أو يهدرون دمك ، لهيئتك المزعجة ،ليس إلّا .

أمّا وأنه ليس لك كار في هذه المجالات ، لا تتجّهم ، بل إبتسم . فإيليا أبو ماضي يقول : يكفي التجهّم في السما . حافظ على إبتسامتك . فثمة جائزة تضاهي تلك السالفة الذكر . إنها نوبل للسلام ، ومن أيسر ألجوائز على ألإطلاق . يكفي أن تتفّوه بعبارات السلام والمحبة ، وأن تتسامح مع الذين يغتصبونك ، ومن ثم يدوسونك بألأقدام . يكفي أن تترنّم بأغنية Give Peace A Chance لمغنّي ألبوب الراحل جون لينون ، فتلبسك الجائزة . فقد ظفر بها من يستحق ، ومن لا يستحق . فلماذا لا تكون أنت ، طالما أن الجائزة قوامها لبّيس ، يتسع الثوب عليها أو يضيق ، وفقاً لمزاج اللجنة الموكلة بمنحها ، والأهم ، متطلّبات المرحلة ؟

من المفيد أن تتطلّع على قائمة الفائزين بنوبل للسلام . هذا ، قد يساعدك بالتعرّف على سيّر الفائزين والخصائص المميّزة التي خوّلتهم الظفر بالجائزة . ولأنك ما تزال تدين باليسارية ، فلا ريب أنك ستسخط لذهاب الجائزة عام 1950الى الامريكي رالف بينش الوسيط الدولي في الصراع العربي -الاسرائيلي الذي انحاز بوقاحة الى الجانب الاسرائيلي . وهذا السخط لازمك ايضاً ، لدى تقاسم الجائزة عام 1973، مناصفة بين هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الامريكي في عهد نيكسون ، والقائد الفيتنامي الشمالي لي دوك ثو . وما خفف عنك أن ألاخير لثوريته وحصافته ، رفض الجائزة . وعلت وتيرة سخطك (تذكّر هنا ، ما تزال في عمرك اليساري ) عام 1978 ، باقتسام مناحيم بيغن رئيس حكومة العدوّ ، وزعيم عصابات ألأراغون الصهيونية ، مع الرئيس المصري انور السادات الذي داس الحق العربي بتوقيعه اتفاقية كامب دافيد . وأبقيت على سخطك لدى ظفر زعيم حركة تضامن البولندية ليش فاونسا (صنيعة أمريكا) بالجائزة عام 1983 ، وفيلسوف نفاق المحرقة النازية الصهيوني ايلي فازيل عام 1986 . إلّا أنك ارتحت قليلاً ، ووجدت من يسرّي عنك بمنح الجائزة لميخائيل غورباتشييف عام 1990 ، اذ كنت ما تزال تحت المظلّة السوفياتية ، علماً بأن غورباتشييف كان من احد أسباب انهيار الإتحاد . ورغم فرحك بفوز المناضل الجنوب الافريقي نيلسون مانديلا بالجائزة عام 1993 ، فعلى ما يبدو ، عاودك الإحباط عام 1994، لدى تقاسم الجائزة مثالثة بين شمعون بيرز المروّج للشرق الاوسط الجديد ، واسحاق رابين الذي سعى الى سحق عظام أطفال فلسطين خلال انتفاضة عام 1987 ، وأبو عمّار الذي ضرب القضية الفلسطينية في الصميم بتوقيعه اتفاق أوسلو . ثم توالى احباطك بفوز الشيخ باراك اوباما عام 2009 مع تنويه صفيق ؛ تقديراً لجهوده في تقوية روابط السياسة العالمية والتعاون بين الشعوب ! والأكيد أنك تساءلت ساخراً : أي إعجوبة إجترحتها لجنة نوبل للسلام لرئيس رعى ثورات الربيع المخزي ، وعجز طوال فترة حكمه عن إغلاق معتقل غوانتانامو ؟ وقد يكون خطر ببالك ، أنه لو لم تُحجب الجائزة خلال الحرب العالمية الثانية ، لكانت بألتأكيد ، من نصيب هتلر وموسوليني لو كان النصر حليفهما . وقبلاً ، كنت استنكرت فوز البورمية أون سان سو تشي (1991) التي تنكّل هذه ألايام بمسلمي ميانمار كسفاحي تكساس ، وفوز المعارضة الايرانية شيرين عبادي عام 2003 ، بما في ذلك فوز  اليمنية توكل كرمان (2011) . فأي إنجازات قدّمها أولئك الفائزون في سبيل السلام ؟ لا عجب في قادم السنين ، أن تمنح لجنة نوبل جوائزها الى شخصيّات أو منظّمات تدير أعمالاً قذرة كتبييض ألأموال والإتّجار بالمخدرات والرقيق والسلاح !

عودة الى اللائحة ، ستكتشف ويا للعجب ، أن للولايات المتحدة حصة الأسد في نوبل للسلام ،  حيث بلغ عددها إثنتين وعشرين جائزة حتى الآن . ورغم أن بعض ألفائزين ليسوا بالضرورة مسؤولين عن سياسات بلادهم كالعالم لينوس باولينغ الناشط في مجال حظر تجارب السلاح النووي ، وألحائز على الجائزة عام 1962 ، فإن دولتهم العتيدة لا تدع عقداً يمرّ من دون أن تقود حرباً أو غزوة أو انقلاباً في مختلف أرجاء ألعالم . فهي من ضربت هيروشيما وناكازاكي بالسلاح النووي في ألحرب ألعالمية الثانية . كما خاضت حرب الفيليبين والكوريتين وفيتنام ، وقامت بغزو أفغانستان والعراق بناء على كذبة محاربة ألإرهاب وامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل . وكانت العقل ألمدبر للعديد من ألإنقلابات ألعسكرية ، وأبرزها إنقلاب تشيلي ألوحشي عام 1973 ، مطيحاً بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي . أضف الى ذلك ، دعمها ألمطلق لإسرائيل بإعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة أمنها ألإستراتيجي ، ناهيك بدعمها للعديد من ألأنظمة ألقمعية وألإستبدادية في العالم بما في ذلك عالمنا ألعربي ، من دون أن ننسى دعمها للحركات ألإرهابية كداعش وكان وأخواتها .

سيظهر لك ، أن السياسة بوجهها المخزي غالباً ما تلعب دوراً حاسماً في منح ألجائزة . وسيظهر لك ايضاً ، أن لأمريكا أيادٍ خفية تحرّك بها لجنة نوبل . لذا ، سيزداد احباطك ، اذ كيف يمكن ليساري مثلك ، قضى معظم عمره معادياً للغرب ، أن يفوز بنوبل ، في حين أن معظم الفائزين ينتمون عادة ، الى اليمين ؟ لا تيأس . لكل مشكلة حلّ .  تستطيع بسهولة ، الانتقال الى معسكر اليمين إن كان هذا يساعدك لنيل الجائزة . الكاتب المرموق أسعد ابو خليل في مقالته دليل اليساري الراغب في الإنتقال الى خندق التحالف السعودي -الإماراتي (الاخبار اللبنانية ، السبت 11ايلول 2021) رغم سخطه على أمثالك ، لا يعدم لك الحلّ : “لا تتردد . في البداية ، ستشعر بإرتباك . العالم اليميني الرجعي قد يبدو غريباً عنك وعليك .” “ستشعر بالرهبة للمرّة الاولى … ستتذكّر أن الكثير من أصدقائك وأترابك سبقوك في النقلة ، وتثبّتوا في مضارب الطاعة النفطية والغازية ” . “الكل ينتقل ويتحوّل ، فلماذا تبقى أنت وحدك ؟ ” “عليك أن تقطع بالكامل مع مرحلتك السابقة “. ” عليك عندما تنظر في المرآة ، ألّا تتعرّف على وجهك وتقاسيمه …… وإن تبيّنت ذات يوم ، تقاسيم وجهك السابق في المرآة ، إصفعه حتى يتغيّر الوجه  .” حلّ ناجع  . تلقّفه ، ولا تخف . فيورو نوبل ، كما الدولار ، زينة الحياة الدنيا .

ها قد تمّ التحوّل ، وعليك من ألآن أن تجتهّد بموالاة ألغرب (ألأمريكي خصوصاً) . عليك أن تكون تابعاً له (لا تخجل) بدرجة عميل . عليك أن تكون متماهياً معه ، مقلّداً له كما القرد للنجّار . عليك أن تؤمن بقيّمه وتصدّق رؤيا رئيسه جورج بوش الإبن ، يوم أُوحي له بوجوب إبادة شعبيّ العراق وافغانستان . عليك أن تشارك أمريكا أفراحها وأتراحها ، فتفرح لذكرى إستقلالها وإبادتها للهنود ألحمر وإستسلام اليابان لها . عليك أن تحزن لسقوط حصن “آلامو ” وتدمير أسطولها البحري في بيرل هاربر وتفجير برجيّ التجارة العالمي في 11 أيلول 2001 . عليك أن تبكي ضحاياها الذين يسقطون برصاص قاتل تصفه الرواية الرسمية غالباً ، بالمختّل . وقس على ذلك أوروبا ، إذ عليك التضامن صاغراً مع ضحايا هجمات بروكسل وباريس ونيس ، من دون أن تنسى ضحايا شارل أبيدو . ولا بدّ أنك في ذلك الحين ، وأنت في بحر التظاهرة أن تكون تأبّطت شرّ الذراع أليمنى لبنيامين نتنياهو ، والذراع اليسرى لرئيس السلطة الموقّرة محمود عباس . ولكن ، حبذا يا فخامة الرئيس ، أن تذكّر الناس ولو لمرّة واحدة ، بتضامن زعماء هذا الغرب مع شهداء فلسطين ! وبالمناسبة ، ما الفائدة من حضور مؤتمر المعارضة الايرانية ؟

بإختصار شديد ، عليك ألإنفتاح على الآخر  الذي بكل تأكيد ، يستعلي عليك ، فكيف به أن يتقبّلك ؟ عليك بكل بساطة ، ألإستسلام للأمريكي . فتصعّر له خَدَّك الأيمن والأيسر معاً . عليك أن تكون جاسوساً ، خائناً لشعبك ، وجاحداً لبلدك. عليك أن تسجد للأمريكي وتتضّرع له من دلوك الشمس حتى غروبها :

لك المجد أيها العم سام. أنت سيّدي وأنا عبدك . تؤتي نوبل من تشاء ، وتحجبها عمّن تشاء .

ابرهيم موعد/ كاتب فلسطيني

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً