أحدث الأخبار

صاحب دار “العودة” يروي أسرار كتّابه: درويش وعمارة وآخرون ../ بشير البكر

+ = -
دار “العودة” التي تأسست في بيروت أوائل سبعينيات القرن الماضي، تعد أول دار نشر عربية ذهبت بالكتاب العربي إلى أصقاع بعيدة. ورغم أنها لم تكن الأولى، وتأسست قبلها دور عريقة مثل “الآداب”، فإن لها الفضل في التعريف بكتّاب عرب من شتى الأقطار العربية، في حين كانت دور النشر في بيروت تركز على ثقافة المركز في بلاد الشام والعراق ومصر. وخلال زمن وجيز أصبحت “العودة”، التي أسسها الصحافي أحمد سعيد محمدية، ممراً مرغوباً من كبار الكتّاب، فمن تنشر له الدار يصبح من الكتّاب المكرسين، وذلك بعدما استقطبت ونشرت أعمال كبار الأسماء العربية في الشعر والرواية، مثل محمود درويش، نزار قباني، عبد الوهاب البياتي، صلاح عبد الصبور، بدوي الجبل، عبد العزيز المقالح، الطيب صالح، محمد الفيتوري، فدوى طوقان..إلخ.

بدأ محمدية حياته المهنية صحافياً في مجلة “الصياد” الأسبوعية التي ترأس تحريرها الصحافي الشهير سعيد فريحة، وعمل في يومية “الأنوار”، وأسبوعية “الحوادث” التي كان يمتلكها ويرأس تحريرها سليم اللوزي الذي قتلته المخابرات السورية العام 1980، وفي بداياته ربطته صداقة مع غسان كنفاني وعملا معاً. وبعد انقطاع طويل عن النشر وهجرة محمدية من لبنان إلى الولايات المتحدة، أصدر كتاباً بعنوان “حياتي بين الشعراء” يسجل فيه ذكريات وتجارب. والكتاب عبارة عن مذكرات شخصية مع مجموعة من الشعراء والشاعرات والنقاد، واحتوى على 17 بورتريه طويلاً. وهو أكثر من علاقة ناشر وكاتب، ففيه يعود محمدية إلى شخصية الصحافي التي تنازل عنها باكراً لصالح الناشر. ويبدو أن الحنين إلى مهنة الصحافي وحس التعويض عن الزمن الذي فاته بعيداً منها، هو الذي حرّضه على كتابة هذا الكتاب الممتع، والذي يطفح بالأخبار الشخصية الخاصة بالكتّاب. ويظهر منه أن محمدية لم يتمكن من مقاومة الصمت على الأسرار، وكان عليه أن يبوح بها، لكن بقالب ذاتي فيه من المودة والحب قدر كبير يجعله يأخذ طابع الحكاية التي تسرد أخبار الأصحاب ويومياتهم. وهو حين يتحدث عن محمود درويش لا يترك تفصيلاً، مهما كان صغيراً، عن اللقاءات التي جمعته به على امتداد زمن طويل، من موسكو التي قصدها درويش حين خرج من فلسطين للمرة الأخيرة في رحيله إلى العالم العربي، مروراً بالقاهرة والسكن في العمارة نفسها كيث كان يسكن توفيق الحكيم، والذي كان لا يلقى التحية على درويش إلى أن عمل معه في صحيفة “الأهرام”، ثم الانتقال الى بيروت وبعدها باريس، ومن ثم زواجه من الكاتبة السورية رنا قباني وطلاقه منها وزواجه ثانية، والعمليات الجراحية التي أجراها، وعلاقته بياسر عرفات وأسلوبه في الطعام والملبس. يروي ذلك كله، ويغفل تفصيل علاقته به كناشر، باستثناء بعض اللقطات العابرة، ومنها أنه احتفل ببيع درويش مليون نسخة من كتبه، لكن درويش نبهه إلى أنه حاسبه على 800 ألف نسخة فقط.

والأمر ذاته في حديثه عن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة التي تعرف عليها في بيتها في بغداد مع زوجها وابنها وابنتها، ويسرد كيف تركت عالمها الخاص، ورحلت لتعيش في بيروت، ويسخّر صفحات لوصف جمالها ولباسها ومحاولات الشاعر عمر أبو ريشة إيقاعها في غرامه، ويمر على علاقتها بالشاعر بدر شاكر السياب، لكنه يسقط أيضاً العلاقة بين الناشر والشاعرة ولا يتطرق إلا لتفصيل واحد، عندما طلبت منه مبلغ عشرة آلاف دولار مقابل طبع أعمالها الكاملة، وكان المبلغ كبيراً في حينه، ولذلك لم تتم العملية. ويجد محمدية الفرصة ليتحدث عن بغداد التي كانت في السبعينيات والثمانينيات تغدق المال على الصحافة ودور النشر العربية، ويروي ذكريات مشتركة مع صاحب دار “الآداب”، الناشر سهيل ادريس، الذي لطالما رافقه إلى العاصمة العراقية، ويتوقف عند دعوة وجهها لهما وزير الإعلام طارق عزيز، لنقل مقريهما والعمل من بغداد أثناء الحرب اللبنانية، ويسخر من هذه الدعوة بسبب القوانين العراقية الخاصة بالنشر ويقارن بين بغداد وبيروت على مستوى الحياة اليومية، فهي تتسم بالسهولة في الثانية، ومعقدة في الأولى.

يبرز في الكتاب وجه محمدية المثقف حين يتحدث عن الشاعر توفيق صايغ وموقعه من الحداثة الشعرية، ويضعه في المستوى نفسه مع رواد قصيدة النثر، ادونيس ويوسف الخال، “رواد شركاء في حمل القصيدة العربية إلى الحداثة”. ولأسرة الشاعر مكانة خاصة يقف عندها محمدية مطولاً في كتابه: أخوته فايز، أنيس، يوسف، فؤاد، ومنير. أولاد القس الذي بدأ حياته الكهنوتية في حوران، وانتقل منها إلى فلسطين على بحيرة طبريا. ورغم أنه حمل الجنسية اللبنانية، ومن قبل السورية، أصبحت الوطنية الفلسطينية هويته الأولى. ويخبرنا محمدية أن توفيق الذي ولد في حوران العام 1926 هو الذي أشرف على رسالة الدكتوراة للشاعر خليل حاوي في جامعة كمبرديج، ويكشف سراً وهو أن روايتَي الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” و”عرس الزين”، نُشرتا للمرة الأولى على صفحات مجلة “حوار” التي كان يصدرها توفيق صايغ. ويعترف محمدية بأنه قرصنهما من المجلة من دون استئذان توفيق صايغ والطيب صالح، وكان هدفه إيصالهما للقراء العرب ونجح في ذلك فعلاً.

ومن أطرف الحكايات التي حفل بها كتاب محمدية، قصة نشر ديوان بدوي الجبل، التي كادت أن تقود الناشر إلى ظلام السجن السوري. والمسألة باختصار أنه تلقى دراسة حول شعر البدوي من الكاتب أحمد الجندي، وفي أثناء الطبع، أراد أن ينفرد صديقه الناقد جهاد فاضل بخبر عنها في مجلة “الحوادث”، فأعطاه مسودة العمل قبل صدوره لينشر خبراً، لكن فاضل قال في الخبر أن دار “العودة” تصدر قريباً ديوان البدوي، وهذا حدث بالنسبة لشاعر بقامة بدوي الجبل ينتظره كثيرون داخل سوريا وخارجها. وصل خبر مجلة “الحوادث” إلى الشاعر المقيم في دمشق، فطلب من نجله الصحافي منير أن يتقصى الأمر، وحصلت اتصالات استقرت عند قائد القوات السورية في لبنان العقيد محمد غانم، الذي أرسل دورية مخابرات أتت بمحمدية مخفوراً إلى مقر المخابرات في شتورا، وحين أوضح له أن الأمر يتعلق بدراسة عن الديوان وليس الديوان، أرسله مع الدورية إلى دمشق ليوضح ذلك للشاعر. ولم تكن المهمة صعبة، وكانت فاتحة علاقة بين ناشر وشاعر، أخذت بُعداً عائلياً في ما بعد، ونشرت “العودة” ديوان بدوي الجبل، في طبعات عديدة، وكان ذلك مكسباً مادياً كبيراً لها.

ومن بين أجمل النصوص التي ضمها كتاب محمدية، عن الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح، الذي عرفه طالباً في القاهرة قبل أن يعود إلى صنعاء ويشارك في الثورة ضد الإمامة التي شهد محمد بداياتها كصحافي. ومن المقالح، يسافر في اليمن، شمالاً وجنوباً، نحو الحديدية وتهامة وحضرموت، ومن المشير هبدالله السلال، إلى قحطان وفيصل الشعبي في عدن، والثورة ضد بريطانيا وحتى القبيلة ممثلة بالشيخ عبدالله بن حسين الأحمر.

يستحق كتاب محمدية قراءة أكثر توسعاً، لأنه يحمل من أخبار الكتّاب الكثير مما بقي مجهولاً، ورحل مع رحيل أغلبهم. فمن بين 17 كاتباً تناولهم، لم يبق على قيد الحياة سوى المقالح، أمدّ الله في عمره ومتّعه بالصحة. واللافت أن الكاتب يتناول سيرة أدونيس كثيراً حين يمر على الآخرين، ويتحدث عنه بحب وتقدير كبيرين، لكنه لم يتناوله في مقال خاص.

المصدر: المدن

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً