“النملــة” / قصة: عبد الهادي شلا 

+ = -

عبد الهادي شلا 

 

مضى الوقت بطيئا بينما هو ممدٌ على الأرض لا يتحرك يُبحلق في السقف .. يتأمل نتوءاته كيف ترسم ظلالها الخفيفة ..سرب من النمل يمشي متمهلا يبحث عن مخرج بين شقوق صغيرة .. حدق فيه دون أن ترمش عيناه أو يفكر بأن يتخلص منه كي لا تقع بعض نملات على الأرض وتنتشر في الغرفة التي عمت فيها فوضى و تكدست أدواته بلا نظام في كل أرجائها و فاحت فيها رائحة عفن غريب!!. 

ترك جسده ممدا على الأرض مثل جُثة تـُرِكـَت لتلفحها موجة صقيع دهرٌ من الزمن شلَّت حركتها!! 

الصوت الوحيد الذي يسمعه وسط هذا الصمت والجمود و رائحة العفن هو انتظام دقات الساعة بحركة عقاربها البطيئة ..  

 حاول أن يحصيها لكنه لا يدري إلى أين وصل به العدُ من تلك الثواني التي شغله انتظام و رتابة إيقاعها لتخرجته من سكونه للحظة سأل فيها نفسه عن جدوى أن يكون هناك وقت يحسبه ما لم ينتفع به!!  

هل أنا ذو فائدة لنفسي أو لمن حولي؟!  

لا أحد حولي!! فكيف أكون مفيدا،وهل هذه الحالة التي أنا عليها ممكن أن يُبعثُ فيها نشاط يتولد منه ما يُفيد؟! 

حالتي لا تسمح بأن أقرر أو أتصور ما سيكون عليه الحال لو استعدت همتي ونشاطي و تركت هذه الغرفة العفنة وهذا الأرض التي تكدست فيها أشيائي و بالكاد أجد موضع قدم لم يتسخ. 

أنا لا أعرف متى كانت أخر مرة قمت بترتيبها أو تنظيفها..لقد ألفت الحياة فيها وهي على هذه الهيئة ،وقد يصيبني مرض لو ان النور دخلها أو قمت بتنظيفها وإعادتها إلى ما كانت عليها!! 

لحظات تراكمت حتى صارت ساعات .. ممددٌ على الأرض لا رغبة عنده في أن يتحرك أو يأتي بأي فعل رغم كل ما فكر فيه و أمطر نفسه بأسئلة لم يجد لها إجابة.!! 

شغلته تلك النملة الصغيرة التي تروح وتجيء في خطوط متعرجة تبحث عن رفيقاتها اللاتي وصلن إلى الجدارعند نهاية السقف حين خرجت عن السرب لتكتشف المكان الفسيح كثير النتوءات والشقوق الضعيفة أو شغلها أمر ما فضاعت و ضاع منها الطريق! 

هي مثلي في حيرة ..كل الطرق سُدًّت ..لا يلوح لها نهاية ..تبدو جرداء رغم كثرة الحفر بل نفق الولوج في عتمته ينبئ بكارثة أو مصيبة على أقل تقدير…سأتابع محاولاتها وأرى كم من الوقت تحتاج لتلحق برفيقاتها إن نجحت؟! 

حـَدَّقَ بكل يقظة في عقرب الساعة المعلقة على الجدار بجواره من الناحية اليمنى و أخذ يعد الثواني حتى تاه مرة أخرى فأعاد العد ثانية وثالثة بينما النملة تدور في مكانها ذهبا وإيابا بعد كل مسافة قصيرة قطعتها ثم تعود إلى نقطة البداية .. تتوقف كأنها تعيد حساباتها أو تتذكر معالم الدرب الذي بدأته مع رفيقاتها ..تستدير قليلا..تتلفت في كل اتجاه بلا فائدة. 

فكر أن ينهض من مكانه ويعتلي ذلك الكرسي الخشبي ليحملها إلى أخواتها،لكن شيئا ما في داخله كان يمنعه ويوسوس له بان ينتظر ليرى نهاية محاولاتها فهي لاشك تشبهه في هذا التيه …  

قد أتعلم منها وأجد لنفسي طريقا يخرجني من حالة اليأس التي أعيشها..؟! 

كلما حاوَلتُ أن أصنع فرحا وأُغافل نفسي اصطدم بما لا أتوقع ..يهتز طموحي في أن أكون إنسانا ذو فائدة.. 

هكذا مرت بخاطره الهواجس وكبرت مرة بعد مرة حتى بات عاجزا عن اتخاذ خطوة متقدمة تُرمي كل ما اختزن في روحه من استسلام وصل به إلى حالة اليأس التي يعيشها. 

النملة مازالت في حيرتها .. 

دخلت شَقٍ ضيق في السقف وسط النتوءات .. 

انتظرها دقائق أرخي فيها السمع لدقات الساعة الرتيبة .. 

نظر بطرف عينه إلى حركة عقاربها وعينه الأخرى على الشق الضيق في انتظار خروج النملة . 

لماذا أشغل نفسي بــ”نملة” صغيرة بالكاد أراها لصغر حجمها وهي تدور في مكانها بلا فائدة .. أظنها ستبقى في هذا التيه حتى تجمعها الصُدفة بمجموعة من النمل تنضم اليهم وتذوب مثلي كما أذوب وسط هذا العالم المضطرب..!! 

هو الفضول الذي جُبـِلـَت عليه طبيعة البشرأو هي رغبة قوية للإستفادة والتعلم من حشرة صغيرة قد يكون في سلوكها مخرج يجعلني أكثر قـُدرة على مواجهة الحياة التي فقدت جزء كبيرا من إنسانيتها. 

النملة مثل عدد من الكائنات الصغيرة التي نظن أن لا فائدة منها و ضرب الله بها الأمثال..مخلوق كرمه الله بذكرها في القرآن الكريم وأفرد لها سورة فيه وقصة مع نبيه سليمان..هل كان هذا ما تجلت فيه صورالإعجاز القرآني أم هي درس للبشر؟!  

وهل تختلف النملة في هذا عن الغراب الذي بعثه الله ليُـرِىَ إبن آدم كيف يواري جثة أخيه التراب بعد أن قتله؟! وهل تختلف عن “العنكبوت” في وهنه ؟! 

شعوري العميق هو أن هذه النملة الصغيرة الضعيفة وقعت  تحت نظري لأمر و لابد أن تتكشف ملامحه في أي لحظة لعله يُخرجني من حالتي ويبعث في جسدي حياة جديدة ..؟! 

النملة تخرج من الشق الصغير برفقة نملة أخرى تشبهها لا يمكن التمييز بينهما 

أيهما النملة التي دخلت ؟! 

 هل هي التي في الأمام؟ 

 أم التي في الخلف ؟  

لا أرى فرقا بينهما. 

توقفت النملتان قليلا .. 

دارت كل واحدة حول نفسها دورة كاملة ..تبحث عن الإتجاه الذي يجب أن تسلكانه .. 

الغريب أنهما استدارتا معا إلى نفس الجهة وبدأتا السير نحو الجدار الذي تجمعت عليه رفيقاتها في السرب الكبير. 

ما هذه العظمة؟!!  

المخلوقات الصغيرة ..الضعيفة.. لها عقل كبير !! لاشك أن الخالق قد وضع في أجسامها كل ما يُمَكــِّنها من أداء وظيفتها على الأرض بحكمة و غرض ضمن هذا الكم الهائل من المخلوقات التي عرفها الإنسان أو التي مازالت في علم الغيب ولم يصل إليها!! 

النملتان تسيران في خط مستقيم ..تتعثران أحيانا..تنحرفان قليلا ثم تعودان إلى نفس الخط ..تقتربان من الجدار .. تتوقفان لحظات.. 

نملة من السرب تتجه نحوهما.. 

هل هذا نظام متابعة ومراقبة استَشعــَر قدوم أغراب ولابد من الاستطلاع والتأكد؟  

اقتربت النملة منهما ..لامست بجسدها النملة الأقرب ثم تخطتها نحو النملة الأخرى و لامستها بنفس الطريقة.. 

ملامسة كل واحدة على انفراد له دلالة ومعنى متفق عليه بين هذه الكائنات الصغيرة..هو من أسرار لم تنكشف، ثم استدارت ..تبعتها الأخريان في خط مستقيم حتى وصلتا السرب.. 

حاولت أن أعرف أين استقرت.. ذابتا وسط المئات اللاتي كن في انتظارهن .. 

 بدأ السرب التحرك مُنحدرا في طريق الهبوط على سطح الجدار متجها نحو الأرض يتقدمه نملة أكبر حجما ولها لون يميل إلى اللون البرتقالي..!! 

اعتدل بجسده ..جلس بقرب الجدار يتأمل قافلة النمل وهي تتابع سيرها نحو الأرض و في خلده تدور أسئلة كثيرة من خلال ما جرى أمام عينية كانت كل حواسه مشغولة بما سوف تكون عليه حال نملة صغيرة ضلت طريقها بعد أن ابتعدت عن المجموع،وكيف أن هذه النملة كانت معينا لأخرى استقرت في قاع شق في السقف ثم أخرجتها،والأهم هو تلك النملة التي خرجت من السرب للقاءهما وتحسست كل منهما وكأنها ترحب بهما بعد أن إطمأنت بأنهما كائنات من نفس نوعها، أو ربما توعدتهما بعقاب لو لم يمتثلا لأوامرها.. 

هكذا حضرت صور القهر الآدمي في خياله وأسقطها على ما شاهد بأم عينية دون أن تشغله عن أهم ما وقر في تصوره وذهنه الذي أخذ يوافق بين ما تأمل طوال هذه الساعات وبين ما يمكن أن يساعده في الخروج من حالته حتى أيقن أن هذه إشارات يجب أن تكون درسا يخرجه من حالة التقاعس والخمول!! 

كثيرة هي الكائنات التي تتشابه في سلوكياتها مع احتفاظ كل نوع بما يتفق وخصائصه و لعل النمل مثل النحل تحكمه قوانين تلتزم بها كل واحدة ضمن سلوك المجموع تحمي نفسها بالتعاضد كما النحل يغذي الخلايا بما استجمعته كل نحلة من رحيق الزهور فتعمل العاملات منها بدأب حتى يتكون العسل!! …آه العسل..!!؟  

استجمع قوته و اتجه نحو النافذة ..فتح أبوابها فامتلأت الغرفة بنورافتقدته منذ مدة طويلة .. توالفت مع العتمة و رائحة العفن الذي عشعش فيها و مد بصره نحو الأفق البعيد يستحضر صورا كانت تسكن خياله وما كان له أن يتأملها وهو ملقى على أرض الغرفة العفنة ولا كان له أن يستشعر جمالها بين جدرانها الباردة المعتمة و سقف قطَعتهُ قافة من النمل في رحلة لم تتضح معالم نهايتها!! 

عند باب الغرفة الضيقة العفنة وقعت عينه على”نملة” صغيرة تروح و تجيء تقطع مسافة صغيرة ثم تعود إلى نقطة البداية.. 

تأملها وكادت يده تمتد لتحملها لكنه لا يدري أين يضعها فلا يوجد أسراب نمل حولها ولا ثقوب صغيرة يمكن أن تكون بيتها الذي ضلت الطريق إليه.. 

ضحك في سره وكأنه اكتشف أن الحياة هي مجموعة صور تتكرر فيها الأحداث و إن تغير أبطالها .. 

هذه نملة تشبه تلك التي كانت للتو تبحث عن رفيقاتها حتى جاءها من يأخذ بيدها لتلحق مع أخرى وضعتها الصدفة في طريقها بالقافلة التي مازالت تواصل السير!! 

تأملها جيدا..أخذ نفسا عميقا .. عاد إلى الغرفة التي ضجت بالفوضى ..شمر عن ساعدية ..بدأ حملة تنظيف وإعادة ترتيب لكل هذه الفوضى التي ألفها وعاش بها و معها زمنا .. 

 أيقن أن النملة وهي المخلوق الضعيف قد وضعت تحت نظره لدقائق طويلة لِحكمة لا يعلمها إلا الخالق .. 

أيقن أن وجودها درسا لن ينساه.!!!! 

 

30 يوليو 2021  

Hits: 4

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً