حرية تقتلع بالأظافر /  د. سامي محمد الأخرس

+ = -

 د. سامي محمد الأخرس 

أناديكم واشد على آياديكم
سيقف المحللون السياسيون والهندسيون كثيرًا أمام المشهد الذي ابهر العالم بالأمس، عندما أنتصرت الإرادة على اشرس قوة أمنية تدعي البطولة والعلمية والمهنية، وتعتبر نفسها من أوائل المدارس الأمنية بالعالم، وهي تنكسر وتندحر وتتلاشى وكأنها لم تكن أمام صلابة الإرادة للمقاتل المؤمن بوطنه والمؤمن بقضيته، والمؤمن بالإنتصار وإن كان خلف الشمس وفي زنازين القهر، وإن حاولوا أن يعطلوا جسده عن الفعل، ولكن لن يستطيعوا تعطيل عقله عن العمل، والتخطيط، والإبداع، وصناعة الإعجاز.
كان الحكيم جورج حبش دائمًا يقول إن الثورة الفلسطينية انطلقت لتصنع المستحيل وليس الممكن، وما حدث بالأمس هو أحد صناعات المستحيل التي تنبأ بها جورج حبش، وهي الصناعة التي ارادها للثورة ولثوارها الذين حولوا زنازين القهر لرمزية يتحدث عنها العالم بل منظومته، ويقف على حدود هذا الإعجاز الذي صنعته الإرادة وسلاح العزيمة فقط.
مناضلون في زنازين صغيرة لا يمتلكون إلا أدواتهم الشخصية، فرشة اسنان، ومنشفة، وملعقة طعام، وقلم، ولكنهم يمتلكون أعظم سلاح لا تهزمه أو تكسره أي أسلحة أخرى، يمتلكون سلاح العقل، في معركة الأدمغة التي تبارز المنطومة الصهيونية بكل امكانياتها التكنولوجية، والأمنية، والعسكرية، واللوجستية، فكانت الضربة القاضية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة من ضربات الثورة ومقاتليها منذ أن انطلقت وعزمت على الإستمرار حتى التحرير.
إن ما حدث بالأمس ليس تمكن ثلة من المقاتلين المناضلين في قهر إرادة الجدران واقتلاع وانتزاع الحرية من مخالب الآلة الأمنية الصهيونية، بل هي حلقة من حلقات التخطيط المنظم الذي اعتمد على التكتيك السري في تحدي اساليب العدو وأدوات قمعه ووسائله، معركة كان لعبقرية التخطيط والتنظيم والسرية كلمة الفصل للوصول إلى الهدف الأكبر وهو الإنعتاق وإنتزاع الحرية.
فمسيرة الثورة الفلسطينية، ومسيرة الحركة الاسيرة الفلسطينية لم تتوقف يومًا عن تحدي الأهداف الصهوينية بتعطيل العقل، وقتل الروح للأسرى، فكانت الحركة الأسيرة على قدر المعركة والتحدي، وفرضت نهجها وخططها على الحركة الأمنية الصهيونية، واستطاعت أن تحول الأسير إلى مثقف ثوري، مبدع يمتلك مهارات الحياة، والقدرة على العمل والإبداع، والإبتكار، فكان للحركة الاسيرة الإنتصار في كل جولاتها مع العدو ومنظمته الأمنية والعسكرية، والإنسانية، فاستطاعت ان تهيئ المناضل الفلسطيني للتأقلم والقتال من أجل الإستمرار، وغرس الإرادة والمثابرة للتحدي، والبحث عن الحياة، فلم يياس يومًا، ولم يستسلم يومًا لإرادة العدو ومخططاته، فقادت الحركة الاسيرة المعركة بكل جوانبها وتجلياتها، واستطاعت أن تقدم للشعب الفلسطيني أنمذجة نضالية، ومشاهد من مشاهد الإرادة والإبداع، فسجلت عمليات تحرر عديدة، وسجلت عمليات إنتزاع للحرية، وكانت ندًا ثوريًا متسلح بغرادة المقاتل الإنسان الذي يبحث عن الحرية والحياة بكل تفاصيل حياته، وبرامجه المعدة لتسليح المقاتل المجرد من كل سبل الحياة.
ساترك جانبًا الفلسفة التحليلية السياسية أو التفكير والتحليل الهندسي، وغير ذلك للذين يريدون الغوص في تفاصيل الأمور وفرض الأسئلة، ولكن ساقف أمام وجه واحد من الحقيقة التي لا يمتلكها إلا هؤلاء الذين فكروا، فدرسوا، فخططوا، فنفذوا، فانتصروا بمعركة شاملة الجوانب ومتعددة الأساليب، فمعركة التحرر التي حدثت بالأمس، معركة لا تعتمد فقط على الحفر أو النجاح، ولكنها معركة تم الإعداد لها على كل المستويات، بما فيها مستوى التعامل مع إجراءات العدو اليومية، ولحظة البدء، ولحظة الصفر التي يتم بها الإنتهاء، ودليل عبقرية المعركة وقيادتها بكل تفاصيلها دون ترك شيء للصدفة، هو الفصل الأخير منها، وباعتراف العدو أن البطل زكريا الزبيدي قدم طلب نقل للزنزانة قبل اربعة وعشرون ساعة فقط، وهذا الطلب إن كان شكلي لدى الكثير من المتابعين إلا إنه يدل على عبقرية المخطط الذي لم يترك شيء للصدفة، وإنه كان واثق من نجاح خطته، وجاهز لما بعد التحرر في عملية الإعداد، وهو اختيار الرمق الأخير لساعة الصفر ليكون ضمن العملية احد عناصر وقادة فتح المشهود لهم نضاليًا ألا وهو المناضل زكريا الزبيدي، وهذا دلالة على تفكير المخطط بالمستقبل وليس بنجاح العملية فقط، فهو يدرك شعبية ومكانة المناضل زكريا الزبيدي، وقوة تاثيرة في الرأي العام الفتحاوي وخاصة في الضفة الغربية، وأنه يحظى بدعم كل منظومة فتح بما فيها عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وعليه فكان وجوده ضمن العملية ضربة عبقرية لتوفير اللوجستيات بعد التحرر، وضمان تكامل منظومة الحماية والدعم من كل المنظومة الفلسطينية، بما فيها المنطومة الأمنية والعسكرية لفتح وللسلطة الوطنية، وأن المناضل زكريا هو مفتاح هذه المنطومة.
هذا الأداء وهذا التفكير يجعلنا نقف أمام طبيعة التخطيط لكل تفاصيل العملية، ولأدق التفاصيل التي فكر وخطط لها أفراد العملية، بما فيها التفكير بعد نجاح العملية وتنفيذ الهدف بدقة، وهو فعلًا يجعلنا نقف أمام ما جئت عليه سابقًا أن هذه العملية هي عملية أدمغة لم تترك للصدفة شيء يمكن أن يبطل مفعولها ونجاحها، أو ينهيها بعد انتزاع الحرية من منظومة أمنية صهيونية معقدة، ومتكاملة بكل تفاصيلها وإجراءاتها، وهو الإنتصار الأهم والأكبر في منظومة قيادة المعركة.
إذن فنحن أمام عملية غبداعية عبقرية اسطورية، منحت الشارع الفلسطيني والرأي العام الفلسطيني حافزًا ودافعًا معنويًا، وانتصارًا لا يمكن أن يعتبر ضمن الإنتصارات الهشة أو الهامشية بل انتصار بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالشاب الذي أطلق الرصاص من نقظة صفر على القناص الصهيوني قبل أسابيع بعبقرية التفكير، هو أنموذج مصغر أمام عبقرية التخطيط والتنفيذ الدقيق لعملية معتقل جلبوع، كما هي في نفس دائرة عملية اغتيال الوزير الصهيوني رحبئام زئيفي في فندق ريجنسي واختراق لكل منظومات الأمن الصهيونية المتغطرسة.
إن ما يجسدة شعبنا الفلسطيني ومناضليه ومقاتليه في العقد الأخير من انتصارات في معركة الأدمغة لهو تأكيد على إننا نمتلك إرادة الإنتصار ولكن لا نمتلك قيادات الإنتصار، وهذه هي المفارقة المعقدة في معركتنا مع هذا العدو الصلف المتغطرس الذي يتهاوى تحت ضربات شباب صغير بسيط لا يمتلك من الأدوات والوسائل إلا الإرادة ولكنه يحقق إنتصارات عظيمة على منظومة متكاملة مسلحة بكل وسائل القوة والجبروت.
فاستطاعت الكف الفلسطينية أن تقاوم المخرز الصهيوني وتنتصر عليه في معارك الأدمغة، وتجبر العالم على ألإنبهار من هذا الجبروت العظيم.
ولنا أن نقف أمام عظمة المشهد الذي لا أحد يمتلك تفاصيله وجزيئياته إلا أولئك الذين وضعوا أمام أعينهم صفر فشل، ونجاح الإرادة ونجاع الإبداع وتفوق العبقرية الفلسطينية. فطوبى لاشرس الرجل في معركة الأدمغة، وطوبى لمن انتزع حريته بأظافرة.
د. سامي محمد الأخرس
السابع من سبتمبر 2021

Hits: 2


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً