أحدث الأخبار

قراءة الواقع شذوذ فكري / د. سامي محمد الأخرس

+ = -

د. سامي محمد الأخرس

منذ سبعة عقود ونيف ونحن كلما اقتربنا من قراءة واقعنا السياسي المحكى على الأرض نتعرض للكثير من النقد، وكثير من الهجوم، وربما كثير من الملاحقة الأمنية على المستويين الإقليمي أو المحلي، وهذا نتاج إنك تحاول في بعض الأحيان التفكير بصوت عال أو قراءة بعض احداثيات الحالة التي تعيش اتونها، وتلسع بنيرانها، وتخوض معتركاتها السياسية او النفسية أو حتى الاقتصادية بما إنك امام مثلث متكامل الأضلع كل ضلع منه وكل زاوية من زواياه يعتبر مكمل للنظرية الجبرية أو الحسابية في عملية تحليل وتفكيك رموز الأرشميديسية الجبرية التي كانت تضعنا أمام ضرورة الفهم العميق لإحداثيات الحلول والوصول لتفكيك المعادلات المعقدة أو غير المعقدة.
وقضيتنا الفلسطينية أحد النظريات الأرشميديسية الجبرية التي تتطلب في الكثير من الأحيان أقصر الطرق لتفكيك احداثياتها أن تميل نوعًا ما للابتعاد عن محاباة النفس، وخلجاتها وتقف عند حدود الحديث أو التفكير بصوت مرتفع قليلًا رغم تربص المخبر والمندوب، والمتابع لك في كثير من الأحيان، ولكن مجبر كونك سياسي أو كاتب مشتبك أن تفكر بشكل شاذ احيانًا.
فمنذ عام 1948 تميل أدبياتنا السياسية العامة أو الخاصة إلى أن تضع عنوان عريض لكل تحليلاتنا الوطنية، أو عند قراءة حدث او جملة احداث في سبر المتغيرات السياسية اليومية أو الفصلية، هذا العنوان دائمًا نستند له في قراءتنا وتحليلنا الذي يقدم للقارئ العادي أو للقارئ الحزبي المنتمي أو لرجل الأمن الذي يصبح يوميًا باستعراض آراء الآخرين قبل فنجان قهوته الصباحي ليستكمل عمله ومهمته ويقدم صكوك الولاء لوظيفته التي يعتاش منها، ويقدم الطاعة للسيد الحزبي في معركة انصر حزبك ظالمُا أو مظلومًا، هذه القراءة ترتكز لإحداثية عميقة مفادها” أن دولة الكيان الصهيوني تعيش أزمة” هذه الأزمة يمكن تفكيك أضلاعها تارة بهشاشة حكومتها، وأخرى بأزماتها السياسية والاقتصادية، وتارة أخرى بتركيبة الأيديولوجيا الحكومية، وهذه القراءات منذ أن تعايشنا مع حكومات الوحدة الليكودية – العمالية في العقود الغابرة حتى يومنا هذا، وفي كل جولة من جولات تفكيرنا بأزمات المحتل وحكوماته تكون النتيجة مفادها تقدم واضح لدولة الاحتلال على كافة الصعد، وفشل وتراجع على مستوى القضية الفلسطينية، لم نسجل ولو لمرة واحدة خطوة واحدة متقدمة عن دولة الكيان أو أزمات حكوماته، بل نحن من يخرج من أزمة لأزمة اشد وطأة وأكثر قسوة من سابقتها.
هذا على المستوى العام الذي يفصل لنا حزبيتنا وتحليلاتنا الحزبية المرتكزة لتصويبها نحو مصلحة الحزب أو القوة الثورية الفلسطينية التي تريد أن تسجل انتصار في ذهن عناصرها والمصفقون لها أو المتنطعين بالحزبية السافرة التي قفزت على مستوى الوطن.
الوجه الأخر الذي يمكن لنا أن نفكر به بصوت مرتفع دون مواربة للأبواب المصفدة التي علينا عدم فتحها في مجالات تفكيرنا أو تحليلنا او حتى البوح بها هي جولاتنا في أخر عقدين على مستوى القضية، أو ما يمكن اصطلاحًا اطلاق عليه ما بعد أوسلو 1994 وما قطعناه من عملية بناء للكيانية الفلسطينية على أرض الواقع، حيث كان المشهد عبارة عن حالة اشتباك بجولات فضائية فراغية تارة على شكل انتفاضات وأخرى هبات وثالثة مقارعة للذهنية الصهيونية التي استطاعت أن تضع لنا قوانين سياسية يمنع علينا تجاوزها تحت اي ظرف كان، ورغم كل التضحيات الجسام من شعبنا إلا أننا لم نغادر مربع هذه القوانين والأسانيد التي صاغها لنا الاحتلال وكيانة وفق سياسة افعل كل شيء في حدود الإطار المصاغ لك أو ضمن دوائر الفهم التي يمكن لك أن تفكر بها، فكان علينا أن نرضى بما قسم لنا، ونتعايش مع ما هو مرسوم لنا، أي لا دولة، لا حق تقرير مصير، لا عودة لاجئين، لا حق إلا ما تم احقاقه لك بدهاليز قوانين دولة الكيان، حتى كان لنا أن نخوض صراع آخر مع أنفسنا كفلسطينيين ونصنع من أنفسنا كيانات أو كنتونات مصغرة أكثر مما كانت عليه بعد أسلو، واستطاعت حركة حماس أن تحقق نصر مظفر في معركة التنمر الوطني وتستقل بغزة ككيان وكينونة لها تعبر فيها عن سطوتها، وفتح تخوض مرحلة بناء كيانية مقسمة في الضفة الغربية تعبر فيها عن ذاتها وعن سطوتها على النصف الآخر من الوطن، والكل يلتزم بقوانين دولة الكيان وشريعة شارون التي رسمها ونقشها بعد انسحابه من قطاع غزة, وتحول القضية الفلسطينية إلى معركة باتجاهين:
الأول: توحيد شطري الوطن المحتل، وهذا يتأتى في ظل مراضاة للقوى الإقليمية التي تحتضن العمل السياسي للبعض الفلسطيني الذي لا يستطيع التنمر على الإرادة الإقليمية المضيفه له ولمؤسساته، والأخر إرادة الإحتلال التي تفرض قوانينها على الهامش الآخر من القوة السياسة المتنفذة وتتحكم بمرونة حركته وقدرته على المناورة,
الثاني: أن كل معاركنا وجولاتنا التي خضناها منذ عام 2007 حتى راهن اللحظة، لُخصت في سياق الزنزانة السياسية الصهيونية المتمثلة بمساحة الصيد، وفتح معابر البضائع والأسمنت واضافت لها بعد جولة مايو 2021 الجوالات الخلوية.
ووفق هذا التوازن غابت أهم معالم التفكير وهي القضية الأساسية في عملية المقاومة بكل أنواعها واحداثياتها، والتي تتواتر بعدة اسئلة ما هي أهدافنا الوطنية العامة؟ وما هو ثمن التضحيات التي يقدمها شعبنا؟ وما هي أدوات أو سبل التحرر من احتلال القرار السياسي أقليميًا، وصهيونيًا؟
كل تلك الأسئلة الإجابة عنها تكمن في عملية التحليل والتفكير التي يمكن أن نطلق لها عنان أصواتنا المبحوحة والممجوجة أحيانًا برعب الكلمة أو التعرض للإيذاء السياسي من ضباط الأمن بكل ألوانها ومسمياتها، ولكن لا ضير أن نقفز عن حيائنا السياسي ونقول أن الشواذ قي التقكير ربما يكون مدخل للفهم العام بإننا أسرى لعملية الإنعتاق التي نأمل أن تحررنا من سجننا النفسي وأن نحلم يومًا بأعلى أمانينا أن تجرى الإنتخابات هذا الوليد الذي اصبح مسخ، وتحرر رقابنا من قوانين الواقع الصهيوني المفروض علينا بأموال المقاصة، ومساحة الصيد، ومواد البناء الذي خضنا من أجلها أربعة حروب وربما الخامسة على الأبواب، وفي كل جولة نقول ما قبل تلك ليس كما بعد تلك,,, ويبقى الحال عما هو عليه، بل نعود لنناضل من جديد لأجل أن نزيد ميل أو اثنان على مساحة بحرنا لنصيد سمك التونا، أو ندخل شيء مجدد لبؤرة نضالنا مثل المنحة القطرية، أو لننعش موازنتنا بأموال المقاصة ولا أستبعد أن نضيف لهما بالمستقبل القريب أنواع من الشيكولاته التركية أو الشامبو الفاخر أو الصابون الأوروبي المستورد.
وعلى هذا المنوال يزداد الوضع شحة وضيق وتتأزم كل معاني الحياة في انتظار ملجمتنا الواقعية للقفز عن صهوة الترقب والتأمل ونخطو خطوة واحدة صوب الأمل بأن يعيش ابناؤنا أو أجيال قادمة واقعية تفكير أكثر رشاد ورشد مما نحن نفكر فيه، فنحن اليوم أمام أبواب موصدة على خلايا تفكيرنا لا تبرح أن تفكر بآليات السفر وتسهيل اجراءاته أو عمليات التنسيق بأقل الاسعار، أو مراضاة أصحاب المبادرات والتكيات لوجبة ما تائهة تطرق بابك أو طرد غذائي يعوضك عن فقدان بيتك أو فقدان فلذة كبدك أو شهر تعلن فيه البنوك أن الراتب بالأول من كل شهر، وأن نصحوا على صوت البائع الصباحي ينادي بأعلى صوته خمسة كيلو سردينة بعشرة شيكل….
ولنا في السياسة وفي مقالاتنا جزء من البلاهة التفكيرية الشاذة عن التقليدية في مواثيق تمجيد الملوك والعروش. ويبقى لي سؤال أخير هل يحق لي التفكير بشذوذ الواقع؟!
د. سامي محمد الأخرس
الرابع من سبتمبر 2021
samiakras@gmail.com


أترك تعليق

follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً