أحدث الأخبار

القضيمة / نورة عبيد

+ = -

نورة عبيد

لم تكن حملا وديعا. أخبرت أمّها بكلّ الوقائع الغريبة التي صاحبت هذا الحمل المفاجئ وهي في العقد الأربعين. كان يوما أغبر ذاك اليوم الذي أخبرها فيه الطبيب أنْها حامل. لم تنتبه لذلك فالعادة الشهريّة لم تنقطع شهرا. وتكاد تتحوّل إلى عادة نصف شهريّة.. وحين علمت بذلك كان قد مضى على حملها ثلاثة أشهر. فمن المستحيل أن تفكّر في الإجهاض.. وممّا هوّن عليها ثقل ما علمت بما عملت أنّها لا تزال عينا تجود بالحياة على الجفاف الذي حاصر الحياة. فقد كانت تغالب التعب والسغب و الصخب وكلّ ما يعثّر خفّة الأيّام الثقيلة. صحيح أنّها لم تأكل الفحم والصابون ولم تنفر من رائحة بعلها فهي لا تعرف له روائح مطلقا.. كان الفراش يقصد لذاته كلّما كان في عطلة. فهو يغيب عن الدار ثمانية أشهر ويحضر شهرا ويعتكف بالأشهر الحرم بمسجد مهملا في قريته المهملة التي نزح منها مبكّرا. أكلته الطرق بايطاليا.. وكان يكتفي بإرسال حوالة بريديّة كلّ شهر. ويسأل عن ابنته أحيانا ويحثّها على إحكام تربيتها بما يوافق السنّة ليشفع لها وللمؤمنين سيّد الخلق. كانت تتقبّل كلّ تلك السخافة على عجل وتدرّب وفاء في كلّ حين على أن تتكلّم لتراها. فلم تشْكُ يوما من هرجها ومرحها والفوضى لتي تحدثها بالغرف ،والصور التي ترسمها على الجدران والألوان التي تلطّخها كلّما حملت الفرشاة.. كبرت وفاء ناهدة حوراء هيفاء كأمّها.. ومضت ربيعة إلى قدرها صامتة ملتاعة حتّى علمت بهذا الحمل.. وما أن أخبرت صادق بذلك حتّى سأل عن عمر هذا الحمل .ولمّا وافق ربوضه بالدار سعد. و أسرّ لها رغبته في أن يكون له ذكرا يرعى وفاء… ووعدها بزيادة مقدار من المال يوافق حاجياتها المستجدّة. ولم ينس أن يسألها عن الطبيبة. فلا يتخيّل لحظة أنّها عادت طبيبا. أسلمت نفسها للحمل في خوف من الوضع. فأوجاع ظهرها تفاقمت وهشاشة عظامها ازدادت و نقص الحديد والكالسيوم جرى في بدنها.. فتضاءل الجسم وبقيت بطنها المزدانة بجنينها دليلا على صمودها ومقاومتها.. لم تعد الطبيب لتراقب الحمل. ولم تذهب إلى طبيبة عملا بوصيّة الغائب. وإنّما أوكلت أمرها لله. فإمّا أن تثمر كشجرة أو تفسد الثمرة كشجرة أيضا.. فالأشجار لا تهجرها الأطيار إذا فسدت الثمار. ذاك العزوف عن الطبيب انتقاما من صادق فحسب ،ذاك الذي فكّر بالذكر ونسيها.. يوم الطلق الثاني يوافق أوّل يوم بالخريف.. أفاقت على ثقل قدميها وعرق روحها وارتجافة وفاء بجانبها.. اكتفت بطمأنة ابنتها ومهاتفة صديقة لتتصرّف بحكمة الحياة حتّى تلد. أفاقت و رضيعتها على صدرها وصديقتها ووفاء يلاطفانهما كدميتين بالمستشفى الجهويّ المقرف بأحد مدن الشمال الشرقيّ .سارعت وفاء “ماما سمّها صفيّة” أجابت بحركة عينيها وشفتيها وضحكة قلبها “صفيّة”.

صفيّة ووفاء وربيعة وصادق عائلة كئيبة إذا اجتمعوا. لم يفرح ولم يحزن، فقط أقلقه أن تكون صفيّة كالجنيّة تقضم الحروف من الكلمات إذا نطقت أو تزيدها. أخذها إلى ايطاليا ليعالج عيبها ولكنّ الأطباء عجزوا ولم يجدوا تفسيرا لذلك. حتّى سلّم أمره لله سبحانه – وكيف لا يرضى بحكم الله – بينما ربيعة كانت سعيدة جدّا أنّها أصيبت بهذا العيب فحسب. فصادق إذا نطقت صفيّة يتحوّل إلى “صاد” أو “صندق”. ووفاء تتحوّل إلى “واء” وربيعة إلى “ريبة” والدواء إلى “داء” و العسل إلى “سلّ” و القدر إلى “قرّ” و الحياة إلى “تحت”….. واضطرّت ربيعة مرّات إلى عزل صفيّة عن الناس حتّى لا تحرجها. وحتّى تتجنّب الخصومات التي تنشب في الحيّ بينها وبين لداتها إذا نطقت بأسمائهم ناقصة أو زائدة .فيظنّون أنّها تستهزئ بهم. فبدل أن تنادي عفيفة تقول “عيفة” وبدل بسمة ” بكمة”. أمّا اليوم الأسود الذي جلدت فيه صفيّة؛ يوم عودة “صندق” من ايطاليا. اعترضت والدها تسبقها “بكمتها” وبدل أن يحضنها سألها عن البنت التي ترافقها فجرى الجواب على لسانها “نونه بت خانتي جريده” وكانت تقصد “نورة بنت خالتي فريدة”.. ضغط يومها على عنقها وسحبها سحبا إلى المنزل. وأنهك جسدها ضربا. و قطعها عن الحيّ قطعا ونادى ربيعة. وأخبرها أنّهم سيعودون إلى القرية المهجورة حتّى يستردّ الله صفيّة. فهي بجواره أسلم

Hits: 2

الوسم


أترك تعليق
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
booked.net