في غزة الفلسطينيون يتبادلون أولادهم كي لا تفنى العائلات تحت القصف!

+ = -

يحيي الفلسطينيون في غزة تقليداً قديماً تتبادل بموجبه العائلات أطفالها بحيث يبقى أحدهم على قيد الحياة في حال تعرض الآخرون للقصف الإسرائيلي الهمجي والمتعمد. ولا يعتبر ذلك مبالغة في تصوير الواقع الديستوبي في القطاع المحاصر والذي يتعرض منذ نحو عشرة أيام لغارات إسرائيلية أسفرت عن مقتل أكثر من 200 مدني، بل هو جزء من قصص وشهادات يرويها الفلسطينيون في مواقع التواصل الاجتماعي.

أحد المغردين في “تويتر” كتب بشكل مؤثر كيف تتوزع عائلته على ثلاث منازل وكأنهم يحاولون تفادي مذبحة يوقنون بأنها ستحدث لا محالة. هي محاولة يائسة ربما متولدة من حجم القهر والضعف الناتج عن عدم توازن القوى وسياسة الاستهداف الممنهج الذي تقوم به إسرائيل لمحو أرواح غزة، وهو تعبير إسرائيلي في الواقع، أوردته صحيفة “هآرتس” في توضيحها بأن حوادث قتل عائلات بأكملها في غزة لا تشكل أخطاء مثلما يقول الجيش الإسرائيلي في تصريحاته حول الموضوع، بل هي تنفيذ لقرارات من جهات عسكرية عليا.في تغريدة أخرى يتحدث فلسطيني عن مبادلته طفلين من أطفاله، صبي وفتاة، مع شقيقه مكملاً أن الجميع يخاف أن يخسر حياة من يحب ويفضل بالتالي أن يمنح أفراد العائلة فرصة متساوية وأكبر للحياة والنجاة حتى لو كانت تضحية الفراق نفسها مؤلمة وصعبة. لكن مغردة أخرى كتبت أن تلك التضحية كانت أصعب من تحملها بالنسبة لعائلتها التي اختارت المضي قدماً في الحياة معاً مهما كانت الظروف لأنه من الأفضل “أن نموت معاً على أن نعيش متفرقين” حسب تعبيرها.

ومهما اختلفت القصص الشخصية أو تشابهت، فإنها تعكس نقطة واحدة وهي أنه لا يجب على أي إنسان أن يعيش تلك التجربة أو يجبر على أن يقوم بتلك التضحيات ولا أن يعيش في ذلك الخوف الدائم. والسبب طبعاً يعود إلى الصراع المستمر في المنطقة والذي تتم إعادة تدويره باستمرار ويروح ضحيته المدنيون، فيما تتحمل إسرائيل مسؤولية ذلك بالنظر إلى حجم القوة العسكرية الذي تستخدمه ضد المدنيين الفلسطينيين بما يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية ربما.

وأوردت “هآرتس” إحصائيات للعنف الإسرائيلي ضد العائلات الفلسطينية، ضمن الأحداث الحالية أو عبر الأعوام الماضية. حيث خسرت 15 عائلة ما لا يقل عن ثلاثة من أفرادها في القصف الذي بدأ بتاريخ 10 أيار/مايو الجاري حتى مطلع الأسبوع، فيما لم يتم تحذير المدنيين قبل قصفهم. وأوردت وزارة الصحة الفلسطينية أسماء 12 عائلة قُتل أفرادها بالكامل، كلُّ في منزله في غارات استمرت 70 دقيقة، فجر الأحد الماضي.

ولا تعتبر تلك الممارسات طارئة بل هي سياسة متجذرة لدى جيش الاحتلال. وكانت إبادة عائلات بأكملها في القصف الإسرائيلي إحدى سمات الحرب على غزة العام 2014. وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن 142 عائلة فلسطينية مُحيت بالكامل خلال 50 يوماً، وتقدر أن عدد الأفراد الذين قتلوا بـ742 شخصاً. ولم يكن ذلك نتيجة “أخطاء” بل كان قصف المنازل بسكانها تنفيذاً لقرارات عليا، مدعومة بفحص وموافقة رجال القانون العسكريين.

والحال أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “شاباك” متواطئان في تنفيذ تلك العمليات حيث يقوم “شاباك” أحياناً بالاتصال قبل غارات عسكرية على منازل المدنيين لتحذيرهم أو تحذير أقربائهم. فعلى سبيل المثال، تعرض منزل مدني فلسطيني يدعى عمر شربجي، غربي خان يونس، للقصف، مساء الخميس الماضي، حيث تعيش عائلتان من سبعة أشخاص. وتم تحذير أحدهم ويدعى خالد شربجي من قبل عناصر “شاباك” قبل نحو 20 دقيقة لتسارع العائلتان إلى الإخلاء.

وفيما يمتلك “شاباك” أرقام هواتف لأقارب الأشخاص المشتبه فيهم أو المعروفين بأنهم ناشطون في حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، فإن سجل السكان الفلسطينيين في قطاع غزة في يد وزارة الداخلية الإسرائيلية، ويتضمن إلى جانب الأسماء والأعمار والأقارب والعناوين، أرقام الهواتف. كما تتطلب اتفاقيات أوسلو من وزارة الداخلية الفلسطينية، عبر وزارة الشؤون المدنية، بتحديث المعلومات المدنية بانتظام للجانب الإسرائيلي. وفي ما يتعلق بالأطفال حديثي الولادة يجب أن تحصل بيانات التسجيل على موافقة إسرائيلية، ومن دون ذلك لا يمكن للفلسطينيين الحصول على بطاقة هوية في المستقبل، وفي حالة القاصرين لا يمكنهم السفر بمفردهم أو مع والديهم عبر المعابر الحدودية التي تسيطر عليها إسرائيل.

في ضوء ذلك، من الواضح أن جيش الاحتلال يعرف عدد وأسماء الأطفال والنساء وكبار السن الذين يعيشون في كل مبنى سكني يقصفه لأي سبب من الأسباب. علماً أن واحداً من الأسباب التي يفسر بها الجيش الإسرائيلي قصفه لتلك المباني السكنية، وهو تصرف يرقى إلى مصاف جريمة حرب، هو تعريفه الخاص للأهداف العسكرية، التي تتوسع لتشمل منازل أفراد حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، فيما يتم وصف تلك المنازل بأنها جزء من البنية التحتية للحركتين الإسلاميتين. وتبرر إسرائيل الكثير من حالات قتل المدنيين وإبادة العائلات بأنها “أضرار جانبية فرضتها ضرورات أمنية” مثل تصفية وملاحقة أعضاء شديدي الأهمية في حركات المقاومة الفلسطينية.

الوسم


أترك تعليق

follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً