أحدث الأخبار

أساطير “الهولوكوست” عورة الحداثة / سعيد الشيخ

+ = -

سعيد الشيخ

هذا المقال رفضت صحيفة “القدس العربي” اللندنية نشره

منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها دأبت دول القارة الأوروبية وخاصة الدول المنتصرة منها إلى وضع قوانين حديثة طالت كل عصب الحياة الجديدة التي بدأت تطل برأسها من بين أنقاض المدن المدمرة، حيث شهد العالم تغييرات طالت حتى الخرائط؛ بيد أنّ دولاً أزيلت من الوجود وأخرى قامت على أنقاضها أو على أجزاء ما قُضم منها. ولم تكن المعايير خاضعة لتوجهات إنسانية خالصة كما أشيع إلا بقدر كيف كانت هذه الدول المنتصرة ترى العالم الجديد حسب مصالحها.

كانت الأخلاقية في هذه الحداثة عوراء منذ البداية تقوم على معايير غير متكافئة وتكيل المسائل بمكيالين، حتى أنهم اخترعوا أساطير ونفخوا بها ليتسنى لاحقا تمرير مشاريع، في باطنها فظائع تفوق ما ورد في محتوى أساطيرهم.

شكوك تحوم

لم يكن ما سمي بـ “الهولوكوست” وهي كلمة يونانية تعني الموت حرقاً وشواه بالعبرية، إلا إحدى هذه الأساطير التي اخترعت لتبرر تأسيس قيام دولة “إسرائيل” على أراضي الشعب الفلسطيني كمكافأة وتعويض لليهود بهذا الوطن تحت ستار إنساني وبكثير من التعاطف الأوروبي على ما تم زعمه بمبالغة من عمليات قتل وإبادة ممنهجة لحقت بيهود أوروبا على يد الجيش النازي وحلفائه. إلا أنّ الكثير من الشكوك ظلّت تحوم حول روايات محارق اليهود أو أعداد ضحاياها، وأكثر هذه الشكوك كانت تأتي من المفكرين والباحثين والمؤرخين والحقوقيين الأميركيين أمثال: المحامي فرانسز باركر يوكي الذي وضع أول كتاب في هذا السياق عام 1962 تحت عنوان “الحكم المطلق” أنكر فيه حدوث “الهولوكوست” من أساسه. ثم تبعه المؤرخ المشهور هاري ايلمر بارنيس وقد اتبع نهج يوكي في التشكيك بالمحرقة. وتلاهما من أمريكا المؤرخين جيمس مارتن وويلس كارتو. وفي ستينيات القرن الماضي أيضا وفي فرنسا قام المؤرخ الفرنسي بول راسنييه بنشر كتابه “دراما اليهود الأوروبيين”، ومما زاد الأمر إثارة هذه المرة أن راسنييه نفسه كان مسجونا في المعتقلات الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية ولكنه أنكر عمليات الهولوكوست . وفي عام 1974 قام الصحفي الكندي من أصل بريطاني ريتشارد فيرال بنشر كتابه “أحقا مات 6 ملايين” وحوكم عليه وتم ترحيله من كندا بقرار من المحكمة الكندية العليا عام 1992.

في التسعينيات من القرن الماضي يظهر كتاب آخر أشد دقة من ناحية المصادر والتحليل المنطقي والتسلسل الزمني في إنكار الهولوكوست.إنه كتاب “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية للفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي . يتحدث عن مجموعة من الأساطير بُنيت عليها السياسة الإسرائيلية من بينها “أسطورة الهولوكوست”، فيعرض الكاتب مجموعة من الحقائق العلمية والتاريخية لا تسمح بقول انه كانت هناك غرفا للغاز من أجل قتل الناس، وأن عدد 6 ملايين من الضحايا هو رقم مبالغ فيه، ويتحدث الكتاب عن الدور الفعال للوبي اليهودي في الولايات المتحدة في الترويج للمحرقة.

ويوجد اليوم الكثير من الكتب والمنشورات التي تذهب في سياق نكران حدوث المحرقة أصلاً أو تلقي الضوء بحسابات منطقية تفند حيثيات قصص طالها الكثير من المبالغة والتضخيم في إحداثياتها وأعداد ضحاياها.

تأبيد الأسطورة

والجدير بالذكر أن جميع من كتبوا في اتجاه نكران حدوث المحرقة أو الذين انتقدوا حملات “البروبغندا” التي تدور حولها، قد لوحقوا من قبل المحاكم الأوروبية كمجرمين اخترقوا القوانين التي سنتها دول القارة المنتصرة ولحقتها بعض الدول تملقاً ونفاقا من أجل تحقيق مصالح. حيث تمنع هذه القوانين المسّ برواية الهولوكوست أو التشكيك بها أو نكرانها، ودعّمت هذه القوانين بقانون آخر هو العداء للسامية لكلّ من يتناول اليهود بالانتقاد. وقد استغلت الدولة الإسرائيلية هذا القانون وجعلت منه جداراً منيعاً يصعب القفز من فوقه لمن يريد من الناشطين في حقوق الإنسان أو الباحثين عن الحقيقة أن يرى الجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة.

أن سنّ هذه القوانين كان من أجل تأبيد الأسطورة في الوعي الأوروبي، وهو ما يتنافى بشدة مع توجهات الحداثة التي طالت مرافق الحياة الأوروبية إلى يومنا هذا.

مفهوم الحداثة

أن مفهوم الحداثة يفرض صورة جديدة للإنسان خاصة فيما يتعلق بوعيه وفكره، وإذا وضعنا الهولوكوست في هذا الميزان الحداثي فإن رائحة الأسطورة المضللة ستزكم الأنوف، والفضيحة الفاقعة ستكون ماثلة في نشوء دولة “إسرائيل” على أرض شعب آخر في فلسطين حيث استعملت العصابات الصهيونية المسلحة نفس الأساليب النازية في تنكيل وطرد السكان الأصليين من ديارهم. حيث عشية قيام دولة إسرائيل أحرقت القرى والناس نيام في بيوتهم، وفي قرى أخرى نسفت البيوت على رؤوس ساكنيها، وأقيمت المعتقلات وارتكبت مجازر فظيعة، وكل ذلك لترويع السكان الناجين بغية طردهم إلى خارج الحدود. وسياسة القتل والتشريد التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948ما زالت قائمة ليومنا هذا.

وقد أكد العديد من المفكرين النازيين من أمثال المنظر النازي “روزن بر” على إعجابهم بالفكر الصهيوني لتماثله مع الفكر النازي، خصوصاً فيما يتعلق بتفوق العرق وعدم القدرة على التعايش مع الأعراق الأخرى. لذلك فأنّ نظام الفصل العنصري “أبارتهايد” في الكيان الصهيوني هو أساس التعامل مع أصحاب الأرض الأصليين.

صحوة ضمير

في بدايات القرن الجاري وفي إبّان الانتفاضة الثانية التي سميت بانتفاضة الأقصى ظهر على التلفزيون السويدي رئيس الوزراء السويدي الأسبق “انغفار كارلسون” ليعلن أمام مشاهد قتل جنود الاحتلال لأطفال يرجمون الجنود بالحجارة جملته الشهيرة “لا يجوز، لتكن أعداد ضحاياهم عشرات الملايين وليس سته في المحرقة، فلا يجوز قتل شعب آخر في الشوارع بهذه الطريقة المتوحشة”.

كانت جرأة منقطعة النظير أن تطلق السويد هذا الموقف الرسمي على لسان رئيس وزراءها آنذاك، وهو الموقف الذي كان على أوروبا مجتمعة أن تتلقفه وتتبناه نصرة لحداثتها وفكرها النهضوي في تدعيم أسس الديمقراطية، وما سيحررها من غياهب الأساطير.

هذا المقال رفضت صحيفة “القدس العربي” اللندنية نشره

Hits: 16

الوسم


أترك تعليق
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°