أحدث الأخبار

قصص من النكبة / نادية سعادة

+ = -

عندما تعبر “المنصورة” على امتداد كرمة الكرمل، وعلى أطراف حيفا، ترى كثافة لشجر البرتقال “أبو صرّة”، وكانت عصفورات تثقب جدار قشره بعنف عطش واضح. أجل، كانت الدنيا قيظًا لا يُطاق.
بدأت “سليمة” تجهيز مؤونة الرحلة لزيارة ابنها الوليد في سجن الجلمة. استيقظت فجرًا، وجهزت عدة فطاير للسائق، والمحامي، ولصديق الوليد، محمود عفانة.
أعطاها محمود أوراقًا، وطلب منها لفها بعناية تحت نطاقها العريض، وقالت له: مع أنكم شيوعيون… لكن الوليد يحب الشعر….
وقال لي في الزيارة السابقة: أريد أن تحضري لي سميح القاسم في المرة المقبلة.
ابتسم محمود ابتسامته الخبيثة الهادئة، الخبيثة لأنه كان يعرف أكثر عن الشعر بين هذه الأوراق الملغومة بالرفض والتحدي والثبات.
ركبت الباص، ووصلوا جميعًا نقطة تفتيش سالم، وكانت قريبة من عدة محاكم متناثرة على أطراف المنطقة، وكان السجناء يدخلونها عن طريق شاحنات صغيرة، لها شبابيك ضيقة، لا ترى منها إلا وجوه الداخلين قاعات تلك المحاكم.
غالبًا، في تلك المحاكمات، لا يستطيع الموقوف الحديث حتى مع أمه، ولكن المحامي “رضا” استطاع الحصول على نصف ساعة تلتقي فيها سليمة مع الوليد، ودخلت الغرفة، وهي تلهث، وعانقته، وكان العناق طويلًا، استطاعت ببراعة أمٍّ أن تدس أوراق الشعر وغيره في بزة الوليد، الذي أحسّ بضغطات أصابع أمه، والتي كانت لا تقرأ ولا تكتب.
لكنها قدمت له أغلى ما يمكن توفيره في محنة السجن.
بدأ الوليد يقص على أمه بعض الاعترافات، لِيُشعرها أنه ما زال ذلك الطفل الذي يحتاج حنانها وقربها، وأخبرها كيف وضع “حطّة” عمه الصادق في الطابون، وكان ينتقم منه، لأنه أقنع والده بحبسه ومنعه من الخروج في مظاهرات يوم الأرض.
لماذا “الحطّة”؟!
لأنها صاحبة عمر طويل استمر على رؤوس الآباء والأجداد. والغريب أنها ظلت بخير، حيث مرضت أمه في ذلك الصباح العجيب، ولم تخبز في الطابون، وعندما لمح غضب عمه الصادق، أسرع نحو الطابون، وأخرج الحطة وعلّقها على شجرة التين.
حتى أنّ عمه في ما بعد علّقه على الشجرة نفسها، وعندما قبض عليه متلبسًا يرسم على سور مدرسة الوكالة اسم فلسطين ومنجل…

زفّة عروس في مخيّم الفوّار
لمن لا يعلم، مخيم الفوار يقع في منطقة الخليل، وزيّن حدوده الصعبة بأنوار الشهداء في انتفاضة القدس.
عن أهله، فقد تركوا مجبرين قرى الفالوجة، وعراق المنشية، والدوايمة، وبيت جبرين، ودير نخاس، وزكريا، وعجور، وتل الصافي، وقبيبة أبو عواد، وغيرها….
وكان الأمل تجاعيد توزّعت في ملامح وجوههم ينتظرون العودة
هذه القصة حدثت بالفعل، وربما البعض حين يقرأ هذه الكلمات، سيقول لنفسه، وربما لغيره…. ما هذا الجنون!
في تراثنا العربي والفلسطيني بالذات، هنالك طقوس للانتقال من:
“العزوبية” لبيت الزوجية المؤبّد غالبًا.
“زفة العريس”، ومن هنا بدأت حكايتنا “النكبويّة”.
على أيّ حال، كان أحمد “خرّيطة” على وشك زفّه من قبل أصدقائه وأقارب وجيرانه المُحبّين.
كان يوم الجمعة، وبدأ بحمام العريس، الذي ظهر عليه حزنٌ ما، وكما أخبرني أخوه عبد “الكريك”، هذا لقبه، بسبب نشاطه الغريب بعد صلاة المغرب، حيث كان يجمع التراب المتجمّع أمام ورش البناء، ويُلقيها على أطراف المستوطنات التي تحيط الفوار وغيره.
سمّوه “الكريك”، وكان منتشيًا بهذا اللقب، وحين يمازحونه، يقول للمازح: ثمن “الكريك” ثلاثين شيكل، لكن لن نشتريك بنصفهم!
مرّ حمام العريس “الخرّيط” على خير وسلامة.
حين هبط المساء على نواحي الخليل، اشتعلت الدنيا برصاص القناصة المستعربين يوزّعون حقدهم على بعض طرقات البلدات والقرى القريبة من دورا، والسموع، وغيرها.
كان الرصاص طائشًا، فأصاب المقاتلين، والعريس، وغيرهم.
عندما وصل الخبر إلى مخيمه البائس، ولم يأتِ جسده المنتظر تلك الفرحة، جلست أمه تنشج ذاك الموت الزهيد، الذي يخطف شباب العمر بلا موعد…
بكت نساء الفوار كما لم تبكِ في النكبة، أما العروس “أميرة”، فقالت لعمتها أمينة: يا عمتي الشباب ماتوا أيضًا، ولبست فستانها الأبيض، وجدلت شعرها، وخرجت، وكان القمر ينير طرقات المخيم.
لحقتها عمتها أمينة والبنات، والبعض يسأل عن أمها، أميرة كانت يتيمة أيضًا، وفقدت أهلها في ظروف غامضة حين كانوا يتنزهون على أطراف يطا.
أما أبناء المخيم، فأشعلوا مشاعل كانت تضاء في مواكب الشهداء، وغنوا للعريس، للعروس… وكلاهما حضن لتلك الأم الحانية… فلسطين.

من سطح لسطح في حيفا
كانت خالتي “راوية” حاملًا في الشهر السادس، حين كسر القادم من وراء البحر مجدافه على باب دارهم.
أمسك زوجها فوّاز يدها بقوة، وصعدا معًا سطح بيتهما، وكان متصلًا بدرج قصير بسطح بيت آخر، وصلا آخر الحي.
كان الدم قد غمس ثوبها بقعًا تناثرت على الأسطح، التي صارت في لحظات غيمات، وانتقلت بخطواتهما خارج حيفا.
جلس فواز يبكي. كان ينتظر طفلهما بفارغ الصبر، ولكن ضاع الانتظار، وبدأ انتظار آخر….
ركبا قاربًا قيل إنه ذاهب بهما إلى مسقط رأسهما في غزة. هنا بالذات انقلبت الحكاية، فقد سمعت بالمهاجرين من فلسطين المحتلة سنة 1948 إلى غزة، لكن هنا كان فواز يشتغل بالتجارة، وحدث ما حدث….
فجأة تحرك القارب إلى قدر غريب آخر، ليجد نفسه، وزوجته، في جزيرة مالطا، وظلت “راوية” تبكي حتى شعرت بغبش شبه دائم في عينيها، وكأنها بدأت تعاني مضاعفات النزيف والتعب والتوتر الدائم، في تلك الرحلة القسرية من حيفا لغزة.
على أي حال، تمّ ترحيل الفلسطينين من مالطا إلى مصر، إلى مخيم السويس، وكان ذلك السجن الجديد قصة أخرى..
حين جلسا في مخيم السويس، كانت رمال الصحراء تنفث ذلك السحاب المنخفض، الرتابة والهم والترقب.
كان الناس القادمون عبر غزة إلى هنا يأملون بالخروج من “الغيتو” الجديد، بلا فائدة.
حتى أنّ امرأتين فقدتا عقلهما، بعد مشاهدتهما لطفليهما يغرقان في البحر قبل وصولهما إلى هنا.
كانتا تقفان على حدود المخيم، كلما خرج أو دخل جندي، تلطمان، وتصرخان بصوت مخنوق…. “كشيلها فلسطين”.
حاول بعض الأقارب سحبهما من سجنهما، للإقامة في مدينة القاهرة، وفشلت كل المحاولات.
كانت الأشهر هنا لئيمة، محاطة بعدة حدود، وبلا معنى، صغار يموتون بالأمراض السارية، وبعض النساء تتردد بين فقدان الذاكرة، أو البصر…
ظروف قاسية، وحرب يومية مع الإقامة الجبرية في المخيم.
استيقظ على صوتها تبكي…
ــ ما لك يا بنت؟
وأشارت إلى بطنها، وأخبرته: ذهب ابننا!
لم يأتِ ليذهب، وهي رحلة أخرى، والسلامة!
كان جوابه شاعريًا، وهي تكره المجاز، وتكره تسمية الأشياء بغير اسمها… أصلًا هي امرأة لا تقرأ، ولا تفهم معنى لوجود كتاب في مخيم يختنق فيه الناس، ويمضي الوقت بطيئًا راهبًا، بلا رحمة…
كانت غزة تحترق في ذلك الصيف، وبدأت رحلة الثوار عبر المغر، وكانت خنادق العسكر تنتظر.
تغير الحال، وبعد ازدحام غزة بأعداد إضافية من الناس القادمين من كل جزء في شمال فلسطين، وبعض الوسط من محيط القدس بالذات، وبعض أجزاء عسقلان والرملة واللد.
ـ نسافر للسعودية؟
كانت جدة محطة أخرى لفواز، عمل فيها بتجارة ازدهرت، بسبب فطنته، ورحابة صدره مع السعوديين، وغيرهم.
وبدأت زوجته ترتاح بسبب استقرارهما بلا حرب، أو نكبات.
كانت صواريخ النكسة على أبواب البلاد، وكان الناس يستمعون إلى نشرات الأخبار التي تنقل صيحات الهزيمة.
وُلدت أنا… لأكون البنت الثانية لتلك العائلة الفلسطينية، وبفارق عشر سنوات عن أختي الكبيرة “رضية…”.
هي ولدت في مكان آخر، ربما مخيم السويس، أو غزة، في ما تلا من ترحال، لا أذكر.
بعد كل هذه السنوات القاسية، لم يتغير شيء، ولم أر غزة، وأحلم… فقط أحلم… أن أعود، ومن سطح بيتي هنا إلى سطح بيتهم هناك في حيفا، وأشمّ رائحة المنثور الليلي، وأقطف شيئًا منه لأمي وأبي، وأخبرهما… كان كابوسًا ومضى…
نحن الآن هنا…

  • قاصة من الأردن.

Hits: 5

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°