أحدث الأخبار

ألف الإبداع..بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية / موسى إبراهيم أبو رياش

+ = -

موسى إبراهيم أبو رياش

بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية: 18 كانون أول/ديسمبر

يجادلني أن همزة الابتداء ليست شيئًا مذكورًا، والخطأ بها مغفور لا يُعتد به، وإهمالها عُرف مُتبع بين كبار الكُتاب، والقارئ يستطيع أن يستبينها وإن لم تُثبت، فيكفي الألف (ا) نظيفة ناصعة، دون زوائد تشوه قوامها الرشيق؛ فلا طاقة لها على حمل شيء فوق رأسها الجميل، ورقتها وحساسيتها تحتم عليها أن تتجنب دوس أي شيء يؤذيها ويجرح ناعم قدميها.

أستهجنُ ما أسلفتَ؛ فهو استخفاف باللغة، وجرح هيبتها فيما تكتب، فلا حجة على اللغة إلا اللغة نفسها وسدنتها، لا كاتب ذو عوج، في قلبه زيغ، ولكن، دعني أسايرك؛ هل يجيز لك إبداعك الفذ أن تعكس الهمزات؛ فتُسفل ما عَلت، وتُعلي ما سفُلت؟! أم اتخذت عند أساطين اللغة موثقًا إبداعيًا بأن تتكرم بهمزة لمن لا همزة له، وتبخل بهمزة على من أُكرم بها؟!

قد أجد لك عذرًا لو أخطأت في همزة الوسط، فهذه قد يتوه فيها الكثيرون، ولكن لا أجد مبررًا ولا حجة بأن تخطأ في همزة البداية، فإن كنت لا تعلم، فاسأل من يعلم، وعليك المراجع والمواقع المتخصصة ففيها شفاء كل عي!!

قد تتهمني بالتعصب اللغوي، نعم، أنا متعصب للغة حتى النخاع،  وأتحسس من أي خطأ أصادفه وأنا أقرأ، وأتقزز إن زادت عن الحد، ولا أخجل أن أسأل وأتأكد من صحة الكلمات في مظانها وعند أهل اللغة، فهذا لا يعيبني ولا ينقص من قدري شيئًا، ولكن العيب كل العيب، أن أُصدر كتابًا إبداعيًا، وفيه من أخطاء الهمزة ما يُحزن كل محب للغة، ويؤذي كل عاشق لها، ويضرب الإبداع في مقتل.

تقول أن الإبداع ليس لغة فحسب، هذا أكيد، ولكن لا إبداع بلا لغة صحيحة القوام، مبرأة من كل عيب إملائي ونحوي، قد يُتساهل بعشرة أخطاء، عشرين، ولكن هل يمكن التساهل بعشرات وعشرات ومثلها عشرات وعشرات قد تتعدى المئات؟؟!!

اللغة ليست مجرد وعاء للإبداع أو حاضنة له، بل هي صلب الإبداع، وما الإبداع إلا تلاعب بالكلمات والمعاني وترقيصها بعذوبة ومهارة، أما الأفكار والحكايات فهي مكدسة على قارعة الطريق، متاحة لكل عابر سبيل. أرأيت لو قُدمت إليك أشهى وجبة تحبها أو حلوى تتلذذ بها في وعاء  علاه الصدأ أو  مثلوم الأطراف، أو مصفر الحواف، أو شوهته الكدمات، هل تطيب نفسك أن تأكل؟؟

من لا يتقن ألف البداية، فليتوقف عن إدعاء الإبداع؛ ألم تسمع قول ابن عطاء السكندري: «من أشرقت بدايته أشرقت نهايته»، وبالضرورة، من ساءت بدايته اسودت نهايته، فلم تحمل نفسك عبئًا لست أهله، وتروم شرفاً لا تستحقه، وتبتغي مجداً لن تصله، وتسلك طريقًا ليس لك فيه نصيب، وما أظن الحطئية إلا قصدك ومن على شاكلتك: «دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها ….. وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي»، فتأدب، واكسر عينيك، فقد دنست بساط الأدب بقلة الأدب.

ليس مطلوبًا من كل مبدع أن يكون نحريرًا في اللغة، ولكن أن لا يهين اللغة، ولا يتعالى على اللغة، ولا يستهين باللغة، وليسأل أهل الذكر إن أعجزه الصواب أو نخزه الشك، وقد جعل الله في «المدقق اللغوي» سترًا من عيب اللغة، ودرءًا لألسنة الخلق، وإبعادًا لكل شبهة ضعف، وفقأً لأعين صيادي الأخطاء، ونجاة من كل مؤاخذة وتندر، وتجنبًا لمحترفي الهمز واللمز والسخرية.

المبدع الحقيقي، لا تأخذه العزة بالإثم، كبرًا وعلوًا، بل يتواضع إن أهداه أحد عيوبه، وأحصى له أخطاءه، فلا خطأ تافهًا أو سخيفًا، فالخطأ هو الخطأ، كبر أم صغر، وليس عيباً أن تخطأ، ولكن إصرارك على الخطأ ونفي أنه خطأ، هو جريمة لا تغتفر بحق اللغة وأهلها، وتخطئة لكل معاجم اللغة واللغويين إلى يوم يبعثون. والمبدع الحقيقي أفرح بمن يهديه عيوبه أكثر ممن يزجيه مدحًا أو يطريه ثناءً، فالأول يبصرك ويحذرك ويمحض النصح لك، والثاني قد يخدعك ويقودك إلى طريق مظلم؛ أو على الأقل تنتفخ كبالون ثم تنفجر!!

احمد ربك، أنك لم تعاصر الرافعي، وإلا لما نجوت من سفوده، أو الزيات؛ فلجعلهم يبكون عليك؛ انتصارًا لليلاه المريضة!! ولذا لا عيب أن تعود إلى دفاترك وكراريسك في الروضة والصفوف الأولى، علك تصحح إعوجاجك، وتستدرك ما فاتك، وتعرف أن (ا) ليست كـ(أ)، ومختلفة عن (إ)، وغير(آ)، فلكل منها شخصيتها، وكيانها وتقديرها واحترامها، أما خلط الحابل بالنابل، فهو من عمل التنابل، لا يليق بعاقل، ولا ترضاه الأواخر ناهيك عن الأوائل.

لا أقصد أحدًا بعينه، فكلنا نخطأ، ونقع في مصائد لغوية أحيانًا؛ تحرجنا وتخجلنا، ولكن «إللي على راسه بطحه يحسس عليها».

Hits: 0

الوسم


التعليقات مغلقة.
follow this link for more
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°