أحدث الأخبار

فواتح للشهية / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

تحتل المقبلات المرتبة الأولى في قائمة الطعام العربية والتي تستعمل كفواتح للشهية من أجل التهام أكبر قدر من الطعام في محاولة من المواطن العربي لتناسي همومه التي يرزخ تحتها مثل الحروب التي لا ناقة له فيها أو جمل أو ضغوط العمل اليومية أو زحمة الشوارع أو النقص المزمن في الأموال. وفي مقدمة هذه المشهيات يأتي الزيتون؛ بالنسبة لي على الأقل، كفاتح الشهية الأول والذي احتل هذه المرتبة بكل جدارة وعن استحقاق نظرا لطعمه الفريد وتنوع مذاقاته وألوانه وأصنافه ولذلك أستطيع أن أقول أن مائدة بلا زيتون هي مائدة ناقصة تماما.

موضوعنا اليوم ليس بالتأكيد عن فواتح الشهية من المخللات بل عن نوع آخر من المقبلات وهي الكتب، فهنالك بعض الكتّاب ما أن تقرأ لهم مقالا أو تبدأ بقراءة أحد مؤلفاتهم حتى يبدأ وبشكل غير مباشر بإلهامك بالكتابة وكأنه فاتح شهية من الطراز الأول. وهذا الإحساس يراودني دائما كلما قرأت كتابا للكاتب أدهم شرقاوي أو فهد عامر الأحمدي أو الروائي أيمن العتوم أو المرحوم الشاعر غازي القصيبي وغيرهم الكثير ممن امتلكوا ناصية الكلمة وطوعوا حروفها وأماطوا اللثام عن جمالها وسبروا أغوارها بشكل يجذب القارئ ويمنحه شعورا أقل ما يمكن أن يوصف بأنه حالة من الانتشاء والتجلي.

الكاتب الملهم مثله مثل العالم المبدع والمدرس الممتع والطبيب المتقن والسياسي المحنك والدبلوماسي الرصين فهم يتساون بالإبداع والقدرة على إلهام الآخرين لذلك ستجد البعض من الناس يتبعهم ويسير على نهجهم ثم يبدعوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا من خلال لمساتهم وبصماتهم الشخصية.

الملهمون كفواتح الشهية بل هم مفاتيح للأبواب الموصدة التي يتراجع خلفها الكثير من أصحاب الهمم الضعيفة، أما ذلك النفر من الأشخاص الذين يبثون السلبية وينفثون السموم النفسية مثلهم

مثل الطعام النيّ لا تقبله النفس السوية ولا تستسيغه الأمعاء، أولئك ستجد أبوابهم مشرعة والوصول لهم لا يحتاج جهدا ولا يكلف مالا ولكن أثرهم محبط وللهمم مثبط وليس من وراء مرافقتهم أو متابعتهم سوى الخسران المبين والضلال الكبير.

لكل منا نوع خاص من فواتح الشهية فالبعض يحب المخللات الهندية والبعض الآخر يشتهي المخللات الشامية، والأمر سيان على المستوى الثقافي فالبعض يجد نفسه بين دفتي كتاب، وآخر يجده في فيديو ثقافي مفيد، وثالث يزود نفسه بحصيلة ثقافية منتظمة من الصحافة اليومية التي لعبت ولا زالت تلعب دورا متميزا في ردف المثقف العربي بالحديث والطازج من الأخبار المنوعة سياسيا وثقافيا واجتماعيا ورياضيا وحتى ذهنيا.

يتربع الكتاب ولا زال على قمة الهرم الثقافي وهو الملهم الأول للكثيرين، وخذ مثلا على ذلك كتاب “كفاحي” لهتلر الذي ألهم الألمان وزاد من قناعتهم؛ ولو كذبا، بأنهم جنس آري فريد يمتاز بالقدرات الخارقة ما أدى إلى نمو ألمانيا بشكل سريع وخارق للعادة لتصبح أقوى دولة في العالم ما قبل منتصف القرن الماضي، صحيح أن هذا الكتاب قد كان في النهاية رصاصة قاتلة لأحلام العظمة لهتلر وأتباعه ولكنه أيضا كان في نفس الوقت مصدر تشجيع وتحفيز وتطوير للقدرات الدفينة داخل النفس البشرية في ألمانيا.

عزيزي القارىء… ابحث عن كتاب تجد فيه نفسك ويمدك بالطاقة الإيجابية التي تعينك على مواجهة تقلبات الحياة ويمدك بالمفردات والمعلومات التي تفتح شهيتك للقراءة والكتابة، وابتعد قدر الإمكان عن كتب التاريخ ولو مؤقتا والتي تركز عادة على الكوارث والهزائم وخاصة تاريخنا العربي المعاصر، واستمتع بحياتك وتلذذ بالمشهيات المتنوعة من طعام وشراب… وطعاما شهيا.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

Hits: 18

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°