عقلية الغنيمة بين خطة ترامب ورؤية نتنياهو / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

الآن وبعد انتهاء معركة انتخاب أعضاء الكنيست الإسرائيلي، عاد التباري على ما يحكم “عقلية الغنيمة” التي وسمت المشروع الصهيوني منذ بداياته الأولى، للاستحواذ على الأرض وطرد أكبر عدد ممكن من أصحابها الفلسطينيين، ولهذا لا يكاد يمر يوم دون أن ترتكب قوات الاحتلال المزيد من انتهاكاتها الاستيطانية للمناطق الفلسطينية، ففي كل يوم مشروع استيطاني لبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية هنا أو هناك، فضلا عن بؤر إستيطانية كانت صغيرة يوما، ومجرد كرافان أو عدة كرافانات، وها هي مع تشريعها وتقديم الحماية القانونية لها؛ تصبح مستوطنات لا غنى عنها لاستكمال ما يسمى “مخططات التطوير” الاستيطاني للتجمعات الاستيطانية الكبرى التي يجري الحديث عن إمكانية بقائها، ضمن “صفقات تبادل عقارية”، يجري التخطيط لها من الآن. وهذا يشمل أراضي فلسطينية في كل من مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، ومناطق الاحتلال الثاني عام 1967.

ليس هذا فحسب، فهناك مخاطر تهجير قسري، حيث كشف تقرير لمنظمة “أوتشا” التابعة للأمم المتحدة، عن تفاقم خطر كهذا عبر ما تقوم به قوات الاحتلال في الضفة الغربية بحق الفلسطينيين، حتى أن ثلاثين في المائة من مساحة مناطق “ج” مغلقة لأغراض عسكرية إسرائيلية. وبحسب التقرير، فإنَّ آخر فصول عمليات التهجير، ما يَتعرض له مئات الفلسطينيين في المناطق الممتدة من شرقي مدينة نابلس ومنطقة الأغوار الشمالية وحتى جنوب الضفة الغربية من عمليات تهجيرٍ قسري، بِحجة القيام بتدريبات عسكرية إسرائيلية، إذ أنَّ نصف مساحة المناطق المصنفة “ج” والتي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، تستخدم كمناطق تدريب وإطلاق نار لأغراض عسكرية. وأن ما يزيدُ عنْ 6200 فلسطيني يعيشون في 38 تجمعًا بدويًا في الضفة الغربية وشرقي القدس، قامت سلطات الاحتلال بالتضييق على مدار الأعوام العيش عليهم، وألحقت بهم خسائر مادية بدرجات متفاوتة، وذلك عن طريق مصادرة الأرض وطردهم منها بهدف إقامة مستوطنات جديدة.

وتتلاعب حكومات وسلطات الاحتلال في وسائل السيطرة على أراضي الفلسطينيين بحجج أمنية مختلفة، وتحولها لاحقا إلى مجال حيوي للنشاطات الاستيطانية، وفق ما هو معروف، وما جاء كذلك في أحدث تقرير صدر عن جمعية “كيريم نافوت” الاسرائيلية غير الحكومية، قالت فيه أن إسرائيل استولت خلال 50 عاما على 10 آلاف هكتار (100 ألف دونم) من الأراضي الفلسطينية بذرائع أمنية, لكن نصف تلك الأراضي في نهاية المطاف، تحولت الى مستوطنات في الضفة الغربية التي تحتلها اسرائيل منذ عام 1967، حيث يعيش فيها باستثناء القدس 450 الف مستوطن، ويعتبر القانون الدولي تلك المستوطنات غير قانونية. وأكدت الجمعية في نفس التقرير بان 10 آلاف هكتار التي صادرها الجيش الإسرائيلي منذ عام 1969 هي أساسا ملكية خاصة لفلسطينيين، وأن حوالي 47% من هذه الأراضي المصادرة، استخدمت في نهاية المطاف، في تشييد مستوطنات، أو فتح طرق للمستوطنين وبناء منشآت عسكرية استخدمها المستوطنون لاحقا. كما أوضح التقرير أن حزب العمل بين عام 1967-1977 هو من وضع مفهوم مصادرة الأراضي لبناء مستوطنات، مضيفا ان غالبية عمليات المصادرة حصلت بعد تلك المرحلة، أي لدى تسلم حزب الليكود السلطة بين عام 1979-1983.

وإضافة إلى هدف استبعاد “حل الدولتين” واضمحلاله، فإن ما يجري في الواقع يقارب موضوعة استكمال الاحتلال الاستيطاني لكامل الوطن الفلسطيني، ووفق خريطة التوزع الاستيطاني الحالي، فإنه يوجد الآن حوالي 35 نواة استيطانية في 22 مكان مختلف في كامل الأراضي الفلسطينية، من ضمنها مدينة عكا وبيت شان وسديروت وكريات شمونا ويرحيم، وإضافة إلى بؤر الخليل الاستيطانية المحروسة من قبل جنود الاحتلال، هناك عمليات بناء غرف إسمنتية تتواصل في مستوطنات الأغوار الشمالية شمال شرقي الضفة الغربية، حيث تم إضافة عدد من الغرف الإسمنتية في مستوطنة “مسكيوت” التي قامت قوات الاحتلال مؤخرا بتوسيعها بشكل كبير، في حين أن عمليات البناء في المنطقة الغربية من المستوطنة، لا زالت تتوسع على حساب أراضي المواطنين الفلسطينيين، الذين تم هدم مساكنهم وتهجيرهم منها.

يمكن الإشارة هنا إلى ما جاء في التقرير السنوي الأخير لوزارة الخارجية الأميركية حول حقوق الانسان في العالم، حيث اعتبرت الخارجية فيه الضفة الغربية والجولان أراضٍ خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ما يعد تغييرا في موقف الإدارة الأميركية من الجولان والضفة، على عكس المواقف التي كانت تتخذها الإدارات الأميركية السابقة على أنها أراضٍ محتلة، والتي تصنف أيضا وفق القانون الدولي على أنها أراض عربية محتلة، يتوجب على إسرائيل الانسحاب منها.. كما يشار إلى أنه خلال العام الماضي شطبت إدارة دونالد ترامب مصطلح “الأراضي المحتلة” من عنوان التقرير، واكتفت بوجوده في تفاصيله، لكن في تقريرها الجديد شطبت المصطلح من العنوان والتفاصيل.

وفي الطريق إلى تنفيذ صفقة القرن، رأى المعلق الإسرائيلي عكيفا إلدار أن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، ألمح إلى أن ضم الضفة الغربية أو على الأقل مناطق “ج”، التي تمثل أكثر من 60% من الضفة، يعد من “التنازلات” التي يتوجب على الفلسطينيين تقديمها. ولفت في تقرير نشرته النسخة العبرية لموقع “المونيتور” (19/4/2019) إلى أن مجرد حديث الإدارة الأميركية عن قرب طرح “صفقة القرن” أغرى حكومة اليمين المتطرف بالعمل على تغيير الوقائع على الأرض، مشيرا إلى أن إسرائيل كثفت عمليات الهدم في القدس الشرقية. وأوضح أنه في كل ما يتعلق بالموقف من مصير الضفة الغربية، فإن ترامب يتأثر بشكل أساس بمواقف التيار الإنجيلي المسيحي، الذي يمثل قاعدته الانتخابية، والذي يؤيد بحماس سيطرة إسرائيل المطلقة على الضفة الغربية.

وفي هذا السياق كذلك نقل المعلق الإسرائيلي في صحيفة “هآرتس”، أنشل بفيفر، أن الخطة التي أعدتها الإدارة الأميركية تتماثل مع تصور الحل الذي ضمنه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في كتابه “السلام الدائم” (A Durable Peace)، الذي أصدره عام 1999، والذي يقوم على ضم المناطق غير المأهولة بالسكان في الضفة الغربية، التي يطلق عليها مناطق “ج”، التي تمثل 60% من الضفة ومنح الفلسطينيين حكما ذاتيا. وقال بفيفر في مقاله إن التصور الذي وضعه نتنياهو بعد فشله في الانتخابات أمام إيهود براك يعتمد على استخلاصاته من فترة حكمه الأولى التي امتدت من العام 1996 إلى 1999، منوها إلى أن نتنياهو شدد في كتابه على وجوب احتفاظ إسرائيل بأكبر مساحة من أراض في الضفة، والتخلص من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. ولفت إلى أن نتنياهو اعتبر أن الأراضي التي ستضمها إسرائيل في الضفة الغربية ستمثل “مناطق عازلة” تقلص من قدرة الدول العربية في المستقبل على مباغتة إسرائيل بهجوم من الجبهة الشرقية. وحسب بفيفر، فإن نتنياهو قد دعا في حينه لضم منطقة غور الأردن، التي تمثل 28% من الضفة الغربية، وسلسلة التلال التي تشرف عليها وجميع التلال الملاصقة للبحر الميت، إلى جانب تدشين منطقة أمنية حول القدس للحيلولة دون “خنق” المدينة بواسطة التجمعات السكانية الفلسطينية.

وحسب رؤية نتنياهو، فإنه يتوجب على إسرائيل أيضا الاحتفاظ بقمم الجبال في الضفة الغربية وتزويدها بمنظومات إنذار مبكر لتقليص إمكانية تعرض إسرائيل لهجوم مباغت، إلى جانب السيطرة على أراض تمكن إسرائيل من تدشين ممرات آمنة تربط منطقة غور الأردن بساحل البحر الأبيض المتوسط. وحسب ما ورد في الكتاب، فإن هذه الممرات تضم الأغلبية الساحقة من المستوطنات في الضفة الغربية. ولفت بفيفر إلى أن نتنياهو أصر في كتابه على وجوب احتفاظ إسرائيل بالمناطق التي تتواجد فيها المياه الجوفية في الضفة، والتي تمد إسرائيل بـ 40% من احتياجاتها من الماء.

يجري كل هذا في وقت يستعيد الصراع على الأرض، عود على بدء، وبما ينسجم ولا يناقض سياسات الغنيمة التي يراد لها أن تستمر في مراكمة والاستحواذ على المزيد من الأرض الفلسطينية، وفيما يستمر البناء الاستيطاني، تواصل مؤسسات الاحتلال رفض السماح بالبناء الفلسطيني، وفق ما أفاد مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم”، من أن سلطات الاحتلال ترفض غالبية طلبات البناء التي يقدمها الفلسطينيون في الضفة الغربية، مشيرًا في ذات الوقت إلى أن المحاكم الإسرائيلية تتبنى سياسات الحكومة في موضوع مواجهة البناء الفلسطيني بالضفة الغربية المحتلة. وكشف تقرير صادر عن المركز تحت عنوان “عدالة زائفة: مسؤولية قضاة محكمة العدل العليا عن هدم منازل الفلسطينيين وسلبهم”، أن الفلسطينيين قدّموا 5475 طلب ترخيص بناء في الفترة الواقعة بين عام 2000 ومنتصف عام 2016، وتمت الموافقة على 226 طلبًا فقط، أي نحو 4% من الطلبات، وذلك وفقًا لمعطيات ما تسمى بـ”الإدارة المدنية الإسرائيلية”.

وفي السنوات الخمسين الماضية، أقامت سلطات الاحتلال نحو 250 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة التي يحظر القانون الدولي إقامتها أصلاً، وفي الفترة نفسها أقامت بلدة فلسطينيّة واحدة فقط نُقل إليها تجمّع بدويّ كان قائمًا في منطقة خصّصتها إسرائيل لتوسيع مستوطنة، وهكذا فحتى إقامة البلدة الوحيدة هذه جاءت لخدمة احتياجات إسرائيل الأمنية والاستيطانية.

وبالرغم من عقود الاحتلال الطويلة منذ العام 1948، ما برح المشروع الاستيطاني التهويدي شرها للمزيد من الأرض، وتواقا للمزيد من تشريد أصحابها، ليس في الضفة الغربية والقدس فحسب، بل وفي العديد من مناطق الجليل والمثلث المأهولة بأصحاب الأرض، ومؤخرا في النقب؛ ولأهداف ليست استيطانية فحسب، بل ولأهداف سياسية واقتصادية، ترسم مصيرا مختلفا للوطن الفلسطيني، من حيث اقتطاعه بشكل كامل، وقطع إمكانية اتصاله وتواصله في ما بين جزره التي عزلها الاستيطان، وباعد بينها ديموغرافيا وجغرافيا على حد سواء.


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً