أحدث الأخبار

نحو رؤية جديدة لمستقبل العمل الكفاحي الفلسطيني / إيهاب السيد

+ = -

إيهاب السيد *

منذ سنين والقضية الفلسطينية تراوح مكانها، عالقة في مجموعة من الأزمات التي أظهرت الجمود الفكري والسياسي والتنظيمي الطاغي في الساحة الفلسطينية وخصوصاً في منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة وعلى صعيد فصائل منظمة التحرير جميعها بلا استثناء.

وقد تعددت المحاولات أو النداءات التي تطالب وتحاول تحريك المياه في مجرى القضية الفلسطينية دون أن يحالف أي منها النجاح. بعضها كان مجرد صرخة في الفضاء، والبعض الآخر كان يهدف لتغطية جهة ما أو تثبيت موقف أو إحراج طرف دون رغبة حقيقية بالتقدم أكثر من ذلك. وبين كل هذا وذاك كان الشعب الفلسطيني في كافة مواقعه وأماكن تواجده يتابع ويأمل وينتظر النتائج والتغيير دون أي نتيجة على الإطلاق سوى إشاعة الخيبة ونشر اليأس والإحباط بين جماهير الشعب وفئاته المختلفة.

والأدهى من ذلك كله أن الوضع الفلسطيني أصبحت رهينة الانقسام لأكثر من عقد من الزمن، انقسام سياسي، بغض النظر عن أسبابه، تحول إلى انقسام جغرافي يكاد يشطر الوطن المقسم والمحتل ويتجذر بفعل فاعل يسعى لتدمير الحركة الوطنية النضالية الفلسطينية وتجذير الانقسام المناطقي على حساب الثوابت الوطنية والكفاحية الجامعة. هذا الانقسام هو الأسوأ في التاريخ الفلسطيني الحديث حيث أنه ليس انقساماً في المواقف أو النهج أو الرأي السياسي، بل إن تحوله إن انقسام جغرافي قد أحدث شرخاً يسعى أعداء القضية إلى توسيعه وتكبيره وديمومته بما يخدم مصالحهم ويعطل الفعل الوطني الفلسطيني ويشغله في صراعات وخلافات داخلية تستنزف قواه وإمكانياته وجهده ووقته لسنين طويلة قادمة. وهذه الخلافات تلعب دوراً كبيراً في إبعاد الشباب عن دوائر العمل السياسي والتنظيمي والكفاحي بسبب يأس الكثير منهم بإمكانية تحقيق أي إنجاز في ظل هذه الخلافات والانقسامات وفقدان الأمل لديهم بجدوى العمل مع أي من هذه التنظيمات المتناحرة. هنا يصبح الولاء لدى أعضاء التنظيمات والفصائل والحركات المختلفة ولاءً للحركة أو التنظيم، يسبق ويتقدم على الولاء للوطن والقضية والشعب. لذا يصبح من الطبيعي أن يتعصب كل شخص للتنظيم الذي ينضوي تحته دون نقد ذاتي ودون التفكر فيما إذا كان موقف تنظيمه مصيباً أم مخطئاً في هذه القضية أو تلك.

بالطبع لم يخلو تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة من الخلافات والنزاعات السياسية والفكرية والمسلحة في بعض الأحيان بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وداخل التنظيمات الفلسطينية ذاتها. لكن هذه الخلافات كانت محدودة في تركيزها على البعد السياسي والفكري (كانشقاق الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية، جبهة الرفض، وحركة فتح الانتفاضة، وغيرهم)، ولم تكن تشكل خطراً وجودياً على القضية نفسها وإن كانت أضعفت أو أثرت على هذا التنظيم أو ذاك في وقتها. كما أنها لم تتطور لتصبح انقساماً عمودياً في صفوف الشعب ولم تؤثر على ثوابت الشعب الفلسطيني أو تتلاعب بها.

باختصار أضحت القضية الفلسطينية اليوم مرتهنة للصراع بين الحركتين الكبريتين فتح وحماس، ولم يعد هناك مجال للاتفاق بين هاتين الحركتين، لأسباب موضوعية وإقليمية، لأسباب داخلية وخارجية ليس هذا مجال مناقشتها وشرحها.
إن ما أسعى إلى التركيز عليه اليوم هو محاولة تقديم رؤية مختلفة للخروج من هذه الثنائية التي تحكم النضال الفلسطيني منذ أكثر من 20 سنة والتي أوصلتنا إلى حالة الجمود هذه دون أي أمل في تجاوز الأزمة ضمن الوضع الحالي والنظام السياسي الفلسطيني القائم حالياً سواء في الضفة الغربية أو في غزة واختفائه في الشتات الفلسطيني.

الحل الذي أطرحه في هذه العجالة هو العمل على كسر هذه الثنائية على الساحة الفلسطينية من خلال بروز حركة ثالثة جديدة تضع أهداف جامعة وتتبنى ثوابت الثورة الفلسطينية التي أجمع عليها الشعب الفلسطيني طوال عقود من نضاله من أجل التحرير.

بالطبع لست طوباوياً ولا أتوقع أن هذا الحل بالأمر السهل، بل سيكون أمامه عقبات كبيرة داخلياً وخارجياً، فلسطينياً وصهيونياً وعربياً. لكن ما يبرره هو عجز التنظيمات والفصائل الموجودة عن كسر هذه الثنائية والتواصل مع الشارع الفلسطيني وكسب شعبية لديه تنافس شعبية الفصيلين الكبار لأسباب موضوعية تتنوع بين ضعف الإمكانيات أو الأيديولوجيا أو الارتهان لأطراف خارجية، الخ.

هذه الحركة التي أدعو لها يجب أن يؤسسها جيل جديد مستقل يطرح برامج سياسية وكفاحية تحوز إجماع الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده. وينبغي أن تكون حركة كفاحية تعتمد معايير نضالية عالية تستفيد من تجربة الثورة الفلسطينية ومن تجارب الثورات العالمية في القرن العشرين، وتطويرها بخصوصية فلسطينية تواكب مستجدات القرن الواحد والعشرين وتتعامل مع الوضع الفلسطيني المعقد سياسياً وأمنياً وثقافياً في الضفة الغربية وغزة والشتات والداخل. ينبغي أن تبتعد هذه الحركة في بداياتها على الأقل عن الدعاية والظهور وأن تركز على العمل على الأرض بين القواعد الشعبية لتأسيس قاعدة شعبية حقيقية لها تمكنها من تمثيل طائفة واسعة من أبناء شعبنا وتجاوز الفصيلين الكبيرين وتكسر احتكارهما للقرار الفلسطيني في مناطق نفوذهما. ولا بد هنا من الاستفادة من تجارب التنظيمات الفلسطينية السابقة في اعتماد السرية لتجنب قمع سلطات الاحتلال وسلطات الحكم في الضفة وغزة المتوقع لها ولكوادرها كما حصل مع الحراكات الشبابية المختلفة في السنوات الأخيرة، مع تأكيدي على أن المطلوب حركة نضالية فدائية وليس حراك شبابي فضفاض لم يستطع الصمود أمام قمع الاحتلال والسلطة أو تطوير نفسه في إطار تنظيمي فعال ومؤثر. حركة تستخدم وسائل وأدوات القرن الواحد والعشرون دون الاعتماد عليها لسهولة مراقبتها واختراقها بما يحولها إلى مصيدة للشباب.

إن الفعل المقاوم هو الوحيد القادر على توحيد أطياف الشعب الفلسطيني وإعطاء أي تنظيم مصداقية حقيقية. إن التضحية والكفاح هو ما يكسب أي حركة فلسطينية احترام الشعب. هذه الحركة بحاجة إلى خطاب جديد يؤكد على الثوابت الفلسطينية بلغة معاصرة تصل للشباب والفلاحين والعمال والمثقفين وكل فئات الشعب وتحشدهم خلف استراتيجيات وتكتيكات نضالية مقاومة قادرة على تحريك الشارع والضغط على الأطراف المختلفة لتجاوز الخلافات والانقسامات والعمل ضمن إطار فلسطيني موحد أو تجاوز هذه الأطراف بالكامل إن لم تستطع أن تقدم مصلحة الوطن والقضية على مصالحها الذاتية الفصائلية.
وللحديث بقية…

إعلامي عربي فلسطيني

Hits: 13

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°