أحدث الأخبار

وداعا سوار الذهب / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

بكل حزن وأسى أنعي لأمتنا العربية رحيل رجلا من أعظم الشخصيات التي عرفها العالم العربي خلال القرنين الحالي والماضي. رحل ولم يترك خلفه ثروة بالمليارات وأرصدة لا يعلم منتهاها إلا الله. لم يخلف ولدا ويعده للحكم من بعده، ولم تكن زوجته يوما ما السيدة الأولى التي تأمر وتنهى أكثر مما يفعل الحاكم وزبانيته.

رحل غير آسف على كرسي ولم يطمع بأن يجلس عليه مدى الحياة مثل غيره الذين استمرأوا الجلوس على الكرسي وتشبثوا به حتى لو أصابهم الزهايمر والباركنسون… فكل ذلك لا يهم، فما يعنيهم البقاء على سدة الحكم حتى لو ضحوا بالشعب والوطن.

استلم الحكم العام 1985 وتخلى عنه برحابة صدر وسعة أفق بعد أن أجرى انتخابات حقيقية في السودان والتي فاز بها صادق المهدي الذي أُسقط لاحقا بانقلاب عسكري… تماما كعادة العسكر في أوطاننا فهم لا يهدأ لهم بال حتى يسيطروا على الحكم ثم يشيعوا في البلاد فسادا ومغامرات طائشة توردها المهالك وتستنزف مواردها… والأهم أن العسكر يحلو لهم الكرسي في النهاية فيبقوا عليه مدى الحياة كما حصل سابقا وكما هو حاصل اليوم.

تذكرت مع وفاة هذه الشخصية العظيمة مقالي السابق بعنوان “عودوا لثكناتكم أيها الضباط” وأحزنني حالنا الذي وصلنا إليه من تهاوي الدولة المدنية وانهيار الاقتصاد وزيادة عدد السجون والمعتقلين وشيوع الاختفاء القسري للشخصيات المتميزة في مجتمعاتنا… فحالي مثل حال أي مواطن عربي شريف يتمنى شيوع الاستقرار والديمقراطية والحرية لنبدأ عجلة التنمية ونخرج من مستنقع التبعية والتخلف الذي طال مكوثنا فيه لعقود.

لم يتعلم الضباط من دروس التاريخ، ولم يتعلموا من تجربة الرئيس السوداني السابق المشير عبدالرحمن سوار الذهب الذي تخلى عن الحكم طواعية وسلّمه لحكومة مدنية منتخبة من الشعب… لم يتعلم الضباط أن مكانهم الثكنات العسكرية وثغور الوطن ليذودوا عن حماه ضد الغزاة والطامعين لا أن يجلسوا على الكرسي أبد الآبدين ويسيروا على السجاد الأحمر
ويقابلوا رؤساء الدول الذين تم انتخابهم ديمقراطيا من شعوبهم ثم يتشدقون بالحديث عن الديمقراطية والنزاهة والحرص على التنمية وغيرها من الخزعبلات التي لا يؤمنون بها مطلقا.

رحل الرجل الذي أكن له التقدير والاحترام وأقف احتراما لقدره ومقامه العالي، لقد ضرب لنا سوار الذهب المثل الأعلى جميعا في الزهد والنزاهة والقدرة الخارقة على التخلص من جاذبية السلطة والنفوذ… رحل عن هذه الدنيا الفانية في المستشفى العسكري في الرياض منذ أيام بعد أن أدى لوطنه الحبيب أكبر خدمة يقدمها مواطن لوطنه.

كان يؤمن بأن الوطنية ليست بالتشدق بالكلمات المنمقة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، إنما هي حب الوطن الحقيقي والعمل على إعماره وتنميته وتجاوز التفكير الذاتي والأناني الضيق إلى العمل الجماعي إيمانا منه بأن الديمقراطية هي الحل الوحيد الذي سينتشل وطنه من براثن الفقر والضياع.

حتى بعد أن ترك الحكم، فإنه لم يتوقف عن أعماله الإنسانية التطوعية إلى أن تكريمه بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام في العام 2004 نظير أعماله المتميزة التي استمرت حتى آخر يوم في حياته.

عاش السودان في قلبه وروحه فعاش هو لأجله ولمواطنيه، ففي كل محفل ومؤتمر كان يسلط الضوء دائما على وطنه ويشيد بأبنائه البررة ويعرض لمحنتهم وتكالب الثالوث عليهم (الفقر والمرض والفساد) لذلك أحبه أبناء وطنه وأحبهم وعاش ومات لأجلهم.

رحمك الله يا سوار الذهب وأسكنك فسيح جناته، رحلت كما رحل قبلك البررة والفجرة ولم يبق خلفهم سوى صيتهم وعملهم فإن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر مصحوبا باللعنات.

رحمك الله وجعل عزاءنا الوحيد ذكراك الطيبة وأعمالك الخيرة وصيتك الحسن والدعاء لك بظهر الغيب أن يجعلك من أهل اليمين وأن يجعل أعمالك في ميزان حسناتك…

د. زياد الوهر
z_alweher@hotmail.com


التعليقات مغلقة.
follow this link for more

اعلان

صدر حديثاً
صدر مؤخراً